نظرية الجندر والهوية الجندرية

نظرية الجندر والهوية الجندرية


تمهيد:

بدايةً عزيزي القارئ إذا وجدت أن العنوان غريباً، فهذا طبيعي، وهذا الاستغراب أصابني أول مرة عندما سمعت بها، لأبحث عنها أكثر وأنقلها لكم، حتى يزول الغموض فهي نظرية موجودة فعلاً وهذا ماسنبينه لكم في هذا المقال..

مفهوم الجندر:

 ظهر مفهوم الجِندِر بدايةً في ثمانينات القرن العشرين، كمصطلحٍ استُخدِم وتداول في قاموس الحركات النسوية التي ظهرت في أميركا الشمالية ومن ثم أوروبا الغربية عام 1988م.
 أما أول ظهور دولي لكلمة (جندر Gender) كان في مؤتمر السكان والتنمية الذي عقد في القاهرة عام 1994م، وقتها كان لفظاً غامضاً ومريباً عزيزي القارئ كما هو الأمر بالنسبةِ لك، ولم يُحدد له مفهوماً أو معنى دقيق له، مما أوجد جدلاً واسعاً في العالم العربي و الإسلامي، لأن ما حوته تلك الوثائق كان نَسَقاً من المصطلحات غير واضحة المعالم، وذلك على طريقة دعاة العولمة عندما يمررون نظرياتهم في المجتمعات على صورة مصطلحات غير واضحة، فتنطلي على العامة.

 ليأتي بعدها المؤتمر الدولي الرابع حول المرأة الذي عقد في بكين عام 1995م، ليؤكد أن هذا المفهوم هو نظرية عامة تنتشر مبادئها في بنود الاتفاقيات الدولية الخاصة بالمرأة أو الشباب، حيث ذكرت كلمة الجندر (254) مرة خلافاً لمؤتمر السكان والتنمية الذي عقد في القاهرة عام 1994م فلم تذكر كلمة الجندر سوى ( 51 مرة).

 وقبل أن نتناول التعاريف والمفاهيم التي تناولت نظرية الجندر، لابد أن نشير إلى أن هذا الاسم كان يُطلق إلى زمن قريب أما اليوم، فقد تم استبدال كلمة (نظرية) بكلمة (دراسات) ليصبح مصطلح (دراسات الجندر) عنوانا دارجاً في كل السياقات التطبيقية والنظرية. والسبب هو ما يشير إليه عراب البروباجاندا المعاصرة إدوارد بيرنايز (1891-1995) في كتابه الشهير (بروباجاندا)، إذ يشير إلى أهمية تغيير الأسماء التي تُشكِّل عائقا أمام كسب الرأي العام!

 وهي الوصفة التي تبنّاها مروجو النظرية لتتحول هذه الأيديولوجيا من مجرد نظرية قابلة للنقاش والنقد وحتى النقض، إلى مُعطى لا يقبل النقاش باعتمادها على مصطلح (دراسات) للإيهام بطبيعته (العلمية) دعماً لفكرة حرية الإنسان في اختيار ما يطلقون عليه اسم (الهوية الجندرية).

 تعريف الجندر:

 الجِنِدر (Gender) كلمة إنجليزية من أصل لاتيني تعني في إطارها اللغوي (Genus) أي (الجنس) ولكن من حيث الذكورة والأنوثة وليس التقسيم البيولوجي، فيشير النوع (Gender) إلى التقسيم الاجتماعي بين الذكر والأنثى، وليس الحالة البيولوجية التي خُلِقا عليها.

 أما النوع الإجتماعي (الجندر) بحسب تعريف صندوق الأمم المتحدة الإنمائي للمرأة (UNIFEM) فهو: " الأدوار المحددة اجتماعياً لكل من الذكر والأنثى، وهذه الأدوار التي تحتسب بالتعليم تتغير بمرور الزمن وتتباين تبايناً شاسعاً داخل الثقافة الواحدة ومن ثقافة إلى أخرى".
وتعرفه منظمة الصحة العالمية على أنه : المصطلح الذي يفيد استعماله في وصف الخصائص التي يحملها الرجل والمرأة كصفات مركبة اجتماعيًّا، لا علاقة لها بالاختلافات العضوية. الخلاصة من هذه التعريفات وغيرها، أن مفهوم الجندر هو الصورة التي ينظر لها المجتمع للذكر والانثى والأسلوب الذي يتوقعه منهما والذي يرجع إلى أسلوب تنظيم المجتمع، وليس إلى الاختلافات البيولوجية الجنسية بين الذكر والانثى.
 وإن فلسفة النوع الاجتماعي تؤكد على "أن كل شيء - غير الحمل والولادة للمرأة والتخصيب للذكر - يحدده المجتمع وليس الفطرة".

ما الفرق بين الجنس والجندر ؟

حسب ما ذكرته آن أوكلي التي أدخلت المصطلح إلى علم الاجتماع فإن كلمة (Sex) أي الجنس تشير إلى التقسيم البيولوجي بين الذكر والأنثى، في حين أن الجندر (Gender) أو النوع الاجتماعي تشير إلى التقسيم الاجتماعي من حيث الذكورة والأنوثة وليس التقسيم البيولوجي، فالجندر يرجع إلى الخصائص المتعلقة بالرجال والنساء والتي تتشكل اجتماعياً مقابل الخصائص التي تتأسس بايولوجياً (مثل الإنجاب).
ولدى آن أوكلي كتاب عن هذا عنوانه (الجنس والنوع والمجتمع: عام 1972م)، وفهمنا لهذه الجزئية سيساعد كثيراً في إزالة الغموض واللبس حول هذه النظرية. لفهم الفكرة أكثر راجعوا الجدول التالي:

الهوية الجندرية:

من تعريفات الجندر التي استعرضناها نستنتج أن هناك فصلاً في النظرة إلى الأنوثة والذكورة، بين البنية البيولوجية وبين البنية النفسية والأدوار الاجتماعية للأفراد التي يكتسبوها من المجتمع.

وبالتالي فإن المجتمع و تربية الأسرة هما العاملان الحاسمان في تكوين النفسية الأنثوية أو الذكورية بغض النظر عن الطبيعة العضوية، وكما توضح تلك التعاريف فإن الهوية الجندرية ليست بالولادة، إنما تتشكل هذه الهوية وفق العوامل الأسرية والمجتمعية وهي تتغير وتتوسع بتأثير تلك العوامل كلما نَمَا الطفل.

نعني مما سبق أن الفرد من الذكور إذا تأثر في نشأته بأحد الشواذ جنسيًّا، فإنه قد يميل إلى جنس الذكور لتكوين أسرة بعيدًا عن الإناث، والعكس صحيح.

إضافة لهذا الشذوذ، يرى مروجو (الجندرية) أنه من الممكن أن تتكون هوية جندرية لاحقة أو ثانوية ليصبح لدينا جنس ثالث مثلاً، هذه الهوية الثانوية تتطور ايضاً وتطغى على الهوية الجندرية الأساسية.

والمسبب في رأيهم اكتساب الفرد أنماط جديدة من السلوك الجنسي في وقت لاحق من الحياة، وأن أنماط السلوك الجنسي النمطية وغير النمطية كالعلاقة بين الجنس الواحد تتطور لاحقًا.

هذا التطور في أنماط السلوك الجنسي تمثل جلياً في كتاب "الأسرة وتحديات المستقبل" والذي أصدرته الأمم المتحدة، والذي وضح أن الأسرة يمكن تصنيفها إلى 12 شكلاً ونمطًا، ومنها أُسر الجنس الواحد الشواذ.

وبالتالي نستنتج أن هناك محاولات لتمرير موضوع الشذوذ الجنسي عالمياً من خلال هذه التقسيمات الجديدة للأسرة، وإظهاره على أنه شيء طبيعي يمكن أن يتقبله المجتمع.

هذا الاستعراض ملخصه أن الجندر ليس مجرد كلمة، وإنما هو منظومة فلسفية متكاملة من القيم الغريبة على مجتمعاتنا، تهدف إلى إلغاء كافة الفروق بين الرجل والمرأة والتعامل معهم على أنهم مخلوقات متساوية في الخصائص والمقومات، وأن الفوارق بين الرجل والمرأة في وظائف الأعضاء والهرمونات لم تعد ذات قيمة، وأنه يمكن تخطيها واعتبارها غير مؤثرة بل ويمكن استبدالها أيضاً !!

مقولة أصبحت فلسفة للتمرد:

"لا يولد الإنسان امرأة، إنما يُصبح كذلك" مقولة لم تكن الفيلسوفة الوجودية "سيمون ديبو فواغ" تدري حين ضمنتها كتابها (الجنس الثاني) أنها ستصبح الخلفية الفلسفية الأساسية لدى الكثير من مروجي نظرية الجندر والذين يعملون على إدماجه في كافة مجالات الحياة والتنمية، على اعتبار أنه المنطلق الأهم لتجريد جنسي الذكورة والأنوثة من كافة الفوارق بينهما والتي يمكن أن تكون سبباً في أي تمييز جنسي بين الرجال والنساء.

وفق هذا المفهوم فإن الدعوة ليست مجرد المساواة بين الرجل والمرأة كما يُخيل للبعض، بل هي دعوة إلى إلغاء الفروق بينهما وعدم اعتبارها، بل واستغناء كل منهما عن الآخر، فلا تكامل بين الرجل والمرأة، ولا حاجة لأحدهما إلى الآخر؛ لا في الجانب الاقتصادي ولا الاجتماعي ولا الجنسي.

فالمرأة تستطيع أن تقضي وطرها مع امرأة مثلها، والرجل يستطيع أن يقضي وطره مع رجل مثله، والمتتبع والمراقِب للتطبيقات الخاصة بالجندر يجد أن مفهوم الهوية الجندرية أصبح يتضمن (المثليين / المثليات / ثنائيي الجنس / المتحوليين جنسياً / المخنثيين) والذين يعرفون اختصاراً بـِ ( LGBTI).

هؤلاء تجمعهم ميزة مشتركة هي بناء هوية جنسهم على أساس معارضة الحتمية البيولوجية والجوهرية للإنسان ليصبح التصنيف البشري على أساس النوع الاجتماعي وليس على أساسه الطبيعي نوع الجنس.

و السؤال هل هناك علاقة بين نظرية الجندر والماركسية ؟

الحقيقة أن هذه الدعوة وإن كان ظاهرها المساواة لكنها في مضمونها تهدف إلى تفكيك الكيان الأسري الطبيعي وبالتالي المجتمع، وإحياء الفكر الماركسي، فهي تلتقي مع الفلسفة الماركسية في أمرين:

الأول: 

فيما يتعلق بمفهوم الصراع، فأصحاب نظرية الجندر يؤكدون على وجود صراع بين الرجل والمرأة، ويكرسون ذلك الصراع ويؤججون ناره، ويفترضون وجود معركة بينهما!

الأمر الثاني: 

الذي تلتقي فيه هذه النظرية مع الماركسية هو الدعوة إلى هدم الأسرة باعتبارها في نظر ماركس ـ إلى جانب الدين ـ هي أهم المعوقات التي تقف أمام تطور المجتمعات.
وهكذا نجد أن مفهوم الجندر رغم أنه في بعض تياراته الأولى هو القضاء على التمييز ضد النساء والمطالبة بمساواتهن بالرجال في الحقوق.. إلا أن ما ينفذ حالياً هو الجانب غير الأخلاقي وغير الإنساني لإعلاء منظومة تبيح الشذوذ وتلغي الأسرة وترفض الاختلاف الطبيعي بين الذكر والأنثى.

المصادر:
1- تحديدات جديدة لمفاهيم الأنوثة والذكورة - دار الحياة - تاريخ النشر 6 مارس-2004
2- الجندر المفهوم والغاية - الدكتورة نورة السعد
3- مفهوم النوع الاجتماعي، الوحدة الأولى، ص5-6، صندوق الأمم المتحدة الإنمائي للمرأة، المكتب الإقليمي للدول العربية، ط4، 2001م.
4- حقيقة مفهوم الجندر
5- النوع الاجتماعي، ص4، طاقم شؤون المرأة، مشروع التعبئة مع النساء في الريف – القدس.
6- الجندر، المفهوم والحقيقة والغاية - حسن الوالي
7- المرأة بين الجندرة والتمكين - رأفت صلاح الدين
8- الأسرة وتحديات المستقبل - الأمم المتحدة
9- مفهوم الجندر.. دعوة للمساواة أم التماثل؟ 

جميع الحقوق محفوظة © أرابوست

تصميم الورشه