النفق الكمومي !

النفق الكمومي, Quantum Tunneling, النفق الكمومي (Quantum Tunneling)

النفق الكمومي !


تعتبر ظاهرة النفق الكمومي (Quantum Tunneling) من أكثر الأفكار غرابةً ومتعةً في فيزياء الكوانتم؛ فقد ساهمت في تفسير الكثيرِ من الظواهر الطبيعية ويُعزى لها الفضل في كثير من التطبيقات التكنولوجية؛ فما هو هذا المفهوم الكمومي؛ النفق الكمومي؟

بدايةً وقبل أن ندخل في إطار المفهوم الفيزيائي لهذه الظاهرة لنأخذ مثالاً نشرح فيه ماهية النفق الكمومي:

خذ كرة مطاطية أو كرة تنس صغيرة وقف أمام حائط و ارمِ الكرة صوب الحائط مراراً وتكراراً؛ سوف ترتد في كل مرة عن الحائط، ومهما رميتها فإنها سترتد؛ فأنت تعلم أن الكرة لا تملك الطاقة الكافية لتخترق الحائط دون أن تلحق به ضرراً ( أي لن تخترقه) وهذا الأمر ما تُصرح به الميكانيكا الكلاسيكية التقليدية.

ولكن في عالم الكوانتم يختلف الأمر فنظرية النفق الكمومي تقول أنه يوجد احتمال صغير جداً بأن الكرة قد تخترق الحائط لتكمل مسيرها إلى الطرف الأخر !

ولكن تلك الإحتمالية بالنسبة لجسم كبير كالكرة تكون معدومة؛ بحيث لو رميت الكرة ملايين المرات فإنها لن تخترق الحائط إلى الجهة الأخرى، أما في العالم الذري وما دون الذري؛ فإنه يمكن للإلكترون وهو جسيم أولي أن يخترق، ويعبر أي حاجز صلب أو حاجز طاقة أو أي نوع أخر من الحواجز، و كأن الحاجز غير موجود ليصبح في الطرف الآخر و يشكل نفقا ً يسمح له بالتحرك من خلاله، و هذا ما ندعوه بالنفق الكمومي.


وما يثير الدهشة في في عالم الذرات المحكوم بقواعد ميكانيكا الكم أن الجسيمات الأولية يمكنها اختراق الحواجز حتى لو لم تملك الطاقة الكافية لذلك بفضل التسلل عبر النفق الكمومي، و السبب في ذلك عزيزي القارئ يعود إلى الطبيعة المزدوجة الموجية الجسيمية للإلكترون !

فجميعنا نعلم أن الجسيمات الأولية ومنها الإلكترون يمكن أن تتصرف كأمواج أو كجسيمات، وهذا يعني أن الإلكترون لن يتواجد في مكان و زمان محددين، ولن يمتلك مقداراً محدداً من الطاقة في لحظة محددة، و إنما تواجده سيكون وفق موجة من الإحتمالات.

فلو شبهنا قوة جذب النواة الموجبة الشحنة للإلكترون سالب الشحنة بحاجز يمنع الإلكترون من الإفلات من قوة الجذب (الحاجز الجذبوي للنواة)؛ فإن الإلكترون يستطيع في بعض الحالات أن يفلت من الحاجز الجذبوي، و يتواجد خارج الذرة، و هو احتمال وارد دوماً؛ حتى لو لم يملك الطاقة الحركية للإفلات، وإنما ذلك يحدث بفعل ظاهرة النفق الكمومي، والسبب طبيعة الإلكترون.

أهمية ظاهرة النفق الكمومي في حياتنا

في الواقع هذا المفهوم الغريب له أثر شديد، و رئيسي في عملية الإندماج الهيدروجيني النووي داخل الشمس لإنتاج الطاقة التي تمدنا بالحياة؛ إذ تبلغ درجة حرارة مركز الشمس تقديرياً حوالي 13.6 مليون كلفن، وهذه الحرارة غير كافية لحدوث الإندماج النووي، فلكي يحدث بين ذرتي هيدروجين؛ يجب أن تكون درجة حرارة مركز الشمس حوالي مليار درجة كلفن ! وذلك من أجل التغلب على قوى التنافر الكهربائي بين نواتي الهيدروجين؛ بمعنى آخر لن يحدث الإندماج من الناحية النظرية؛ ولكن بفضل ظاهرة النفق الكمومي يحصل الإندماج حتى لو لم تتوافر هذه الحرارة !

و هي فرصة ضئيلة تتمكن فيها بعض الجسيمات الأولية من التسلل لخارج الذرة عبر النفق فتُمكِن بذلك درجة الحرارة المتوافرة من دمج نواتي الهيدروجين، وهذه الفرصة الضئيلة التي يتيحها لنا النفق الكمومي تُخضِع حوالي 4 ملايين طن من الهيدروجين في كل ثانية لعملية الإندماج لتشكيل طاقة الشمس.

أيضاً أحد التطبيقات المهمة لهذا النفق هو رقائق الكومبيوتر التي لولاها لكانت الحواسيب بأحجام كبيرة جداً (حجم غرفة تقريباً)؛ وصولاً إلى اختراع المجهر الماسح النفقي (STM) من قِبَل "جيرد بينيج" و "هاينريخ روهرير" بهدف تصوير الذرات المنفردة على سطح المعدن.

المصادر:
1-نظرية الكمية لا يمكن أن تؤذيك تأليف : ماركوس تشاون ترجمة : د. يعرب الدوري
2-ميكانيكا الكم بين الفلسفة والعلم تأليف : يوسف البناي
3- ميكانيكا الكم تأليف د. سعود اللحيان . جامعة أم القرى. منشورات كلية العلوم التطبيقية .
4- Taylor, J: Modern Physics, page 473-475. Prentice Hall, 2004

جميع الحقوق محفوظة © أرابوست

تصميم الورشه