قصة الجينات الخردة !

قصة الجينات الخردة !


في البداية؛ فإن الجينة (Gene) أو المورثة هي الوحدة الأساسية للوراثة، فضمن هذه المورثات يتم تشفير أو ترميز المعلومات اللازمة لتكوين أعضاء وصفات الإنسان والوظائف العضوية الحيوية له، وتتواجد الجينات عادةً ضمن المادة الوراثية المتمثلة بالدنا (DNA) أو مايعرف بالحمض النووي الريبي منقوص الأكسجين، ويكون الدنا (DNA) على شكل سلسلتين من الجزيئات مرتبطتين ببعضهما بشكل لولب مزدوج.
و الجين قطعةٌ من إحدى سلسلتي الـ(DNA) ولها موضعٌ محدد على هذه السلسلة، وتسمى المادة الوراثية الكاملة للإنسان باسم الجينوم البشري أو (Human Genome).

بداية استخدام مصطلح الجينات الخردة أو (Junk Genes):

في عام 1970، كان الانطباع الأول لعلماء الأحياء والوراثة عن الجينات الوظيفية بأنها قطعٌ صغيرةٌ من الحمض النووي عائمةٌ في بحرٍ من الجينات عديمة القيمة، ما دفع وقتها العالِم فرانسيس كريك، الذي شارك في اكتشاف بنية الدنا، ليقول عنها: "أفضل قليلاً من الخردة"، ثم في عام 1976 صرح د. ريتشارد دوكنز قائلاً: "إن كمية الحمض النووي الموجودة هي أكثر بكثير مما تحتاجه الكائنات لبناء أجسامها....وأبسط تفسير لتلك الخردة هو اعتبارها متطفل...."

منذ ذلك الحين صارت عبارة "الدنا الخردة" أو "الجينات الخردة" رائجة في أوساط علم الوراثة، وفي عام 2000، عندما قدَّم العلماء مشروع الجينوم البشري أظهرت النتائج الأولية أن الغالبية العظمى من التسلسل الجيني ربما 97% ليس لديه وظيفة واضحة، و هذا ما ظنه العلماء خطأً، ما رسخ هذه الفكرة أكثر، لتنتشر في الكتب المطبوعة حديثاً وفي النقاشات العلمية الجديدة.

مكَّنتنَّا هذه البيانات من تخصيص وتحديد الوظائف الكيميائية-الحيوية لـِ 80٪ من الجينوم: nature

نهاية مصطلح الجينات الخردة:

لكن الحال تغير كلياً على يد فريق علمي في نهاية عام 2012، في مشروعٍ ضخمٍ لإعادة دراسة الجينوم البشري اسمه ENCODE، بقيادة العالِم إيوان بيرني Ewan Birney من معهد المعلوماتية الحيوية الأوروبي في كامبريدج، إنجلترا، فقد قاد إيرني فريقاً بحثياً مكوناً من أكثر من 400 عالِم لإعادة دراسة الجينوم البشري، في هذا المشروع الذي غير فهمنا كلياً لعالم الوراثة وما تخبأه هذه الجينات الخردة!

فرغم أن الدراسات السابقة كانت تقول بأن 3-15 في المئة من الجينوم له أهمية الوظيفية، والباقي خردة، كشف لنا مشروع ENCODE أن النسبة قد تصل إلى 80 في المئة من الجينوم !

تقول مجلة nature عن البيانات القادمة من هذا المشروع: مكَّنتنَّا هذه البيانات من تخصيص وتحديد الوظائف الكيميائية-الحيوية لـِ 80٪ من الجينوم.


أعتقد حقاً أن هذه العبارة لم نعد نحتاج لها تماماً في القاموس! : بيرني

لقد كشف هذا المشروع أن ماكان يوصف بجينات خردة؛ تحوي عناصر وراثية هامة للغاية، وأن لها دوراً وظيفياً بيوكيميائياً، فقد عُثِر على مجموعة مذهلة من العلامات والمفاتيح المخبأة ضمن الدنا الذي كان يعتقد سابقاً أنه خردة!

يقول بيرني:
"لقد كان معلوماً لدينا دائماً بأن هناك جينات مرمزة للبروتين، وقد كان واضحاً دائماً بأن هناك تنظيم، لكن ما كنا نجهله فقط كم هي واسعة النطاق بالضبط."

من ناحية أخرى، فإن الانْتِساخ (Transcription) أي نسخ الدنا (DNA) إلى حمض النووي الريبي (RNA) يبدو أنه يحدث طوال الوقت، في الواقع حوالي 80% من الجينوم تتم ترجمته وانتساخه !

ورغم ذلك مازال هناك أشياء نجهلها ونحاول كشفها في المستقبل، يتوقع قائد فريق البحث أنهم يحتاجون مابين 50-100 سنة أخرى لفهم الجينوم البشري بشكل كامل!

في النهاية نختم مقالنا هذا بالسؤال الذي وجهه الكاتب في مجلة scientific american إلى العالِم بيرني؛ قائلاً : هل يعني هذا تقاعد مصطلح الدنا الخردة الآن؟
يجيب بيرني بثقة:
"نعم، أعتقد حقاً أن هذه العبارة لم نعد نحتاج لها تماماً في القاموس!"

المصادر:
ncbi.gov
nature.com
emro.who.int
encodeproject.org
scientificamerican.com

جميع الحقوق محفوظة © أرابوست

تصميم الورشه