المجال المغناطيسي للأرض؛ كيف ينشأ وما أهميته ومتى ينقلب ؟

المجال المغناطيسي للأرض؛ كيف ينشأ وما أهميته ومتى ينقلب ؟


جميعنا يعلم أن للأرض أقطاباً ومجالاً مغناطيسياً، فالأرض هي الكوكب الوحيد من الكواكب الصخرية في المجموعة الشمسية الذي يملك مجالاً مغناطيسياً قوياً، مُصمماً بعناية لحمايتها من الرياح الشمسية التي تسببت بتآكل الغلاف الجوي في بقية الكواكب الصخرية؛ فيمنع المجال المغناطيسي للأرض وصول الرياح الشمسية إلى غلافنا الجوي، وبالتالي يحمي استمرار الحياة على الأرض.

كيف تنشأ مغناطيسية الأرض ؟

تتكون نواة الأرض من عدة طبقات، اللب الداخلي ويكون صلباً، يحيط بها اللب الخارجي؛ وهي طبقة سائلة سُمكُها 2000 كم تقريباً مكونة من صهارة الحديد والنيكل وكميات صغيرة من المعادن الأخرى، ويُولِد تدفق الحديد السائل مع المعادن المشحونة الموجودة في هذه الصهارة تياراتٍ كهربائية، والتي بدورها تنتج المجالات المغناطيسية.
إذاً بسبب هذه الصهارة المشحونة كهربائياً التي تتحرك داخل الأرض يتولد لدينا مجالاً مغناطيسياً وفقاً لقاعدة أن التيار الكهربائي يولّد مجالاً مغناطيسياً، من خلال عملية تُعرف باسم الجيودينامو (GeoDynamo).
وتجدر الإشارة إلى أن نسبة قليلة (3%) من المجال المغناطيسي الأرضي لايعود مصدرها إلى باطن الأرض؛ بل إلى حركة التيارات الكهربائية في منطقة الأيونوسفير (Ionosphere) من الغلاف الجوي.


تبدلات وتغيرات وانقلابات في الحقل المغناطيسي الأرضي

إن انزياح الحقل المغناطيسي هو أمرٌ قديم، فمنذ حوالي 800.000 سنة، جال الشمال المغناطيسي فوق القارة القطبية الجنوبية، وعاشت حيوانات الرنّة في الجنوب المغناطيسي!

والأقطاب المغناطيسية للأرض قد انقلبت عدة مرات خلال تاريخ الأرض، وخمنَّ العلماء أن دورة الانقلاب تبدأ مع ضعفِ المجالِ المغناطيسي؛ وذلك على امتداد بضعة آلاف من السنين، وبعد ذلك فالأقطاب تنقلب، ومنابع الحقل تعود من جديد إلى كامل قوتها، إلا أن الجيولوجيون لا يزالون غير متأكدين مما يسبب انقلاب اتجاه المجال المغناطيسي الأرضي.

فقد أظهرت دراسة بأنه في آخر مرة انقلبت فيها الأقطاب الأرضية، استغرقت مائة سنة فقط لتنعكس !
والمجال المغناطيسي للأرض هو حالياً في مرحلة الضعف، وتفترض بيانات تم جمعها من قبل الأقمار الصناعية التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية (ESA) أن الضُعْفَ يحصلُ أسرع بعشرِ مراتٍ مما اعتقده العلماء أصلاً، وتنبؤوا بأن الانقلاب من الممكن أن يأتي خلال الألفي سنة القادمتين، ويقول العلماء اليوم عن ذلك التخمين بأنه كما يتضح فهو متراخٍ جداً!


وقال مدير مركز التأريخ الجيولوجي في جامعة كاليفورنيا في بركيلي الأستاذ بول رين في بيان له:
"نحن لا نعلم فيما إذا كان الانعكاس المقبل سوف يحدث فجأة كما فعل السابق، ولكن أيضاً لا نعلم إذا كان لن يحدث"

وفي الوقت الذي درس فيه القمر الصناعي التابع لوكالة الفضاء الأوروبية المجال المغناطيسي من الأعلى، فإن رين وفريقاً من الباحثين قد قاموا بدراسته من الأسفل، حيث قاموا بالحفر عبر رسوبات البحيرة القديمة المتكشفة عند قاعدة جبال أبيناين (Apennine) في إيطاليا، وكانت هذه الرسوبات مختلطة مع طبقات الرماد البركاني الناتج عن الثورانات البركانية القديمة، ويتكون الرماد من المعادن الحساسة مغناطيسياً والتي تحمل آثاراً لخطوطِ المجال المغناطيسي للأرضي قديماً، وكان الباحثون قادرين على قياس اتجاه المجال الذي كان يشير إليه الحقل!

وتمكن رين وزملاؤه من تحديد عمر صخور الرسوبيات باستخدام تقنية تدعى التأريخ بطريقة آرغون-آرغون، فقد تراكمت الطبقات على مدى عشرة آلاف عام، والانقلاب الأخير قد حصل قبل حوالي 786000 سنة تقريباً.

تبدل مفاجئ !

أظهرت الطبقات الرسوبية أيضاً أن الحقل المغناطيسي بقي بغير استقرار على مدى ستة آلاف سنة قبل أن يحصل الانقلاب الحاد والمفاجئ.
وقد شملت فترة عدم الاستقرار نقطتي انخفاض في قوة الحقل، كل واحدة منهما استمرت نحو 2000 عام.
والجيولوجيون لا يعرفون أين هو المجال المغناطيسي اليوم من ذلك المقياس الزمني للانعكاس، أو إذا كان هذا الانقلاب سوف يسلك نفس نمط الأخير، خلاصة القول أن لا أحد متأكد من موعد قدومه!

يقول رين:
"في الحقيقة نحن لا نعلم إذا ما كان الانعكاس القادم سوف يماثل ذلك الأخير، لذا إنه من المستحيل القول إذا كان ما نراه هو عبارة عن عدة حركات طفيفة محتملة، أم أنه انعكاس حقيقي"

يوم القيامة المغناطيسي ؟

كما ذكرنا فإن النواة الحديدية للأرض تتصرف كمغناطيس عملاق وتولد الحقل المغناطيسي الذي يغلف الكوكب، وهذا يساعد في الحماية في وجه العواصف الإشعاعية التي تثور من الشمس، وتندفع في بعض الأحيان بقوة نحو الأرض.

وإن ضعف المجال المغناطيسي من الممكن أن يُخرِّب شبكات الكهرباء والاتصالات اللاسلكية، وغمر الكوكب في مستويات مرتفعة بشكل غير اعتيادي من الإشعاع، لكن الخراب الوحيد الناتج عن الانعكاس؛ هو تداخل الشبكة العالمية الكهربائية.

كما أن انقلاب القطب من الممكن أن يسبب بعض المشاكل التقنية، لكن ليس هنالك داع للذعر، فالعلماء قاموا بتمشيط الجدول الزمني الجيولوجي بحثاً عن أي دليل على كوارث قد تكون ذات صلة بالانقلاب المغناطيسي، فلم يجدوا أي منها.

على كل حال، فإذا ضعف الحقل المغناطيسي كثيراً أو أنه اختفى بشكل مؤقت خلال الانقلاب، فإن الأرض يمكن أن تصاب بكمية خطيرة من الإشعاع الشمسي والأشعة الكونية.

وقال رين أن هذا التعرض يعني أن مزيداً من الناس يمكن أن تصاب بمرض السرطان، على الرغم من أنه لا يوجد دليل علمي أن هذا يمكن أن يحدث.

هناك حاجة إلى مزيد من البحوث لفهم العواقب المحتملة لانزياح القطب المغناطيسي!

المصادر:
livescience.com
www.physics.org
geologyofmesopotamia.com

مراجعة وتعديل: فراس كالو

جميع الحقوق محفوظة © أرابوست

تصميم الورشه