عباس بن فرناس وأول طيران شراعي في التاريخ!

عباس بن فرناس وأول طيران شراعي في التاريخ!


منذ آلاف السنين راقب الإنسان الطيور وحلم بالطيران والتحليق عالياً مثلها، دلَّنا على ذلك النقوش والكتابات وآثار الحضارات السابقة التي وصلتنا، لكن شخصاً واحداً امتلك الإرادة وحقق هذا الحلم!

في القرن التاسع ميلادي كانت قرطبة وبغداد المراكز الثقافية التوأم في العالم، حيث كان شعاع الحضارة يضيء العالم بأسره، وفي الأندلس ومن قلب قرطبة برز عالمٌ موهوب، لم يكن رجلاً عادياً بل كان فلكياً ومهندساً وشاعراً وموسيقياً، كان اسمه عباس بن فرناس!

طابع إسباني باسم عباس بن فرناس

محاولات الطيران الأولى

راقب ابن فرناس الطيور ولم يكتفِ بذلك بل تعلم منها، وسعى إلى تقليدها، فقام ببناء طائرته الشراعية الخاصة، وقد طار بنجاح عدة مرات فوق مناطق صحراوية منخفضة، وقد حسن تصاميمه قبل قيامه بمحاولتي طيران في قرطبة.

والأمر لايبدو غريباً على عالم موهوبٍ مثله، فكانت أولى محاولاته عام 852 عندما أحاط نفسه بمظلة واسعة مُقساة بدعائم خشبية وقفز من مئذنة الجامع الكبير في قرطبة وانزلق كأنه في طائرة شراعية، أخفقت المحاولة لكن سقوطه كان متباطئاً بحيث لم يصب بغير اضرار طفيفة.

ثم ظل الحلم يراوده بإلحاح، حتى قام ابن فرناس بتحسين تصميمه الثاني، وتقول الأوصاف التي ذكرتها المخطوطات التاريخية أن ماصنعه ابن فرناس آلة تتألف من جناحين كبيرين من الحرير ومن ريش النسور، كانت أكثر بكثير من مجرد عباءة هواء، لقد كانت طائرة شراعية!

تمثال عباس بن فرناس في العاصمة العراقية بغداد

طيران ناجح ولكن !

ففي عام 875 وبعد الانتهاء من تصميمها؛ صعد ابن فرناس تلة في منطقة الرصافة من ضواحي قرطبة بإسبانيا قرب جبل يسمى جبل العروس، وبعد ان وضع اللمسات الأخيرة على آلته، حدد وقتاً تجمع فيه الناس ليشاهدوا طيرانه.

وقد فاجأ عباس بن فرناس الجميع عند ظهوره بزيه الطائر المصنوع من الحرير والمغطى بريش النسور التي ربطها بشرائط حريرية رفيعة، وشرح كيف خطط ليطير مستخدما شراعاً مثبتا بذراعيه!

خاطب ابن فرناس الجمهور قائلاً:
" الآن استأذنكم لأحلق في الجو كالطائر فإن سارت الأمور على مايرام فسأتمكن من العودة إليكم سالماً"

طار ابن فرناس ووصل لارتفاع كبير وحلق في الجو أكثر من عشر دقائق لكن الأمور لم تسير على مايرام، فسقط عمودياً الى الارض وتحطم الشراع، وانكسرت إحدى فقراته، فأدرك عندئذ وظيفة الذيل عند هبوط الطيور فقال لأحد أصدقائه المقربين: تحط الطيور عادة على جذر الذيل.

مركز أبحاث عباس بن فرناس في إسبانيا

وفاة عباس بن فرناس

لم يمت من محاولة الطيران هذه، ولكن لسوء الحظ فإن الضرر الذي لحق به أثر عليه ما منعه من إجراء المزيد من التجارب، وتوفي عباس ابن فرناس عام 887م بعد اثنتي عشر عاماً من محاولة طيرانه؛ تاركاً وراءه أول محاولة طيران بآلة موثقة تاريخياً..ومُلهِماً لمن أتى بعده !

جسر عباس بن فرناس في إسبانيا

تكريم عباس بن فرناس

وتكريمًا لاسمه يوجد تمثال لعباس بن فرناس أمام مطار في مدينة بغداد في العراق، كما سُميّت فوهة قمرية باسمه، إلا أن أفضل تكريم حصل عليه هو مركز فلكي باسمه في مدينة رندة مسقط رأسه، وفي بداية عام 2011، تم افتتاح جسر باسم عباس بن فرناس في مدينة قرطبة على نهر الوادي الكبير، في منتصفه تمثال لابن فرناس مثبّت فيه جناحين يمتدان إلى نهايتي الجسر، وهو من تصميم المهندس خوسيه لويس مانثاناريس خابون.

تمثال عباس بن فرناس في إسبانيا

هذا ما حدث في الأندلس قبل أكثر من 11 قرناً؛ عندما صنع رجلٌ في السبعين من عمره آلة الطيران الأولى وطار، مضت بعد ذلك قرون من الزمن حتى وضع ليوناردو دفنشي رسوماً للطيران..!

المصادر:
1- كتاب 1001inventions الطبعة العربية.
2- uh.edu
3- hdnh.es
4- blogs.publico.es
5- muslimheritage.com

جميع الحقوق محفوظة © أرابوست

تصميم الورشه