عندما قادت إخفاقات الفيزياء الكلاسيكية لولادة علمٍ جديد !

عندما قادت إخفاقات الفيزياء الكلاسيكية لولادة علمٍ جديد !


حتى نهاية العقد الأخير من القرن التاسع عشر، كان العالَم الفيزيائي يمكن أن يُفسَّرَ طبقاً لمبادئ الميكانيكا الكلاسيكيةِ أو النيوتونية (نسبةً لإسحاق نيوتن)، وكان يُنظر لعلم الفيزياء بأنه انتهى وأن كل شيء تقريباً تم اكتشافه، ومن الحوادث الطريفة أن ماكس بلانك الذي يعتبره البعض الأب الروحي لميكانيكا الكم؛ نصحه أستاذه البروفيسور فيليب فون يولي بأن يتوجه لدراسة غير الفيزياء قائلاً أن هذا المجال تم إكتشاف كل شيء فيه تقريباً، وكل ماتبقى هو ملئ القليل من الثغرات، وكان هذا هو الاعتقاد المنتشر آنذاك!، لكنّه ردّ بأنّه لا ينوي اكتشاف أشياء جديدة، وإنما أن يفهم أساسيات الفيزياء.

ولكن بنهاية القرن التاسع عشر بدأت تنهارُ نظريات فيزياء الكلاسيكية، وتظهرُ نظريات جديدة لتعوض مكانها، فظهرت النظرية النسبية ووصفت طبيعة الأشياء الهائلة والسريعة جداً، وبعد ذلك جاءت ميكانيكا الكم في عشرينيات القرن العشرين لتصف طبيعة الأشياء الصغيرة جداً.

لم تكن أي واحدةٍ من هذه النظريات تزودنا بوصفٍ للعالم بشكلٍ يسيرٍ وسهلٍ، منذ تناقضها مع تنبؤات الفيزياء التقليدية المألوفة في الأنظمة التي تطورت، وعلى الرغم من هذا فإن كلتا النظريتين تستخدم النتائج التقليدية عندما تقدم حلولاً للعالم اليومي. فمثلاً لفهم فيزياء أشباه الموصلات على مستوى ذريٍّ يجب أن نأخذ رأي ميكانيكا الكم بالاعتبار، لأنها تتعامل مع أشياء صغيرة جداً (إلكترونات، ذرات، الخ)، ولكن عند الحديث عن أشياء فائقة الحجم وتتعلق بمفاهيم الزمان والمكان والسرعات الفائقة كسرعة الضوء لابد أن نتعامل مع النظرية النسبية.

وترافقت هذه النظريات مع تغير في المفاهيم عن الذرة ومكوناتها، والكون بأسره !

وقد بدأ ظهور ميكانيكا الكم عندما عجزت الفيزياء الكلاسيكية عن توضيح وتفسير بعض التجارب، فعلى سبيل المثال؛ كان المشهور أنَّ الإلكترونات تدور حول نواة الذرة، بأسلوب تشبه فيه الكواكب التي تدور حول الشمس، وكانت الفيزياء الكلاسيكية تنبأت بأن الإلكترونات ستدور وتدور لتسقط داخل النواة في جزءٍ من الثانية، ولكن من الواضح بأنَّ هذا لا يحدث، وذلك تنبؤٌ خاطئٌ، ومع تطورِ التّجارب الأخرى والتي لا تفسرها الفيزياء الكلاسيكية، جعل العلماء يبحثون عن شيءٍ ما جديدٍ ليوضحَ ويفسر العلم على المستوى الذري.

ولكن هذا لا يعني أن الفيزياء الكلاسيكية خاطئة، فالفيزياء الكلاسيكية هي نظريةٌ منقوصةٌ وليست خاطئةً، لكنها تكون قاصرة بشكلٍ كبيرٍ عندما يتم التعامل مع الوحدات الصغيرة (حجم ذري) حيث نستعمل ميكانيكا الكم، أو الوحدات السريعة جداً القريبة من سرعة الضوء، حيث تتولاها النسبية، أما الأشياء اليومية التي هي أكبر بكثير من الذرات والأبطأ كثيراً من سرعة الضوء فإن الفيزياء الكلاسيكية تعمل بشكل ممتاز ويكون من السهل استعمالها بدلاً من ميكانيكا الكم أو النسبية اللتين تتطلبان معلوماتٍ حسابيةً شاملةً ومعقدةً.

وتتلخص أهمية ميكانيكا الكم في تفسير بعض الظواهر والتجارب الفيزيائية التي لم تستطع أيُّ تصورات كلاسيكية تفسيرها، ومن أشهر هذه الظواهر مفهوم مستويات الطّاقة المنفصلة، القائل بأن الإلكترونات يمكن أن توجد فقط في مستويات الطاقة المنفصلة التي تمنعها من السقوط في النواةِ، بالإضافة لبعض المفاهيم الغريبة مثل الصفة المزدوجة لبعض الجسيمات، والنفق الكمي ومبدأ عدم الدقة لهايزينبيرغ، وغيرها، والتي سنتناولها تباعاً في سلسلة مبسطة حول ميكانيك الكم.

في النهاية قصور الفيزياء الكلاسيكية وظهور النسبية وميكانيكا الكم، جعلتا النظرة إلى العلم على أنه وقائع ثابتة تتغير، فإذا كان أساس العلم هو القدرة على قياس الأشياء بدقةٍ، فإن ميكانيكا الكم تقول بأنه من المحال أن تصبح تلك المقاييس دقيقة، فمبدأ عدم الدقة لهايزينبيرغ يضع البشر أمام خيار واحد، وهو استحالة بناء أداةِ قياسٍ واضحةٍ تعالج كلَّ المتغيرات في الكميات الفيزيائية الحقيقية، واعتمادها ككميات تعبر بشكلٍ مطلق عن ظواهرَ لا يمكن تفسيرها رقمياً أحياناً على غرار ظواهرنا الكلاسيكية؛ التي فسرت بشكل لا يقبل الشك، ولا يقبل التغييرات الجامدةِ في المنطق الفيزيائي المتبع لدينا كفيزيائيين !

المصادر:
pbs.org
livescience.com

مراجعة وتعديل: فراس كالو

تدقيق لغوي: محمد طحان

جميع الحقوق محفوظة © أرابوست

تصميم الورشه