مفارقة أولبِرز ! إذا كانت السماء مليئة بالنجوم والمجرات؛ فلماذا تبدو مظلمة ليلاً ؟

إذا كانت السماء مليئة بالنجوم والمجرات؛ فلماذا تبدو مظلمة ليلاً ؟ مفارقة أولبِرز !


بدايةً ما سنتحدث عنه هو فكرةٌ بعيدة عن فكرةِ التلوث الضوئي في المدن، ما سنتحدث عنه بغض النظر عن وجود هذا التلوث الذي يحرمنا من مناظر رائعة في سماء الأرض، ففي كل مرةٍ نتأمل فيها السماء ليلاً حتى في الأماكن البعيدة عن التلوث الضوئي، فإننا بديهياً سنشاهد فراغاً حالكَ السواد، مُرصَّعاً بالنجوم المتلألِئة، ولكن لماذا هذا الظلام إذا كانت السماء مليئة بالنجوم والمجرات ؟!

مفارقة أولبِرز !

هذا ما يسمى علمياً بمفارقة أولبِرز (Olbers' paradox)؛ نسبةً إلى عالم الفلك الألماني هاينريش فيلهلم أولبِرز(Heinrich Wilhelm Olbers)، وهي تناقض ظاهري في علم الكونيات والفيزياء الفلكية، وتسمى أيضاً باسم مفارقة السماء المظلمة؛ والتي تطرح السؤال التالي: إذا كان الكونُ لامتناهياً ودائمَ الشباب فإنه يجب أن نرى نجماً أو مجرة على امتداد خط النظر حتى لو نظرنا في أي اتجاه، فلماذا لانرى حقلاً موحداً من النجوم، ولماذا لانرى سماءً ساطعةً بضوءٍ مرئيٍّ بدلاً من أخرى مظلمةٍ؟

حقيقةً، فإن التفسيرات الحديثة تقول بأن الكون محدودٌ وله عمرٌ معين، ويتوسع بشكلٍ متسارعٍ، وهذا وفقاً لاكتشاف أدوين هابل عام 1929، ويتسبب هذا بإزاحة الضوء الصادر عن النجوم الأكثر بعداً إلى حيز الألوان التي لا يمكن للعين البشرية رؤيتها.

لدينا أيضاً اكتشاف إشعاع الخلفية الكونية والتي تضيء السماء بشكلٍ غير موحدٍ وبعددٍ قليلٍ من موجات الضوء المختلفة، ولكن عملياً نحن لا نستطيع إدراك هذه الطاقة بصرياً بأعيننا، لذلك قمنا بإنشاء أدواتٍ أكثر حساسيةٍ مثل القمر الصناعي COBE ليساعدنا بالكشف عن ذلك.

وبالعودة إلى مفارقة أولبرز، فمن الممكن أن يكون هناك جزءٌ آخر مفقودٌ من اللغز، فوفقاً لدراسةٍ جديدةٍ نُشرَت في مجلة الفيزياء الفلكية، فإن علماء الفلك في النهاية قد يصبحون قادرين على حل معضلةٍ ما زالت موجودةً منذ زمنٍ.

فبحسب التقديرات السابقة لعلماء الفلك، فإن الكون المرئي يحتوي على حوالي 10 مليار مجرة؛ ولكن قامت دراسة حديثة باختبار ذلك الرقم عن طريق تقدير كثافة المجرات من الأقرب وعلى طول الطرق حتى أبعد أطراف الكون المرئي، ولأن سرعة الضوء تستغرق مليارات السنين لتصل إلى الأرض في طريق عودتها، فقد استطاعوا العودة إلى أصغر عصور الكون المبكرة.

فريقٌ من علماء الفلك برئاسة كريستوفر كونسيلتشي في مرصد لايدن في هولندا، بدأ بإعادة مراجعة صور لأعمق وأحلك بقعةٍ في الفضاء، وشملت البيانات على صورةٍ فائقة العمق التُقِطَت من قبل تلسكوب هابل التابع لوكالة ناسا، والتي تكشف عن مجراتٍ كانت موجودةً عندما كان عمر الكون حوالي 400 إلى 700 مليون سنة، في حين يفترض العلماء أن عمر الكون 13.8 مليار سنة، ومن خلال استقراء المعدلات وعلى افتراض أن شيئاً ما كان قد حجب عنهم الرؤية؛ وجدوا أن التقديرات السابقة لعدد مجرات الكون أقل بكثيرٍ من عددها الحقيقي، وبعبارةٍ أخرى؛ هناك حوالي 2 تريليون مجرةٍ في الكون بدلاً من 100 مليار مجرةٍ، وهذا ماذكرناه لكم في مقال سابق.

كل هذا الشرح ليس فقط من باب التذكير أو الفضول، لكنه مرتبطٌ بالعديد من الأسئلة الأخرى في علم الكونيات والفلك، وقد أوضح الباحثون أن معظم الحلول المحتملة لمفارقة أولبرز تقع ضمن نطاقين :
1- شرح كيف اختفتِ النجوم والمجرات.
2- شرح سبب أن هناك الكثير من النجوم والمجرات خارج نطاق نظرنا من الأرض.

الفكرة الأكثر شعبيةً هي جزءٌ منهما على حدٍّ سواء وتقترح أن الكون الآخذ بالاتساع، ويحوي على مجراتٍ ذات انزياحٍ نحو اللون الأحمر من الطيف غير المرئي، بناءً على تأثير دوبلر، وذلك جنباً إلى جنب مع حقائق أن الكون له عمرٌ محددٌ وحجمٌ يمكن ملاحظتهما.

لكن كونسيليتشي وزملاؤه قد ذهبوا إلى أبعد من ذلك، وأضافوا إجابةً أخرى لهذا اللغز، وذلك رداً على سؤال: لماذا ليس هناك توهجَ خلفيةٍ متماثلاً للضوء المرئي، خاصةً مع كل هذه المجرات المكتشفة حديثاً ؟

وقد اقترحوا حدوث امتصاص للضوء من قبل الغاز والغبار الكوني الموجود في الفضاء، والذي كان يُعتقَد أصلاً أنه يسبب مشكلةً في مسألة السماء المشرقة هو على العكس يلعب دوراً بجعلها داكنةً، وهنا تمَّ حلُ جزءٍ لا يستهان به من مفارقة أولبرز، فالمنطق القديم كان يقول أن المجال الذي لا حصر له من النجوم سوف يرفع درجة حرارة الغاز والغبار الكوني وسيكون بذلك مشعاً كما النجوم.

ولكن العلماء أشاروا إلى أن تلك المجرات البعيدة المنزاحة نحو الأحمر يمكن أن يُمتص ضوؤها من قبل الغاز والغبار الكوني في فراغ الفضاء، ثم يعاد انبعاثه على شكل موجات من الأشعة تحت الحمراء وفوق البنفسجية والتي تكون بطبيعة الحال غير مرئيةٍ للعين البشرية.

وأضافوا: "هكذا سيبدو هذا الحل كتفسيرٍ لمفارقة أولبرز ومشكلة كشف الضوء بصرياً والذي هو مزيجٌ من الحلول التي تشمل: الانزياح نحو الأحمر، والعمر والحجم المحدود للكون، وقضية الامتصاص".

وأخيراً .. فإننا في السنوات العشر المقبلة أو نحو ذلك؛ سنشهد عمل تلسكوباتٍ أكبر وأكثر حساسيةً على الأرض وفي الفضاء، ويأمل الفريق أن يحقق استفادةً أكبر من صورٍ أعمق للفضاء أكثر من أي وقتٍ مضى حينها، وبأطوال موجاتٍ لا تستطيع العين البشرية إدراكها لاختبار إن كان حدسهم في محله أم لا !

المصدر:
businessinsider.com

تدقيق لغوي: محمد طحان

جميع الحقوق محفوظة © أرابوست

تصميم الورشه