نسبية الزمن | الجزء الثاني

نسبية الزمن | الجزء الثاني


بعد أن تحدثنا في الجزء الأول عن نسبية الزمن في النسبية الخاصة، نتابع معكم اليوم حديثنا عن نسبية الزمن، هل وصلنا إلى سرعة قريبة من سرعة الضوء؟

نعم؛ تم التمكن من الوصول إلى قيمة تعادل 99.999946 % من سرعة الضوء، نعم هذا حقيقي ولكن على المستوى الذري، وحدث ذلك في مصادم الهيدرون الكبير في مركز الأبحاث النووية الأوروبي CERN، وهي أقصى سرعة تم التوصل إليها في معمل فيرمي، ولكن ليست الحركة والسرعة في المكان هي الوحيدة القادرة على إبطاء الزمن وتمدده بل هنالك الجاذبية !

نسبية الزمن في النسبية العامة:

الجاذبية:

تماماً مثل السرعة تؤدي الجاذبية إلى تباطؤ الزمن، ولكن الجاذبية في نموذج الفيزياء الكلاسيكية هي قوة صادرة من الأجسام بعضها تجاه بعض، وقد أعاد آينشتاين أيضاً صياغة هذا المفهوم ليلغي هذه الصورة، ويقول أن الجاذبية ليست "قوة" بالمعنى الحرفي للكلمة، وأن مصدرها ليس كامناً في الكتلة، لكنها مجرد تشوه في النسيج الكوني (المكون من الأبعاد الأربعة) يؤدي إلى سقوط الأجسام الصغيرة في تلك التشوهات التي تحدثها الأجسام الأكبر.

وبالتالي كلما ازدادت الجاذبية كلما ازداد تباطؤ الزمن و تمدَّدَ؛ فالأجسام ذات الكثافة الشديدة ضمن حيز صغير يتباطئ الزمن لديها بشكل كبير مثل النجوم النيوترونية النابضة ذات الكثافة الشديدة والجاذبية العالية جداً فما بالك بالثقب الأسود حيث يتوقف الزمن بشكل نهائي و مطلق نتيجة الجاذبية القاهرة التي لا تستطيع حتى الفوتونات الضوئية الإفلات منها!
كلما ازدادت الجاذبية كلما ازداد تباطؤ الزمن و تمدُّدَهُ
دعني أوضح لك شيئاً إن الزمن في قمة جبل إفرست (ارتفاع8884متر) يختلف عن الزمن في منزلك كون الأجسام القريبة من الأرض جاذبيتها مرتفعة و تأثيرها على الزمن أقوى من قمة جبل ذو الجاذبية الأقل ولكن لن تدرك بطبيعة الحال ذاك الفرق الزمني بسبب كما أسلفنا سابقا الجاذبية الأرضية ضعيفة و تأثيرها ضئيل للغاية.

برهان الفرضية:

قامت جامعة هارفرد بتجربة لرصد الفرق الزمني و التباطؤ بين قمة بناء وقاعدته وبعملية نووية غاية في الدقة سجلت تباطؤاً زمنياً قدره (لا تستغرب من الرقم) 0.000000000000257 % ولم تكن النتيجة مدهشة جداً لأن الفيزيائيين قد قبلوا منذ زمن بعيد بتوقع أينشتاين و أكدتها العديد من التجارب المسبقة.

سأقترح عليك اقتراحاً (رغم عدم نصحي به) اذهب و قِف بالقرب من نجم نيوتروني هنالك التباطؤ الزمني يعادل 30% من الزمن الأرضي وكل 7 سنوات هنالك تعادل 10 سنوات أرضية !


تطبيق نسبية الزمن في حياتنا اليومية

من العجيب أننا نستخدم هذه الظواهر الطبيعية يومياً في تطبيقاتنا التكنولوجية دون أن نعرف، ونبقى نتساءل حول إمكانها من عدمه بينما هي بين أيدينا تعمل بالفعل.

فتطبيق تحديد الموقع (جي بي إس GPS) الذي يحتويه أي هاتف ذكي اليوم يعتمد في تحديد موقع الهاتف على الزمن الذي تستغرقه الإشارة الصادرة من الهاتف للوصول إلى القمر الصناعي، ولمَّا كانت الأقمار الصناعية تدور بعيداً عن مجال الجاذبية الأرضية، فإن تأثير هذه الجاذبية عليها أقل بكثير من تأثيرها على الهاتف، وبالتالي لا بد أن الساعة الموجودة في كمبيوتر القمر الصناعي تعمل بسرعة أكبر من نظيرتها في الهاتف، ولا بد أن هذه الفروق تسبب خللاً في قياس الزمن الذي تستغرقه الإشارة للوصول من أحدهما إلى الآخر، وهذا صحيح تماماً.

غير أن العلماء الذين ابتكروا تلك النظم المعقدة قد تنبهوا لذلك فعلاً فالكمبيوتر الموجود على القمر الصناعي يقوم بتصحيح الوقت المسجل عليه أوتوماتيكياً كل يوم ليواكب الزمن الأرضي، ولولا ذلك لما تمكن من تحديد المكان بشكل دقيق.
علينا أن نشكر نسبية الزمن إذاً !

المصادر:
1- النظرية النسبية الخاصة والعامة تأليف: ألبرت أينشتاين، ترجمة: د. رمسيس شحاته
2- تاريخ أكثر إيجازاً للزمن تأليف : ستيفن هوكينغ و ليونرد ملوندينوف، ترجمة: د. أحمد السماحي و د. فتح الله شيخ
3- كيف تبني ألة الزمن تأليف: بول ديفيز
4- كشف أسرار الفيزياء تأليف: جان جيبلسكو، ترجمة: م. بسام العقباني
5- ما الثقوب السوداء تأليف: باسكال بوردي، ترجمة: محمد خلادي
الشروحات خاصة وبتصرف شخصي من الكاتب

جميع الحقوق محفوظة © أرابوست

تصميم الورشه