تطور الأفكار في الفيزياء | الجزء الثاني

تطور الأفكار في الفيزياء | الجزء الثاني


تحدثنا في مقالنا السابق عن تطور الأفكار في الفيزياء منذ الفلاسفة الإغريق وصولاً إلى الحضارة الإسلامية، واليوم نتابع حديثنا وصولاً إلى عصرنا الحديث..

ثالثاً- الفيزياء الكلاسيكية أو ما يعرف بِفيزياء نيوتن

تطور المنهج العلمي خلال القرن السابع عشر بعد أن تأثر بشكلٍ كبير بمؤلفات الحضارة الإسلامية وميراثها العلمي، الأمر الذي أدى إلى وضع أسس علم الفيزياء الحديث من قبل علماء أمثال فرانسيس بيكون وجاليليو جاليلي وإسحاق نيوتن، والتي أُطلِق عليها فيما بعد الفيزياء الكلاسيكية أو التقليدية.

وتنظر الفيزياء التقليدية إلى المادة من الوجهة الكلاسيكية على أنها تتكون من جسيماتٍ نقطيةٍ تتحرك تحت تأثير قوى التفاعل المتبادل فيما بينها طبقاً لقوانين نيوتن، وأهم هذه القوانين هو قانون الحركة، بالاشتراك مع قانون الجاذبية.

ويمكن القول أن جوهر ميكانيكا نيوتن يكمن في أننا نتعامل مع المادة في صورة جسيماتٍ بكتلةٍ محددةٍ وكبيرةٍ مقارنةً بـالذرَّة، وأن حركةَ أي جسيمٍ حرٍ تُعرف تعريفاً تاماً بدلالة طاقته E وكمية حركته P.

وقد نجحت هذه النظريات في وصف حركة الكواكب وأمدتنَّا بوجهٍ عامٍ بوصف مقنع لحركة الأنظمة الماكروسكوبية المتعادلة كهربائياً.

رابعاً- فيزياء الكم أو ميكانيكا الكم (نظرية الكم)

كان الجميع يظن أن الفيزياء الكلاسيكية قد أغلقت كل ما يتعلق بالفيزياء، لكن فشل التصورات الكلاسيكية الذي ظهر لأول مرة تاريخياً عند دراسة ظاهرة "إشعاع الجسم الأسود" والتي انصبت الدراسة فيه على ديناميكية تبادل الطاقة بين الإشعاع والمادة، هذا الفشل مهد لظهور ميكانيكا الكم.

فالفيزياء الكلاسيكية افترضت أن هذا التبادل يتم بصورة متصلة بمعنى أنَّ أيَّ إشعاعٍ بترددٍّ زاويٍّ يمكن أن يعطي أي مقدارٍ من الطاقة عند الامتصاص، وهذا المقدار يعتمد بالتحديد لأي حالة خاصة على شدة الطاقة في الإشعاع، وأظهر بلانك إمكانية الحصول على معادلةٍ ديناميكيةٍ صحيحةٍ لِوصفِ إشعاع الجسم الأسود، ولكن هذه المرة بشيءٍ كميًّ غير مألوف، فكانت بداية ميكانيكا الكم.

الصورة الموجية للمادة وفرضية دي برولي

وفي عام 1927 اكتُشِفت الخاصية الموجية للإلكترونات؛ من خلال التجربة التي أجراها العالمان دافيسون وجيرمر، وقد بَيَّنَتْ هذه التجارب أنه عند انعكاس حزمةٍ من الإلكترونات من على سطح بلورة النيكل فإن الإلكترونات المنعكسة تكون نموذجاً لحيود الإلكترونات؛ الذي هو انكسارٌ منظمٌ لموجات الإلكترونات عند تخللها البلورات، وينشأ عن ذلك الانكسار أن شعاع الإلكترونات الساقط يتشتت بعد الخروج منها معطياً توزيعاً منتظماً دالاً على البناء البلوري (المنتظم) للمادة الصلبة !

ظهر أيضاً أن نموذج حيود الإلكترونات لا يختفي حتى لو كانت كثافة الإلكترونات صغيرةً بدرجةٍ كافيةٍ لمرور إلكترونٍ واحد فقط بالجهاز عند كل لحظة زمنية، وانتهت هذه التجارب بإثبات حيود الإلكترونات وتم حساب الطول الموجي لها.

ولكن قبل تجارب دافيسون وجرمر؛ كان العالم الفيزياء الفرنسي لويس دي برولي قد خمنَّ أن المعادلات التي تربط بين الشكل الجسيمي والموجي للإشعاع يجب أن تطبق أيضاً على الإلكترونات E وكمية حركته P يصاحبه بطريقة ما موجة دي برولي، وسماها (موجة مادية).

المستويات المتقطعة

كما ظهر فشل الفيزياء الكلاسيكية أكثر وضوحاً على حركة الإلكترون بذرة الهيدروجين، إذ برهنت تجارب رذرفورد على إمكانية النظر للذرة علي أنها عبارةٌ عن إلكتروناتٍ سالبة الشحنة (إلكترون واحد في حالة الهيدروجين) تدور حول نواة موجبة الشحنة وثقيلةٍ نسبياً (برتون واحد في حالة الهيدروجين )، وبإهمال الإشعاع فإن هذا النظام يشبه تماماً حركة أي كوكبٍ حول الشمس مع استبدال قوى الجاذبية بين الكتل بالتجاذب الكولومي بين الشحنات.

ومن غير المقنع التعامل مع كلٍ من الإشعاع والمادة في بعض الأحيان باعتبارها موجاتٍ وفي أحيانٍ أخرى باعتبارها جسيمات، وذلك بطريقةٍ اختياريةٍ ظاهرةٍ كما أننا حصلنا أيضاً على المستويات المتقطعة لذرة الهيدروجين بتطبيق قواعد أُدخِلت بالتخمين، وهذا يخالف مبدأ ميكانيكا الكلاسيكية.

ما جعل العلماء يبحثون في صياغة أساسية لنظريةٍ جديدةٍ تُبقي التصورات الكلاسيكية صحيحة وفي نفس الوقت تطفو قواعد بلانك وبور ودي برولي كنتيجة طبيعية لتكوين مترابط وهذا هو جوهر ميكانيكا الكم !

خامساً- النظرية النسبية للعالم أينشتاين

في بداية القرن العشرين بدأ عصرٌ جديدٌ بعد نشر أينشتاين النظرية النسبية الخاصة ثم أتبعها بالنظرية النسبية العامة، فكان ظهور النسبية هو نتيجةٌ أيضاً لِفشل جميع المساعي التي حاولت إصلاح نظرية نيوتن، وهي حذف فكرة الفضاء المطلق من الفيزياء.

فجاء أينشتاين بمفاهيم غريبةٍ بالنسبة للفيزياء الكلاسيكية، مفاهيم تنسف الفيزياء الكلاسيكية من أساسها وتفسر ظواهر أخرى عديدة من الكون بحيث تشكل نظريةً صلبة البنيان متماسكة الجوانب.

وكانت هذه النظرية قويةً، وعلى الرغم من غرابة المفاهيم التي أدخلتها للعلم إلا أنها تثبت صحتها كلما دخلت في تجربة، وقد علمتنا أن العالم الذي نعيش فيه هو أغرب مما يبدو من خلال الفيزياء الكلاسيكية، فقد نزعت المفاهيم المطلقة ووضعت المفاهيم النسبية ونزعت الاستقامة من هذا الكون وعوضت عنها بالخطوط المتحدبة المنحنية، وخلطت المكان والزمان!

المصادر
1- كتاب مقدمة في ميكانيكا الكم تأليف بي. تي. ماثيوز؛ ترجمة د. أسامة زيد إبراهيم ناجي.
2- كتاب نظرية النسبية العامة لأينشتاين تأليف جلال الحاج عبد
3 - كتاب الكون الأحدب تأليف عبدالرحيم بدر.

مراجعة وتنقيح وتعديل: فراس كالو

تدقيق لغوي: محمد طحان

جميع الحقوق محفوظة © أرابوست

تصميم الورشه