هل للكون بداية ونهاية أم أنه سرمدي ؟!

0
ما بين نظرية الانفجار العظيم، ونظرية الحالة الثابتة للمادة؛ هل للكون بداية ونهاية ؟ أم أنه سرمدي ؟!

ما بين نظرية الانفجار العظيم، ونظرية الحالة الثابتة للمادة؛ هل للكون بداية ونهاية ؟ أم أنه سرمدي ؟! 


مقدمة

كفيزيائيين نحن لا نقبل إلا بالحُجة والبرهان وسقف قبول الآخر لدينا مرتفع. في عام 1949 تبنى مجموعة من علماء الكونيات من أشهرهم الفلكي البريطاني ألفريد هويل، تبنوا نظرية الحالة الثابتة (Steady-state theory) كتفسير لنشأه الكون وكسيناريو لنهايته في المستقبل البعيد، ومع أن هذه النظرية كان مناخها فلسفياً عميقاً، إلا أنها ظلَّت نظرية علمية مقبولة حينها لأنها استندت في طروحاتها على ملاحظات واستنتاجات علمية.

الافتراضات

النظرية تدعي أن الكون سرمدي أي أنه أزليٌ وأبديٌ، يعني أنه موجود من  الماضي البعيد وسيستمر حتى ما لانهاية، بمعنى آخر لا بداية للكون ولا نهاية له، وهذا الطرح لم يكن جديداً علينا كفيزيائيين، لأننا نعرف أن كثيراً من الفلاسفة وعلماء "الكلام" نادوا به، وكان راسخاً أيضا في قلب بعض المعتقدات الدينية عند بعض الشعوب، إلا أن ما ميزَّ طرح "هويل وزملائه"؛ أنه استند إلى ملاحظات علمية بناءً على أدوات القياس المتاحة وقتها، وأن النظرية التي جاء بها "هويل" كانت ناتجة من عمل علمي وملاحظات ورصدٍ مستندٍ إلى منهجية علمية.

أين أخفقت نظرية الحالة الثابتة للمادة ؟ 

إن تصور هؤلاء العلماء القائم على أن الكون لا بداية له ولن تكون له نهاية، اصطدم بالنتيجة التي توصل لها العالِم الأمريكي "إدوين هابل" بأن الكون يتمدد وأن المجرات تتباعد عن بعضها البعض بسرعة "خرافية"، لكنهم قالوا أن هذا كله لا يؤثر في صلب نظريتهم، لأنه حسب "الحالة الثابتة" فالكون الثابت، كثافته ثابتة، وتمدد الكون وزيادة حجمه لا بغير قيمة الثابت الكوني، والسبب حسب النظرية أن الكون يُنشِئ مادة جديدة للمحافظة على ثابت الكثافة الكوني، وأن كل عمليات الولادة الجديدة للنجوم والسدم والمجرات هي عبارة عن رد فعل طبيعي ليحافظ على حالة الاتزان بين المادة والفراغ في الكون، رغم هذه الفرضيات الضعيفة إلا أننا كفيزيائيين لا يمكننا إنكار الحسابات التي قام بها "هويل" وزملاؤه لتفسير نشأة ووفرة كل العناصر الأثقل من الهيدروجين في الكون، ولكن كان أول فشل للنظرية هو عدم قدرتها على تفسير نشوء الهيدروجين والهيليوم وكمياتهم الضخمة في الكون.

نظرية الانفجار العظيم تنتصر 

في الوقت الذي فشلت فيه نظرية الحالة الثابتة للمادة في تفسير نشوء الهيدروجين والهيليوم ، نجحت نظرية الانفجار العظيم (Big Bang theory) في أن تقدم تفسيراً جيداً ومنطقياً لكميات الهيدروجين الكبيرة في الكون، باعتبار أن الكون بدأ أصلاً من متفردة صغيرة جداً انفجرت وتمددت ترليونات المرات خلال أجزاء من البليون من الثانية، وبعدها بدأ ظهور الجسيمات دون الذرية مثل كواركات وفيرمونات وبعدها تكونت القوى الطبيعية، ما أدى إلى إنتاج ذرة الهيدروجين الأولى وهذا يؤكد بوضوح أن هناك نقطة بداية نشأ منها الكون الذي نعيش فيه، ويخالف أزلية الحالة الثابتة للمادة، أيضا نشأت أجرام كونية غريبة جداً حتى على العلماء في تلك الفترة ولم تقدم نظرية الحالة الثابتة  تفسير لأي منها.
طبعاً ظل الوسط العلمي منقسم بين مؤيد ومعارض حتى عام 1965 عندما رصد العالم "ويسلون" إشعاع الخلفية الكوني لأول مرة حيث كان أثراً ودليلا واضحاً ودامغاً على حدوث الانفجار العظيم!

تحليل

إذا قبلنا فكرة أبدية الكون، هذا يعني أنه إذا استمر الكون بالتمدد فعند نقطة في المستقبل سيصل الكون إلى حالة أنتروبي قصوى، يعني أن الحرارة تتوزع بالتساوي في الكون، وعند اتساع الكون بشكل كبير سيبرد، ومن ممكن أن يصل درجة الصفر المطلق، وحسب القانون الثاني للديناميكا الحرارية، سيموت الكون حرارياً.

يبدو من الواضح الآن أن الكون ليس أبدياً إطلاقاً، لكنه محكوم ببداية وسيكون له سيناريو للنهاية، ويمكن حساب تاريخ بدايته، فحسب افضل الحسابات الموجودة حالياً يُقدَّر عمر الكون بحوالي 13.7 مليار سنة!

تدقيق لغوي: فراس كالو


المصادر
wired.co.uk
britannica.com

نظرية الانفجار العظيم | الجزء الثالث

0

الانفجار العظيم من الألف إلى الميم - الجزء الثالث والأخير

التسلسل الزمني لأحداث الانفجار الكبير (2)

إعداد: محمد باقي

تعرفنا في المقال الماضي على الأحداث التي جرت في الأجزاء الأولى من الثانية الأولى لولادة الكون، ووصلنا إلى اللحظة التي تساوي واحد على مليون جزء من الثانية، واليوم نتابع..

‫خامساً‬:

وتعدُّ اللحظة التي تعادل جزءاً من مليون جزء (أي 10^-6) من الثانية المرحلة التي بدأت فيها الكواركات الحرة بالاختفاء وإلى الأبد، ففي هذه اللحظة، تبرد الكون الوليد إلى الدرجة عشرة آلاف مليار (أي 10^13 درجة مطلقة).
كانت الكواركات وأضدادها تهيم في الفضاء عشوائياً، وتتشكل وتتفانى بأعداد هائلة، ولكن ما إن أصبحت درجة الحرارة أقل بقليل من الدرجة المشار إليها آنفاً، حتى أصبحت طاقة الجملة غير كافية لتشكيل كواركات وكواركات مضادة جديدة، في حين أنَّ ما هو موجود منها استمر بالتفاني بشكل زوجي، وبأعداد كبيرة، الأمر الذي استدعى وصف هذه المرحلة بِـ ((مذبحة الكواركات)) التي لم تتوقف إلاَّ عندما انخفضت درجة الجملة إلى ما دون ألف مليار (أي 10^12) درجة مطلقة.

‫سادساً‬:

عندما أصبح عمر الكون جزءاً من عشرة آلاف جزء (أي 10^-4) من الثانية، أصبح حجم الكون (نتيجة التوسع الذي تقارب سرعته سرعة الضوء) بحجم المنظومة الشمسية الحالية، وبدأت الكواركات المتبقية بالترابط بعضاً ببعض، لتشكل الباريونات "Baryons"، التي هي البروتونات والنترونات التي نشأت من الكواركين U وD.
ولقد حدث الارتباط بفضل القوة النووية الشديدة، ممثلة بِالغليون Gluon (الغراء النووي) ويمكن القول أنَّ نواة أول عنصر (نواة الهدرجين أو البروتون) قد تشكلت في هذه المرحلة.

‫‏سابعاً‬:

ما إن مضت على ولادة الكون ثانية واحدة، وتبردت درجة الحرارة إلى بضعة عشرات مليار الدرجة، حتى توقف فناء الأنواع الثلاثة للنترينو، وهي: نترينو الإلكترون ونترينو الميون، ونترينو التاو، ويعود أمر نجاة أنواع النترينو (التي كانت حتى هذه المرحلة تحت سيطرة القوة النووية الضعيفة) إلى التبرد المتزايد للكون الذي أدى في النهاية إلى إضعاف هذه القوة، الأمر الذي سبب انعتاق أنواع النترينو بأعداد كبيرة، كي تهيم في فضاء الكون حتى يومنا هذا.

‫ثامناً‬:

عندما أصبح عمر الكون الوليد مئة ثانية، تبردت درجة حرارة الجملة إلى مليار درجة مطلقة، مستوى أمكن فيه للبروتونات والنترونات الارتباط بعضٍ ببعض لتشكل النواة التالية التي ولدت بعد نواة الهدرجين العادي (البروتون)، والثقيل أو الدوتِريوم ، ونعني بذلك نواة الهليوم التي تتألف من بروتونين ونترونين.
لقد شهد الكون في هذه المرحلة إذاً ولادة هذه النواة، المتراصة البنيان، والشديدة الثبات وتعد ولادة نواة الهيلوم الحدث المهم والمميزة لهذه المرحلة.
ويعتقد العلماء أنه وخلال الثلاث مئة ألف السنة التالية التي أعقبت مئة الثانية الأولى حدث زيادة هامشية في التوسع المنفعل للكون، وتبرد الكون أكثر فأكثر، لتصبح حرارته آلاف الدرجات، وامتزاج أوسع للهدرجين بالهليوم، وولادة بعض نوى العناصر الخفيفة (الليتيوم والبيريليوم والكربون).
كما تولد الإشعاع المعروف بأشكاله المختلفة، وفيض من الإلكترونات، وتحررت الفوتونات من البلازما البدئية التي تشكل مادة الكون.

‫تاسعاً‬:

يمكننا الآن تصور حال الكون بعد مرور ثلاث مئة ألف سنة، فالكون شفاف وصافٍ، ويغمر هذه الشفوفية ضياء باهر آخاذ، نجم عن تباطؤ امتصاص الإشعاع الذي هدأت ثورته، فتوقف عن تحطيم الذرات الآخذة بالتشكل، ذلك أن تبرد درجة حرارة الكون أتاحت للنواة أسر الإلكترونات، لتبقى هذه في كنف النواة، تدور في فُلكها، وهكذا بدأت العناصر المعدنية بالتشكل.

عاشراً‬:

يُتوقَعُ عامةً على أنَّ الكون ظل على هذه الحال مدة مليار عام، حيث أخذت بعدئذ المجرات بالتشكل بدءاً من الهدرجين والهليوم والركام (الغبار) الكوني.
ومنذ ثلاثة عشر مليار سنة والكون لا يزال كما هو، علماً بأنه عانى توسعاً منفعلاً، يتراوح ما بين 5 و10 في المئة كل مليار عام (ولا يزال يعاني هذا التوسع المنفعل وفقاً لنماذج ((فريدمان)))، فقد أصبح نصف قطر الكون الحالي القابل للرصد قرابة مليون مليار مليار (أي 10^24) كليومتر.
وفيما يتعلق بمدى وثوقية هذه الأرقام، فمن حقنا أن نتساءل فيما إذا كانت هذه الأرقام الدقيقة قد حددت فعلاً بالقياس التجريبي؟
إن الإجابة على هذا التساؤل سيكون قطعاً هو النفي‬.

ولكن يمكن التأكيد أنَّ هذه الأرقام صحيحة لسببين:
‫الأول‬:
أنَّها أتت نتيجة معالجات رياضية فيزيائية، انطلقت إما من نماذج تجربية أو نظرية منطقية، فمثلاً، عندما نقول إن أصغر طول في الطبيعة لا يمكن أن يقل عن طول ((بلانك))، ذلك لأنه يمكن للفيزياء النظرية أن تبرهن على أن الجُسيم الذي يقل طوله عن طول ((بلانك))، يتحول إلى نقطة كمومية (نقطة من الطاقة) تبتلع نفسها.
‫‏الثاني‬:
هو استقرائي واستنتاجي، انبثق عن تفسير النتائج التي أتت بها المسرعات الهائلة، التي تستطيع تحويل الطاقة إلى مادة وفقاً لمعادلة ((آينشتاين)) (E=mc2)، والاستنتاج من ذلك أنه في مستوى معين من الطاقة، يمكن حساب زمن ولادة الجُسيمات الأولية (الكواركات واللبتونات وغيرها)، وزمن فنائها، ودرجات حرارة تكونها، وغير ذلك، بالإضافة إلى المسابير الفضائية وما قامت به من قياسات تتعلق بإشعاع الخلفية والحرارة والصور الملتقطة لولادة وفناء النجوم والمجرات، كل ذلك ساهم في التكهن بهذه الارقام وصحة النظرية.

وفي نهاية هذا المقال لابد أن نؤكد أن حدوث هذه المراحل كان دقيقاً ومنظماً لا مجال للمصادفة فيه، يقول الفيزيائي ستيفن واينبرج ‫‏في كتابه الدقائق الثلاث الأولى من عمر الكون:
''لو كان الكون في الدقائق الأولى القليلة مؤلفاً حقاً من أعداد متساوية تماماً من الجسيمات والجسيمات المضادة، لكانت كل هذه الأعداد قد دُمرت نتيجة لانخفاض درجة الحرارة إلى أقل من 1.000 مليون درجة، ولما تبقَّى شيء غير الإشعاع، ويوجد دليل مقنع جداً ضد إمكانية حدوث ذلك؛ فنحن موجودون هنا! ولا بد أنه كانت هناك زيادة في عدد الإلكترونات عن البوزيترونات، وفي عدد البروتونات عن مضادات البروتونات، وفي عدد النيوترونات عن مضادات النيوترونات، لكي يتبقى شيء بعد تدمير الجسيمات والجسيمات المضادة يستطيع أن يقدم مادة الكون الحالي''·
وكما قال أناتول فرانس :
((إنَّ المصادفة هي الاسم المستعار للإله عندما لا يرغب في توقيع اسمه الصريح))، أو بالأحرى عندما لايرغب الإنسان بالتصريح!

ولولا وجود الإنسان، يغدو هذا الكون العظيم بلا معنى...

إعداد: محمد باقي
شارك في إعداد المقالات:
محمد هيثم البيك
فراس كالو
تدقيق لغوي: محمد طحان

المصادر:
تاريخ موجز للزمن – ستيفن هوكينج و ليونار مولندينوف
Steven Weinberg; The First Three Minutes, A modem view of the origin of the universe, Fontana Paperbacks. p89

نظرية الانفجار العظيم | الجزء الثاني

0

 نظرية الانفجار العظيم من الألف إلى الميم | الجزء الثاني

التَّسلسلُ الزمنيُّ لأحداثِ الانفجارِ الكبيرِ (1)

إعداد: محمد باقي

تحدثنا في الجزءِ الأوَّل عن ولادةِ الكونِ نتيجةَ انفجارٍ هائلٍ، واليومَ سنتابعُ مع تسلسل الأحداث لهذه البداية.
يظنُّ العلماءُ أنَّ البدايةَ كانتْ من نقطةٍ لا نهائيَّةِ الصِّغرِ وذاتِ كثافةٍ لا نهائيةِ الكبرِ والسخونةُ من رُكامٍ كمومي مكون من جُسيماتٍ غريبةٍ غيرِ مألوفةً، وجُسيماتٍ غريبةٍ أخرى مضادةٍ، تتولدُ وتتفانى باستمرارٍ.

ويُعتقدُ أنَّ القوى الطبيعيةَ الأربعَ كانتْ موحدةً في قوَّةٍ واحدةٍ كبرى معطلةِ الفعلِ، وذاتِ بنيةٍ غشائيَّةٍ حويصليَّةٍ وتريَّةٍ.
وفي إثرِ حدوثِ الانفجارِ، انفصلتْ فقاعاتٌ انتفاخيَّةٌ كموميَّةٌ، توسَّعتْ إحداها توسُّعاً هائلاً، فوُلِدَ الكونُ ووُلد معهُ الزمانُ والمكانُ، في خلاءٍ فائقِ البرودةِ والتَّناظرِ.

ويمكنُ تلخيصُ التَّسلسلِ الزمنيِّ لأحداثِ ولادةِ الكونِ بحسبِ ظنِّ العلماءِ على النحوِ التَّالي:

أولاً :

في اللحظةِ التي تعادلُ جزءاً من عشرةِ ملايينَ مليارِ مليارِ مليارِ مليارِ (أي 10^-43) جزء من الثانية الأولى لولادةِ الكونِ، حدثَ الانفجارُ الأعظمُ على درجةٍ منَ الشدَّةِ بحيثُ لا يسمحُ بأي نشوءٍ ماديٍّ واضحٍ.
كانت شدةُ هذا الهياجِ تكفي لتفارقَ أيِّ ترابطٍ جُسيميٍّ يمكنُ أن يحدثَ، وكانَتْ شدَّةُ الحرارةِ والإشعاعِ تلتهمُ كلَّ تشكُّلٍ بنيويٍّ قدْ ينشَأُ.
وتمثٍّلُ الحدثَ الأساسيَّ (الذي نجمَ عنْ هذا الاهتياجِ الحراريِّ العنيفِ) بولادةِ الثقالةِ، القوةُ الأولى مِنَ القوى الأربعِ والتي كانتْ (حتى لحظةِ الانفجارِ) موحدةً في قوةٍ كبرى واحدةٍ متفانيةِ الفعلِ، وذاتَ بنيةٍ غشائيَّةٍ حويصليَّةٍ وتريَّةٍ.

ثانيا ً:

في إثرِ فترةِ مخاضٍ وجيزةٍ جداً (تقلُّ عشر ملياراتِ جزءٍ عن اللحظةِ الأولى المشارِ إليها آنفاً)، هبطتْ درجةُ حرارةِ الكونِ الآخذِ بالولادةِ إلى درجةِ حرارةِ بلانك، وأخذَ الركامُ الكموميُ يشكلُ نقطةً يبلغُ قطرَها عشرةَ أضعافِ طولِ بلانك، إذْ يبلغُ طولُ هذا القطرِ جزءاً من مئةِ ألفِ مليارِ مليارِ مليارٍ أي 10-32 جزء منَ السنتي متر - يبلغ طول بلانك جزءاً من مليونِ مليارِ مليارِ مليارٍ أي 10^-33 جزء من السنتي متر- أما الحدثُ الأساسيُّ ذو المغزى والذي نجمَ عن هذا المخاضِ، فتمثلُ بولادةِ المكانِ والزمانِ (مَعْلَمَي الكونِ الرئيسيَّن) اللَّذين يُعالجان (بفضل نظريةِ النسبيةِ العامةِ) كأيِّ معلمٍ فيزيائِّيٍ آخرٍ (كالكتلةِ، ودرجةِ الحرارةِ، والتَّسارعِ).
لقدْ تألفَّتْ نقطة الركامِ الكموميٍّ في هذهِ المرحلةِ من جُسيماتٍ غريبةٍ غيرِ مألوفةِ، ومنْ أضدادِ هذهِ الجُسيماتِ التي لم يعرِفْ (ولنْ يعرِفَ) تاريخُ الكونِ لها مثيلاً.

وكانت هذه الجُسيماتُ الغريبةُ وأضدادُها تنشأُ بدءاً مِنْ طاقةِ هذا الرُّكامِ الكموميِّ، وتتفانى آنيَّاً، وكانَ عمرُ الكونِ في هذه المرحلةِ يساوي جزءاً منْ مئةِ مليونِ مليارِ مليارِ مليارٍ أي 10^-35 مِنَ الثانيةِ، حيثُ انخفضتْ درجةُ حرارةِ الكونِ إلى ألفِ مليارِ مليارِ مليارِ درجةٍ مطلقة.
في هذه اللحظةِ، وفي أثناءِ مخاضِ ولادةِ القوَّةِ النوويَّةِ الشديدةِ، انفصلتْ عن الرُّكامِ الكموميِّ فقاعاتٌ كموميَّةٌ وانتفختْ إحداها بسرعةٍ مفرطةٍ فأصبح حجمها مساوياً حجمَ كرةِ المضربِ. ولضرورةِ الحفاظِ على التناظرِ (التجانسِ) الفائقِ للخلاءِ، تحوَّلَ جزءٌ من طاقةِ الرَّكامِ الكموميِّ إلى مزيدٍ منَ الجُسيماتِ الغريبةِ غيرِ المألوفةِ والجُسيماتِ المضادةِ.

ثالثاً:

في اللحظةِ التي أصبحَ فيها عمرُ الكونِ مُساوياً جزءاً من مئةِ ألفِ مليارِ مليار ِمليارٍ أي 10^-32 جزء من الثانيةِ الأولى، تجددَّ الانفجارُ ثانيةً في القسمِ الفائضِ من الرُّكامِ الكموميِّ، إنما بشدةٍ أضعف وبسرعةٍ أبطأ من الانفجارِ الأولِ، ليسخنَ الانتفاخُ (الآخذُ بالتوقَّفِ) والخلاءُ المحيطُ (الفائقُ التبردِ) تسخيناً مفرطاً.
ولكن في إثرِ انخفاضِ درجةِ حرارةِ الكونِ إلى عشرةِ ملايين مليارِ مليارٍ (أي 2510) درجةٍ مطلقةٍ أو كلِفن، وبفعلِ القوةِ النوويةِ الشديدةِ، وبدرجةٍ أقل، فعلتِ الثقالة تحولَ جزءٍ من الجُسيماتٍ الغريبةٍ غيرِ المألوفةِ إلى كواركات (1301 quarks)، ولبتونات(1401).

رابعاً:

أمَّا في اللحظةِ التي بلغَ فيها عمرُ الكونِ جزءاً من مئةِ مليارٍ جزء أي 10^-11 من الثانية، فإن درجةَ حرارةِ الكونِ انخفضتْ إلى أقلِّ من مليونِ مليارٍ أي 1510 درجةٍ مطلَقةٍ أو كلِفن، وأصبحتْ ظروفُ الكونِ مواتيةً لانشطارِ توأمي القوةِ النووية الضعيفةِ والقوةِ الكهرطيسيةِ، فولدتْ هاتانِ القوتانِ كقوتينِ مستقلَّتينِ وظيفيتينِ.

وهنا أيضاً حدثَ هذا الانشطارُ بآليةِ فصمٍ متناظرةٍ. وكما أن الفوتونَ هو رسيلُ القوةِ الكهرطيسيَّةِ (وهو عديمُ الكتلة)، فإنَّ الجُسيماتَ W+ (من ضعيف weak)، و Z و W، هي رسلُ القوة النووية الضعيفة، وذات كتلٍ مرتفعةٍ.
يمكنُ القولُ إذاً أنَّ هذهِ المرحلةَ من عمرِ الكونِ أصبحتْ تتمتَّعُ بفعلِ القوى الأربعِ للطبيعةِ التي ولدَتْ على التَّتالي بتحولاتٍ طوريةٍ ثلاثةٍ: الثّقالةُ في اللحظةِ 10^-43 من الثانيةِ (لحظةُ حدوثِ الانفجارِ الأعظمِ وبدءِ ولادةِ الكونِ بزمانهِ ومكانهِ)، ثمَّ القوةُ النوويةُ الشديدةُ في اللحظةِ 10^-35 من الثانيةِ، ثمَّ القوتان المدموجتانِ: النوويةُ الضعيفةُ والكهرطيسيةُ، وأخيراً انفصالُ هاتان القوتان عن بعضهما في اللحظة 10^-11 من الثانية.

ولا بدَّ من التأكيدِ في هذا الصددِ أنَّ ولادةَ هذهِ القوى أتى كنتيجةٍ منطقيةٍ لتبرَّدِ الكونِ، وأنَّ هذهِ الولادةَ كانتْ ((مبرمجةً)) في الزمانِ والمكانِ، وبدقةٍ، بحيثُ يكونُ وجودُ هذه القوى (وكذلكَ الجُسيماتُ الحاملةُ لها، أو رُسُلها) شرطاً حرجاً وأساسياً للانتقالِ إلى المرحلةِ التَّاليةِ. 

يتبع...


تدقيق لغوي: محمد طحان

المصادر:
كتاب تاريخ موجز للزمن ستيفن هوكينج

نظرية الانفجار العظيم | الجزء الأول

0

نظرية الانفجار العظيم, ما هي نظرية الانفجار العظيم, شرح نظرية الانفجار العظيم

نظرية الانفجار العظيم من الألف إلى الميم | الجزء الأول

مقدمة بسيطة جداً

إعداد: محمد هيثم البيك

أكثر النظريات قبولاً ودقةً حول نشأة الكون، فكثيرٌ ما نسمع في الأوساط العلمية عنها، فما هو مصطلح الانفجار العظيم، وما هي هذه النظرية؟ هذا ما سنحاول شرحه في عدة مقالات، نبدأها اليوم بفكرةٍ مختصرةٍ وسريعةٍ عنها لنخوض معكم في المقالات اللاحقة تفاصيلها العميقة والمدهشة، فتابعونا:

ما هي نظرية الانفجار العظيم Big Bang Theory؟


في عام 1927م خطرتْ على بالِ العالم البلجيكي جورج لومتر فكرةٌ عظيمةٌ، فقدم الفرضية التي قال فيها: في قديم الزمان، بُدِأَ الكون من نقطة وحيدة شديدة الكثافة وأخذ بالتوسع والامتداد ليصل إلى ما عليه اليوم متابعاً التوسع..

وأصبحت هذه الفرضية لاحقًا نظرية الانفجار العظيم، وهي فكرة رائعة فعلاً، فكيف يخطر على بال شخصٍ، تَخيُّل بدايةِ هذا الكون الشاسع الممتدِّ، الأمر صعب التخيل!

بعد سنتين فقط من كلام جورج لومتر، لاحظ الفلكي الأمريكي إيدوين هابل أن المجرات تأخذ بالابتعاد عنا، ليس هذا فقط بل كلما كانتِ المجرات أبعد كلما تحركت أسرع عنا.

استنتج هابل أن الكون لا يزال يتوسع مثلما ظن "لومتر"، فإذا كانت الأجسام تبتعد عن بعضها فهذا يعني أنها كانت قريبة من بعضها يوماً ما...قريبة جداً جداً!
كل شيءٍ نراه اليوم حولنا، و المجرات والنجوم والكواكب والنيازك، كل شيء، لم يكن موجوداً في البداية فمن أين أتى كلُّ هذا الكونِ البديع؟

بدايةٌ صغيرةٌ وحارَّةٌ:


عندما وُلِدَ الكون كان عبارةً عن جُسيماتٍ صغيرةٍ حارةٍ ممزوجةٍ مع الضوءِ والطاقةِ، لم يكن هناك شيء كما نراه اليوم، فمع توسُّع الأشياء وأخذها مكاناً أوسعَ في الكون، بدأ كوننا هذا بالبرودةِ شيئاً فشيئاً.

وبدأتِ الجسيمات الصغيرة بالتجمع مُشكِلةً الذراتَ ثم بدورها هذه الذراتُ بدأتْ بالتجمعِ مكونةً خلال زمنٍ طويلٍ النجومَ والمجراتِ.
كُوِّنَت في النجوم الأُولى ذراتٌ أكبر والمجموعات من هذه الذرات نشأت الجزيئات، قاد هذا إلى ولادة نجومٍ أكثر، في ذات الوقت، كانتِ المجرات تتصادم ثم تتجمَّع، ومع ولادة وموتِ النجومِ الجديدة، أخذتِ النيازك والكواكب والثقوب السوداء بالنشوء!
منذُ وقتٍ طويلٍ جداً...!

كم استغرق كل هذا النشوء؟ الأمر لا يبدو واضحاً كثيراً، لكنَّ العلماء يفترضون اليوم أنَّ عمرَ الكونِ 13.8 مليار سنة، هل انتهت رحلتنا هنا؟ لا بل بدأت الآن!
تعرفوا معنا في الجزء القادم على التسلسل الزمني لأحداث الانفجار العظيم..

يتبع

تدقيق لغوي: محمد طحان

المصدر:
spaceplace.nasa.gov

كافة الحقوق محفوظة لموقع © مقالات بالعربي