أسرع من سرعة الضوء؛ المحرك الزمكاني ؟!

أسرع من سرعة الضوء؛ المحرك الزمكاني ؟!


قد يبدو العنوان للوهلة الأولى أنه نوع من الخيال العلمي المحض ولكن ببساطة...لا !
في هذا المقال سنناقش فكرة غريبة على الواقع الفيزيائي المعاصر ولا أستغرب إن قال أحدهم: حقاً؟ أهنالك ما قد يكون أسرع من الضوء نفسه؟ أَوَلَيست سرعة الضوء هو الثابت الفيزيائي العالمي حسب النظرية النسبية الخاصة لألبرت أينشتاين ؟؟

سرعة الضوء ثابتة، ولكن !

في الحقيقة نعم هي الثابت العام وسقف المعادلات الفيزيائية الرياضية، إذ تُصرِح النظرية النسبية الخاصة أن سرعة الضوء هي أقصى سرعة تستطيع أن تسافر بها كل أشكال الطاقة و المعلومات والمادة في الفضاء، ويرمز لسرعة الضوء بالرمز العالمي C وقيمتها الدقيقة هي (299,792,458 م/ثا) وهو ما يعادل بعد التقريب (300,000 كم/ثا)، كما وتعتبر سرعة الضوء سرعة مطلقة بمعنى أنها لا تتغير بتغير سرعة من أطلقها أو إتجاهه فإذا كنت تسير بسيارة سرعتها 120 كم/سا، وأطلقت الضوء الأمامي للسيارة فهذا لا يعني منح الضوء سرعة إضافية وهي سرعة تحرك السيارة، وهذا الإستنتاج النظري يُعد من أعظم ما توصل له أينشتاين فسرعة الضوء ثابتة بغض النظر عن سرعة المصدر.

والأجسام المادية في الفضاء - العادي - وحسب النسبية الخاصة؛ لا يمكنها أن تتجاوز سرعة الضوء والسبب أن زيادة سرعة الجسم المادي يسبب زيادة الكتلة تدريجياً و ببلوغ الجسم (فرضاً) سرعة الضوء تصبح كتلته لانهائية فضلاً عن الحاجة لتطبيق كمية لانهائية من الطاقة لتحقيق هذه السرعة للجسيم.

يبدو أن النسبية الخاصة أغلقت أبوابها في وجه الفيزيائيين التجريبيين، ولكن ليس النظريين المشككيين والمشاكسين!

فهذا الأمر لا يمنع الفيزيائيين من إجراء مناورة علمية حول النسبية الخاصة، وما يثير الدهشة وكما سنرى؛ أن هذه المناورة الكبرى - إن صح الوصف - هي مستلهمة من فكرة طرحها أينشتاين نفسه، كيف ذلك؟


استكشاف الفضاء السحيق قد يكون قريباً !

حلمت البشرية والحضارات العلمية القديمة منها و الحديثة كذلك؛ ببلوغ النجوم والكواكب و المجرات القريبة من نظامنا الشمسي بحثا عن حياة أخرى و أملاً بوجود كوكب مُلائِم لإستضافة الحياة البشرية يوماً ما إلا أن هذه الأحلام ظلت مستحيلة، وفي عصر سباق الفضاء والمركبات الفضائية، وفضول البشر، وبحثهم عن الحقائق والمعرفة خارج حدود كوكبنا الأم، تمكنوا من بلوغ القمر في خطوة تعد الأعظم إلى يومنا هذا للحضارة الحديثة.

ولكن ماذا عن تلك الأجرام السابحة في عمق الفضاء التي تبعد ملايين ومئات الألوف من السنين الضوئية عنا، فأقرب نجم إلينا (نجم ألفا قنطور) يبعد 4 سنوات ضوئية ما يعادل 75 ألف سنة، وأقرب المجرات لنا تبعد 4.3 سنوات ضوئية وتدعى بمجرة المرأة المسلسلة، فبالنظر إلى هذه الأرقام والمسافات الفاصلة الأقرب للخيال؛ لا نستطيع بلوغ أقرب النجوم إلينا؛ ناهيك عن بقية النجوم والكواكب وغيرها.

و قد يكون السبب الأول هو عمر الإنسان القصير والمقدر بمتوسط 75 سنة أرضية؛ فما بالك ب 75 ألف سنة ما يعادل العمر اللازم لبلوغ النجم الأقرب.
والأسباب الأخرى تتمثل بالتقنية والإمكانيات المحدودة بين يدينا؛ نهيك عن الطبيعة البيولوجية والأشعة الكونية وغيرها الكثير من الأسباب.

والحل قد يكون في المحرك الزمكاني (Warp Drive) !

فعباقرة العقل البشري ومهندسو وكالة الفضاء الأمريكية  ناسا وضعوا أينشتاين في مواجهة نفسه؛ أي النسبية العامة في مواجهة النسبية الخاصة، فقد طرح أينشتاين في النسبية العامة مفهوم نسيج الزمكان الموحد للكون، وفسر من خلال هذا النسيج الكوني قوى الجاذبية بأنها تقوس في الزمكان؛ كما فسر انحراف الأشعة والضوء القادم إلينا بأنها تنحرف لذات السبب وهو التقوس الذي تُحِدثُه الأجرام الكونية في نسيج الزمكان، وجميع هذه النظريات تم برهانها.

وما زاد هذه الفكرة جُرأةً هو ما تم إثباته العام المنصرم وأعلن عنه معهد الليغو في اكتشاف الأمواج الثقالية المتماوجة عبر نسيج الزمكان، وهنا لنتوقف للحظة؛ زمكان متموج يعني زمكان متحرك وبالتالي زمكان قابل للتمدد والتقلص! هل وصلتكم الفكرة؟

نعود الآن إلى عبارة ذكرتها سابقاً (فضاء عادي)؛ وهل يوجد فضاء غير عادي !؟؟
حسناً إن ناسا أحكمت قبضتها على هذه الفكرة؛ وصرحَت بِكُل جُرأة بأنها ستغير شكل الفضاء من فضاء عادي لفضاء متقلص و متمدد!
بحيث نتمكن عندها من بلوغ أقرب النجوم إلينا في سرعات تفوق سرعة الضوء؛ فبدلاً من 75 ألف سنة للذهاب إلى ألفا قنطور؛ سنختصر الرحلة في إسبوعين فقط، عن طريق المحرك الزمكاني.


وقد كان صاحب الفكرة الأساسية الدكتور هارولد وايت (Harold White) وفريقه ضمن وكالة ناسا، وقد أسموا هذا المحرك باسم (ألكيوبيري) نسبةً للفيزيائي النظري المكسيكي ميجيل ألكيوبيري (Miguel Alcubierre)؛ الذي قدم نظريات عام 1994 تعتمد على مبدأ "طي الفضاء" من نقطة الانطلاق إلى نقطة الانتهاء بسرعات خيالية!

ما هي آلية العمل المقترحة للمحرك الزمكاني ؟

ربما ستعمل هذه المحركات على إحداث انبعاج زمكاني حول المركبات الفضائية بالطريقة التالية:
1- حني نسيج الزمكان و فَرْد الفضاء خلف المركبة الفضائية؛ أي توسيع للزمكان.
2- تقليص الزمكان أمام المركبة الفضائية.
3-  إيجاد حالة توازن بين التقلص والتوسع من خلال الزمكان المحايد (العادي).


لاحظ الصورة:
القيم الموجبة + باللون الأحمر تدل على توسع الزمكان داخل المحرك و خلف المركبة
القيم السالبة – باللون الازرق تدل على حدوث تقلص حجم معين من الزمكان أمام المركبة.

وبينما يقوم الزمكان المحايد بحماية المركبة الفضائية من إضطرابات الزمكان أثناء تقدم المركبة للأمام سيشعر رواد الفضاء بحالة من عدم الجاذبية (0 Gravity)؛ وهذا طبيعي بغياب التحدب في الزمكان فلا توجد جاذبية.

ولكن يبقى السؤال ما هي طبيعة الزمكان القابل للإلتواء ؟ وكيف يمكن ذلك ؟

لا يلتوي هذا الفضاء المرن بشكل عشوائي فهو يخضع لمعادلات بالغة الدقة تسمى معادلات النسبية العامة تتيح لنا هذه المعادلات بحد ذاتها توسيع الفضاء إلى حدٍ معينة ليحمل معه مركبتنا.

وقد أطلق مهندسو ناسا على السفن الفضائية التي ستعمل بمحركات ألكيوبيري الزمكانية اسم (IXS Enterprise)، وقد تم تصميم نموذج يحاكي عملية عمل هذه المحركات التي تصل بسرعة قد تفوق سرعة الضوء بعشرِ مرات؛ ويسعى الآن علماء الفيزياء ومهندسو المركبات إلى تحقيق ثورة علمية لم يسبق لها مثيل في هذا المجال؛ الذي لازال قيد عمليات البحث والدراسات المتواصلة، والتطوير؛ لتحقيق الحلم الأكبر للحضارة البشرية في استكشاف الفضاء.

فهل سنراه يتحقق على أرض الواقع ؟


المصادر :
1- nytimes.com
2- iflscience.com
3- مدونة وموقع NASA
4- مجلة العلم والحياة الفرنسية.
5- ما النسبية؛ تأليف :فرانسوا فانوتشي. ترجمة: د. عزالدين الخطابي.
6- فيزياء المستحيل؛ تأليف : د.ميشيو كاكو ترجمة : د.سعد الدين خرفان.
7- أسرع من سرعة الضوء؛ تأليف :د. جواو ماكيويجو. ترجمة :سعيد الأسعد.

جميع الحقوق محفوظة © أرابوست

تصميم الورشه