تطور الأفكار في الفيزياء | الجزء الأول

تطور الأفكار في الفيزياء | الجزء الأول


تطور علم الفيزياء الذي نَعرِفُهُ اليوم من سلسلةٍ طويلةٍ من الكتابات والملاحظاتِ التي سجلتها الحضارات القديمة حول مختلف الظواهر الطّبيعية والفلكية، كالرسوم الممثلة لحركة الشّمس وأدوار القمر والتقاويم وغيرها.

يقول عالم الفيزياء الأشهر ألبرت أينشتاين:
"ضع في اعتبارك أن كل الأشياء الرائعة التي تعلمتها في مدارسك، هي مجهود العديد من الأجيال، التي أنتجها جهدٌ متحمسٌ وعمل متفاني في كل بلد من بلدان العالم"

أولاً- الأفكار الإغريقية

قدم الفلاسفة الإغريق مجموعة من الفرضيات الأولية لتفسير الظواهر الطبيعية، فقد ذكر أرسطو في كتابه (الفيزياء) أو (الطبيعيات) أول النظريات المفسرة لطبيعة الحركة والقوى، ورغم أن هذه الأفكار كانت بدائية؛ إلا أنها بقيت مهيمنة على التراث الفلسفي لعدة قرون وعُرِفت بالفيزياء الأرسطوطاليسية.

ثانياً- نهوض الفيزياء في الحضارة العربية والإسلامية

كان للحضارة العربية والإسلامية دوراً رئيسياً في بداية صياغة علم الفيزياء بشكله الحديث، وكان يعرف عند العلماء المسلمين بالطبيعيات.
فقد أُنقِذَ ميراثُ الفلاسفة الإغريق من الضياع بترجمته إلى اللغة العربية، والأمر لم يقف عند هذا الحد؛ بل تم نتقيح هذا التراث ونَقدَهُ وتصحيحه، وتطويره أيضاً.

يقول مؤرخ العلوم العالِم البلجيكي جورج ساترون:
"إن بعض المؤرخين يحاولون أن يبخسوا ما قدمه العرب والمسلمون للعالم، ويصرحون بأن العرب والمسلمين نقلوا العلوم القديمة ولم يضيفوا إليها شيئًا، إن هذا الرأي خطأ جسيم؛ فقد كان العرب أعظم معلِّمين في العالم، وإنهم زادوا على العلوم التي أخذوها ولم يكتفوا بذلك، بل أوصلوها إلى درجة جديرة بالاعتبار من حيث النمو والارتقاء".

فقد كان للعلماء المسلمين نظرياتهم الخاصة وابتكاراتهم العديدة في مجالات علم الميكانيكا والفلك، والبصريات، وغيرها، إذ قدم العالم البتاني تحسيناتٍ لحساباتِ بطليموس حول مدارات الشمس والقمر، ووضع العالم ابن باجة أولى قوانين الحركة ومفهوم السرعة، كما ساهم العالم ثابت بن قرة في تعريف الحركة والوزن والجاذبية، ودرس الفارابي علم الفلك وتجارب حول الصوت وطبيعة الفراغ، كما وضع العالم البيروني بعض المفاهيم الأساسية في علم الحركة مثل التسارع والاحتكاك، وقام بتحديد الأوزان النوعية لعدّة مواد باعتماد مبدأ التجربة والقياس، واعتُبِر الحسن بن الهيثم رائد البصريات بكتابه (المناظر) الذي أسس لعلم البصريات؛ وتأثر العلماء في العصور اللاحقة بكتاباته، كما اكتشف ابن الهيثم قانون القصور الذاتي في علم الحركة، وعنه يقول سارتون:
"كان ابنُ الهيثم أعظم فيزيائيٍّ مسلم وأعظم دارسٍ لعلم البصريات في زمنه، وسواء كان الفيزيائيون يعملون في إنجلترا أو بعيداً في بلاد فارس، فإنهم جميعاً قد شربوا من النبع نفسه، لقد أحدث ابن الهيثم تأثيراً عظيماً في الفكر الأوربي من بيكون إلى كيبلر".

إنه لمن المؤسف حقاً ضياع هذا التراث العظيم وما تم إنجازه من كتبٍ وإختراعاتٍ واكتشافات، والمؤسف أكثر هو ماتعرض له من إهمالٍ شديدٍ على أيدي أبنائِه، فصار من النادر جداً أن تجد مؤلفاً واحداً من بقايا ذلك العصر؛ في حين مازالت بعض المكتبات العالمية والمتاحف مثل مكتبة الفاتيكان تحتفظ بهذا التراث العظيم، بل وتبحث فيه أيضاً مثلما حدث قبل أشهر عندما أعلن فريقٌ ألمانيٌ بأن العالم ابن سينا قد رصد ظاهرة سوبرنوفا وأنه أولُ شخصٍ قام بوصفها أيضاً.

بعد هذا التطور الذي شهده علم الفيزياء؛ كان لابد له أن ينضج أكثر، وقد آن أوان عصر نيوتن.

المصادر:
1- O'Connor, John J.; Robertson, Edmund F., "Abu Arrayhan Muhammad ibn Ahmad al-Biruni", MacTutor History of Mathematics archive.
2- Salam, Abdus (1984), "Islam and Science"، in Lai, C. H., ed.1987), Ideals and Realities: Selected Essays of Abdus Salam (2nd ed.), World Scientific
3- هاينريش سوتير: Die Mathematiker und Astronomen der Araber und ihre Werke (80-81, 224, 1900)
4- Arabic and Islamic Natural Philosophy and Natural Science, Stanford Encyclopedia of Philosophy
5- موسوعة تاريخ العلم؛ تأليف جورج ساترون وآخرون.
6- كتاب 1001 اختراع؛ البروفيسور سليم الحسني وآخرون.

جميع الحقوق محفوظة © أرابوست

تصميم الورشه