لأول مرة؛ العلماء يلتقطون صورة للمادة المظلمة !

لأول مرة؛ العلماء يلتقطون صورة للمادة المظلمة !


استطاع العلماء عبر تجميع صورٍ لمجراتٍ تبعد عنا 4.5 مليار سنة ضوئية الحصول أخيراً على دليل صوري للمادة المظلمة التي تصل المجرات مع بعضها، وهذا الرصد الجديد للمادة المظلمة سيؤدي بنا إلى فهم أفضل للكون من حولنا.

رؤية ما لا يمكن رؤيته!

نشأ مفهوم المادة المظلمة بسبب الحاجة لتفسير بعض الظواهر الفيزيائية في الكون، فاعتماداً على المادة المرئية وحدها، لا يمكن للكون البقاء والسير كما هو الحال عليه الآن لأن المادة المرئية لا يمكنها توليد الجاذبية اللازمة لتماسك المجرات مع بعضها، والمادة المظلمة هي الحل لدى العلماء للخروج من هذا التناقض، فهم يقولون بأنه يجب على كوننا أن يحتوي نوعاً من المادة لا يرى ولا يقوم بامتصاص وعكس وبعث الضوء – مادة مظلمة بكل معنى الكلمة.

يجب على هذه المادة المظلمة أن تشكل أكثر من ربع المادة الموجودة في الكون، وذلك كي تكون النماذج العلمية صحيحة، ويبقى تكوين هذه المادة غامضاً، لأن إيجاد دليلٍ على شيء لا يرى عملية شاقة.

سابقا، كانت الآثار الجذبوية للمادة المظلمة هي أقرب شيء ليستدل به على وجودها، ولكن الآن حصل باحثون من جامعة (Waterloo) في كندا على شيء أفضل، وهو صورة مركبة تثبت أن المجرات تتصل فعلاً بواسطة المادة المظلمة!

ركب الباحثون صوراً أُخذت على مدى سنة ليثبتوا وجود المادة المظلمة مستخدمين تقنية تعرف بعدسة الجاذبية الضعيفة. الصورة المركبة صنعت باستخدام صور لأكثر من 23 ألف مجرة متزاوجة تبعد 4.5 مليار سنة ضوئية!

الكون المفقود !

قد لا نملك رصداً أكبر لِما تكون هذه المادة، ولكننا على الأقل حصلنا على تمثيل مادي لوجودها بين المجرات.

يشرح لنا البروفيسور في علم الفلك  مايك هودسون (Mike Hudson) من جامعة (Waterloo) قائلاً في لقاء صحفي في المجتمع الفلكي الملكي:
"لعقودٍ كان الباحثون يتوقعون وجود خيوط المادة المظلمة بين المجرات والتي توصل المجرات عبر بنية فائقة تشبه الشبكة" وأضاف قائلاً "هذه الصورة تنقلنا من التوقعات إلى شيءٍ يمكننا رؤيته وقياسه."

بالطبع، هذه الصورة هي خطوة للأمام في سبيل جعل المادة المظلمة والطاقة المظلمة شرعيتان علمياً، في حين افترض علماء آخرين نماذج لا تحتاج لوجود هذه المادة.

هذه الصورة تقربنا من فهم المادة المظلمة ودورها في ربط الكون مع بعضه، فالوجود هو أحجية (puzzle) كبيرة تضم قطعاً لا حصر لها، ومتى ما وجدنا طريقة لربط هذه الأجزاء نحصل على الصورة الكبيرة بشكل أوضح ونمضي قدماً في فهم الكون الذي نعيش فيه.

المصدر:
futurism.com

اقتراح ومراجعة: رائد ريموني
تدقيق: فراس كالو

الكون الهولوغرامي !

الكون الهولوغرامي !


كن مستعداً وركز معنا جيداً عزيزي القارئ .. فقد يكون كوننا الذي نعرفهُ ثنائي الأبعاد ..!!

بدايةً؛ ليس لدينا أدنى شك بأن الكون يظهرُ بشكلٍ ثلاثي الأبعاد، إلا أنه ثمة فرضية في الفيزياء الحديثة ظهرت في العقدين الماضيين، تقوم على ما يُدعى بالمبدأ التجسيمي (الهولوغرامي ).

وبناءً على هذا المبدأ فإن الوصف الرياضي للكون يتطلب بعداً واحداً أقل مما يبدو، وأن مانعتبره ثلاثي الأبعاد ما هو إلا مجرد صورة ثنائية الأبعاد للعمليات على الأفق الكوني الضخم، أو بالأحرى فإن كل مايحدث في كوننا هذا هو انعكاس للسطح الكوني المستوي الذي يحوي على جميع المعلومات التي نحتاجها للحصول على صورة ثلاثية الأبعاد.

ولتبسيط الفكرة أكثر يمكن تشبيه ذلك بالبطاقة الائتمانية التي تستخدمها في البنك أو المحال التجارية، فهي شريحةٌ مسطحةٌ صغيرةٌ، إلا أنها تحوي على بياناتك والتي تصِفُ كل شيء عنك.

وتعرف هذه الفكرة المذهلة باسم مبدأ التجسيم أو الهولوغرام والتي تنشأ عن فرضية (نظرية الأوتار الفائقة)، فنظرية الأوتار تقول أن الجاذبية في الكون عبارةٌ عن أوتارٍ دقيقةٍ مهتزةٍ فائقة الصغر تسمى الغرافيتونات، وهذه الأوتار تشكل الصور المجسمة للأحداث التي تحدث في الفراغ ثلاثي الأبعاد داخل كونٍ مسطحٍ، كما أنها تحوي على جميع المعلومات التي تجعل هذه الأحداث مجيمة بأبعاد ثلاثية.

وفيما يتعلق بهذا، فقد اقترح العالم جوان مالداسينا عام 1997 فكرةً أن هناك توافقاتٍ بين نظريات الجاذبية من جهةٍ ونظريات الكوانتم من جهةٍ أخرى في فضاءات دوسيتر المضادة المنحنية وذلك في المساحات ثنائية البعد، اختصاراً (Ads -CFT).

فعادةً؛ توصف الظواهر الثقالية بثلاث أبعادٍ مكانيةٍ كما أن سلوك الجسيمات الكوانتية يحسب ببعدين مكانيين فقط، والنتائج من الحسابين السابقين يمكن تمثيلها بالنسبة لبعضها بتوافقٍ عجيبٍ، وكأنك مثلاً تستخدم معادلاتٍ مأخوذة من كتب الفلك لإصلاح مشغل أقراصٍ مضغوطةٍ..!!

ولقد نُشِرت أكثر من عشرةِ آلاف ورقةٍ علميةٍ حول توافق (Ads -CFT) الذي بناه مالداسينا.

توافقاتٌ في مساحاتٍ مسطحةٍ

في الفيزياء النظرية هذا مهمٌ للغاية ولكن لايبدو أن هذا الكلام يمكن تطبيقه في الفضاء الكوني الخاص بنا، فنحن لا نعيش في فضاء دوسيتر المضاد.

هذه الفضاءات ذات خصائصَ غريبةٍ فهي سالبةُ الانحناء، وأي جسم سيتم قذفه على خط مستقيم سيعود في النهاية إلى نفس النقطة التي قذف منها، وبالمقابل فكوننا مسطحٌ تماماً وهو موجب الانحناء عند المسافات الفلكية، ومع ذلك فقد افترض غروميلر بصحة هذا المبدأ التوافقي لفترةٍ زمنيةٍ بحيث يمكن أن ينطبقَ على الكون الحقيقي.

ولاختبار هذه الفرضية يتوجب إعادة بناء نظريات الجاذبية التي لا تحتاج فضاءات دوسيتر، ويمكن وجودها في مساحاتٍ مسطحةٍ، وفي الآونة الأخيرة تمَّ اختبارُ مبدأ التجسيم رياضياً في منطقتنا الزمكانية، وحتى الآن تبدو الأرقام بأنها قد تصل إلى حقيقةٍ واقعيةٍ.

النظرية اختبرت التشابك الكمي القائل بأنه إذا اشتبك جسيمين كميين فذلك يعني بأن خصائصَ كل منهما ستعتمد على بعضهما البعض بطريقةٍ ما بوصفهما وحدةً متكاملةً أحدهما يعتمد على الآخر ولا يمكن وصف كل منهما بشكلٍ فرديٍّ، ولقياس شدة التشابك يستخدم معيارٌ يدعى (انتروبي التشابك)، والتي كانت قيمته واحدةً في جميع الأماكن عند اختبارها.

وبكل الأحوال، فإن القدرة على دراسة المعلومات الكمية وانتروبي التشابك داخل نظريات الجاذبية أمرٌ مذهلٌ بحدِّ ذاته، ويمكن استخدامه كأداة اختبار لصحة المبدأ الهولوغرامي.

وسواءً كانت الفكرة حقيقية أم لا؛ فإن هذه الفرضية بالتأكيد تلفت انتباهنا إلى أهمية البحث المتزايد في الكون والفضاء، ومن يدري قد تغير هذه الفرضية الغريبة نظرتنا إلى العالم المحيط بنا يوماً ما !

المصادر:

iflscience.com
sciencedaily.com

scientificamerican.com

تدقيق لغوي: محمد طحان

هل يؤدي تصادم بروتونين إلى تشكل ثقبٍ أسود ؟!

هل يؤدي تصادم بروتونين إلى تشكل ثقبٍ أسود ؟!


هل سيكون الخيال الفيزيائي سبباً لدمار الكون، أم سيكون مدخلاً لتفسير تكون الكون المعقد؟! هذا ما سنعرفه في هذه المقالة.

ينوي الباحثون في مركز البحوث الفيزيائية في المنظمة الأوروبية للعلوم النووية (سيرن CERN)، ينوون تشغيل المصادم الهيدروني الكبير بطاقة قصوى تبلغ 30 تيرا إلكتروفولت (30 TeV) بحلول عام 2030، ومن خلالها سيتم إجراء تجربة تصادم بروتونين بطاقة تفوق كل ماسبقها، فماذا قد يترتب على هذه التجربة؟

بدايةً إن الهدف المتعلق بهذه التجارب هو البحث عن تفسيرٍ حقيقي لنشأة الكون من خلال اكتشاف جسيماتٍ أولية لفهمٍ أعمق لبناءِ الكون والزمكان والتأثير الكمومي، وارتباط كل ما سبق ذكرهُ مع النظرية النسبية لأينشتاين.

حسب التوقعات الحسابية الفيزيائية ستُقدِم هذه الجسيمات من وجهة نظرنا كفيزيائيين تفسيراتٍ لبعض الظواهر الكونية التي ما زالت تشكل معضلة، وحقول بحث حتى اللحظة.

نظرياً تُعد هذه التجربة من أخطر التجارب التي ستنفذ على وجه الارض بسبب الطاقة الكبيرة التي سوف ينتجها المصادم، ولكن من وجهة نظرنا كباحثين في علوم الفلك والفضاء الفيزيائية، فالأمر مختلف قليلاً.

كباحثٍ فيزيائي وبالعودة إلى معلوماتي عن الفضاء الكوني الصغير وكتلة الثقب الأسود، وبالرجوع إلى نصف قطر شوارزشيلد، فإن الكون ينقسم إلى قسمين:

الفضاء الكوني الكبير المكون من الكواكب والنجوم والمجرات، والذي يُعبَّر عنه بالأعداد الصحيحة،
ولدينا أيضاً كمحاكاة ونمذجة فيزيائية عملية الفضاء الكوني الصغير المكون من البروتونات والنيوترونات والميزونات والكواركات، والذي يعبر عنه باستخدام الأعداد المركبة التخيلية (complex number) وكما تسبح الكواكب والمجرات والنجوم في الفضاء المعروف لدينا، والذي يعمل بنظام محدد وخاضعة لقوانين صارمة أيضاً فإن الجسيمات الأولية تسبح في فضاءٍ خاص بها، وهو الفضاء الكوني الصغير، وبنفس الآلية تخضع أيضاً لقوانين صارمة تحكمها.

وكما أن الفضاء الكوني الكبير يسمح بتكوين الثقوب السوداء عن طريق انفجارٍ هائل للنجوم، فإن الفضاء الكوني الصغير يسمح بذلك أيضاً والأمر هنا يتعلق بكمية فيزيائية حقيقية تسمى نصف قطر شوارزشيلد الذي يعتبر أقل نصف قطر يسمح للمادة بالبقاء في صورتها المستقرة قبل أن تنهار على نفسها وتتحول لثقب أسود.

ولكن هل يمكن أن تتحول الأرض إلى ثقبٍ أسود بسبب تجربة كهذه؟

نظرياً، نصف قطر شوارزشيلد للأرض يساوي 9 ملم، هذا يعني أنه إذا تم ضغط كوكب الأرض بطريقة معينة بحيث يكون نصف قطرها أقل من 9 ملم، فسوف تتحول الأرض لثقب أسود ذي كثافةٍ وكتلةٍ عالية وجاذبية لانهائية تجذب كل ما حولها؛ بغير ذلك لاتقلقوا لن تتحول الأرض إلى ثقبٍ أسود.

إذاً فالشرط المسبق لتكون الثقوب السوداء الموجودة في الكون هو أن تكون أقل من نصف قطر شوارزشيلد، وبالتالي تتحول هذه النجوم أو الأجرام إلى ثقبٍ أسود.

الآن نتجه إلى ما سميناه بالفضاء الكوني الصغير، فإن إجراء تجربة تصادم بروتونين بطاقة قصوى كفيلٌ بتدمير الفضاء الكوني الصغير المستخدم في التجربة إلى جُسيماتٍ أولية دقيقة مختلفة، وفي تجربة أجريت هذا العام في مصادم الهادرونات الكبير (LHC) تسبب تصادم بروتون-بروتون في تكون أزواج فوتون.

إن العالم الذري الدقيق يحتوي على طاقة قد تكون أكبر بكثير مما نتوقع، ولكنها تخرج لنا في صورٍ مُختلفة عن الصورة الأولية التي نألفها، أيضاً علينا ألا ننسى الطاقة الكبيرة التي من الصعب تصورها والمستخدمة في إجراء هذه التجارب.
بعض العلماء يقولون أن نتائج التصادم هي وابلٌ من جميع أنواع الجسيمات وغيرها التي كانت موجودة فقط بعد الانفجار الكبير.

والخطر الحقيقي في تنفيذ تجارب كهذه؛ هو تكون الثقوب السوداء بطريقةٍ ما؛ عند تدمير المادة الموجودة في الفضاء الكوني الصغير، أو العالم ما دون الذري، فبالإضافة إلى تكون جُسيماتٍ أولية دقيقة، قد تنهار تلك الجسيمات على نفسها وتنجذب وتنضغط؛ لتتعدى مادتها المضغوطة نصف قطر شوارزشيلد، وهنا حتماً سوف تتحول إلى ثقوب سوداء ستشكل خطراً على المادة الموجودة في الأرض والكون.

ثقوبٌ سوداء مثل هذه قد تبتلع المادة تدريجياً وعلى مراحل؛ حيث تبدأ المادة بالتفكك ثم الانهيار بالتدريج، وحسب نظريات الثقوب السوداء فإن هذا سيجعل كوكب الأرض بالكامل عُرضةً للانهيار على نفسه، بعد أن يقوم الثقب الأسود الصغير بابتلاع كل الطاقة الموجودة ثم انهيار المادة المحيطة، وتلاشيها.

مع كل هذا التعقيد العلمي الكبير سيبقى ما ستؤدي إليه تجربة كهذه لغزاً لا يمكن التنبؤ به، وهذا التصور إذا ما نجح سيكون بنكاً كاملاً غنياً بالجسيمات الأولية التي يمكن أن تفسر لنا ما هي المادة المضادة وتكوين الكون، ولكن هل سنملك وقتاً لنعرف هذا في حال تحولت التجربة إلى كارثة كما ذكرنا آنفاً؟!

المصادر:
journals.aps.org
profmattstrassler.com

تدقيق علمي وتعديل: فراس كالو

البعد الرابع ونظرية الأوتار !

البعد الرابع ونظرية الأوتار !


جميعنا يعلم وجود ثلاثة أبعاد مكانية رئيسية هي (س،ص،ع)؛ ولكن هل هناك بعدٌ رابع؟
لو تخيلنا أنك متجه بالصورة التالية (س،ص،ع،ك)؛ فَهل البُعد الرابع (ك) موجود فعلاً أم أن الكون مؤلف من ثلاثة أبعاد فقط؟

الجواب هو نعم يوجد بعدٌ رابعٌ في الكون، ولكنه ليس مكاني بل زمانيٌّ، فاذا قُلنا أن البُعد الرابع زماني، فإنه بإمكاننا تَخيُّل الوضع وكأنهُ سلسلة أحداثٍ أو مشاهد من فيلم، ذلك أن شكل الجسم في لحظة معينة قد يختلف عن اللحظة التي تليها، وأقصدُ بشكل الجسم حالته الفيزيائية من حيث ارتباط الموقع مع الزمن.

والسببُ لذلك بسيطٌ جداً، لأن البعد الرابع (الزمن) مستقلٌ ونسبيٌّ حسبَ تعريف أينشتاين للزمن؛ فإن الزمن قد يختلف باِختلاف المُراقِب ،فَمُمكِن أن يمضي على جسم من بداية حركته 5 ثوانٍ؛ بينما تمضي نفسها بالنسبة لجسمٍ آخر على أنها 3 ثوانٍ؛ والسبب أن الزمن نسبيٌّ لِمن يقيسهُ، وهذا البعد الذي تطرق له أينشتاين في نظريته النسبية.
السؤال الآن هل يمكن أن يكونَ البُعد الرابع مكانياً؟
لنأخذ مثالاً بسيطاً لو قلت أنني أملك قطعة مُستقيمة؛ وهي عبارةٌ عن عددٍ لا نهائي من النقاط المُرتبة في بُعدٍ واحدٍ، ولو قُلت أن الأجسام ثنائية الأبعاد كالمُثلث والمُربع فهي تتألف فعلاً من مجموعةٍ مِن قطعٍ مُستقيمةٍ وكل هذه الأجسام تعيشُ في عالمٍ ثُنائي الأبعاد، وترى بعضها البعض كخطوط مستقيمة؛ فهي تؤلف البعدين (س،ص) السيني والصادي فقط، وتَبَرمَّجَ عقلها على أن الكون مؤلفٌ مِن بُعدين فقط !

وتستطيع كل هذه الأجسام التحرُك بِحُريةٍ داخلهما فقط يساراً ويميناً، ولكن لا تستطيع أن تتخيلَ أبداً الاتجاهين الأعلى والأسفل؛ لذلك دائماً الأجسامُ ذات الأبعاد الأعلى تستطيع رؤية الأجسام في البعدِ الأقل منها بكلِ وضوحٍ وملاحظة الحركة ورصدَها بشكلٍ واضحٍ جداً، والعكس غيرُ ممكنٍ أبداً فإذا مرَّ جسمٌ ثلاثي الأبعاد من العالم الثنائي الابعاد فإن جميع الأجسام داخل العالم ثُنائي الأبعاد لن تستطيع أن تراهُ أو تتخيله على حقيقته، وسوفَ ترى مسقطَهُ وانعكاسَهُ لديها فقط؛ فتلاحظهُ وكأنهُ خطٌ مستقيم !
هل وصلتكم الفكرة :) ؟

من هنا لا أستطيع أن أقول إلا أن فكرةَ وجودِ بُعدٍ رابع مكانيّ هي فكرة غير مقبولة منطقياً وفيزيائياً، وإذا كان الجسمُ رباعي الأبعاد موجوداً، فإننا لن نستطيع أن نرى منه في عالمنا هذا سوى انعكاسه فقط!

الحديثُ عن مفهومِ البُعدِ الرابع الزمانيّ مكانيّاً ما هو إلا فلسفة منطقية لا يوجد لها استناد علمي أو مُعادلاتٍ رياضية جبرية تؤيد مفهوم البُعد الرابع مكاناً، ولكن نظرية الأوتار (فرضية) أو ما يعرف باسم (string theory) التي تفترض أن المادة مكونةٌ من أوتارٍ صغيرةٍ من الطاقة، والتي تعتبر أيضاً أن القوتين الكهرومغناطيسية، والجاذبية قوة واحدة؛ قائمة افتراضاً على وجود إحدى عشرَ بُعداً: الأبعاد الثلاثة التي تحدثُت عنها سابقاً (س،ص،ع) والزمن (ز)، وسبعة أبعادٍ أخرى.

إلا أن هذه النظرية (الفرضية) ما زالت قيدَ التطوير، وغير مُثبتة، وهي مبنية أيضاً على فرضٍ آخر؛ وهو أن عالمنا المُكوَّن مِن ثلاثةِ أبعاد مُتجاورٌ مع عوالِم أخرى، وهذا ما يُكّوِن البُعد الرابع، كما أن عالمنا ثلاثي الأبعاد يتكونُ مِن عوالم لانهائية ثنائيه الأبعاد.
وقد أثبتت التجارب العلمية الخاصة المُتعلِقة بِمُعادلةِ انتشار الموجات أنه لابُدَّ وأن يكونَ الزمنُ هو البعد الرابع المرافق للأبعاد الثلاثة الرئيسية.

إذاً الزمان والمكان هما الأصل لتركيبٍ فضائيٍّ واحدٍ رُباعي الأبعاد يسمى وصف مينكوسكي أو الزمكان، حيث أن كُل مُتغيرٍ داخل الزمكان يشتق بدلالة الأبعاد الأربعة وليس فقط بدلالة الزمن كما هو معروف كلاسيكياً.
إذاً في الزمكان الطاقة الحركية وزخمُ الحركة لهما أصلٌ واحدٌ وهو مقدار رباعي الأبعاد؛ البُعد الزماني له يمثل الطاقة الحركية، والبُعد المكاني له يمثل زخم الحركة وهكذا..

فهو مفهوم ينطبقٌ على كثيرٍ مِن المقادير الفيزيائية كما أن لِكُلِ مقدارٍ فيزيائيٍّ في هذا الزمكان مُرافقٌ؛ بمعنى أن كُل قيمة ومقدار فيزيائي فيه هو ناتجٌ مِن مركبتين من الزمان والمكان؛ فعلى سبيل المثال: السرعة مُرافِقة للطاقة، والكتلة مُرافِقة للزخم، والضغط مرافق للحجم؛ وأي اشتقاقٍ بين أي مقدارٍ فيزيائيٍّ ومُرافقه بالنسبة لأحد المركبتين داخل الزمكان سيعطي حتماً قيمه فيزيائيه حقيقية مُعلِناً عن أن البُعد الرابع زمانياً مُرتبِط ارتباطاً وثيقاً بالمِكان والنسبة بينهما دائماً منطقيةٌ لتكوين علاقةٍ لوجستية بين الزمن والسرعة!

المصادر:
pbs.org
universetoday.com

مراجعة وتعديل: فراس كالو

فيزيائيون: لا؛ الكون لا يتوسع بوتيرة متسارعة !

فيزيائيون: لا؛ الكون لا يتوسع بوتيرة متسارعة !


بالعودة إلى عام 2011، وتحديداً عندما نال ثلاثة فلكيين جائزة نوبل في الفيزياء لاكتشافهم أن الكون لا يتوسع فقط؛ بل يتوسع بوتيرة متسارعة؛ وقاد هذا الاكتشاف إلى القبول العالمي لفكرة أن كوننا محكومٌ بواسطة قوة غريبة تُدعى الطاقة المظلمة؛ وقاد أيضاً إلى تغيير النموذج المعياري لعلم الكونيات إلى الأبد؛ ولكن الآن يقول فيزيائيون أن الاكتشاف قد يكون خاطئاً !

في عام 2011 كانت جائزة نوبل للفيزياء مشتركة بين علماء كونيات ثلاثة؛ وهم باول بيرلماتر من جامعة كاليفورنيا بيركلي، و آدام رايس من جامعة جونز هوبكنز، و براين شميت من جامعة أستراليا الوطنية.

وخلال تسعينيات القرن الماضي؛ كان هؤلاء العلماء الثلاثة جِزءاً مِن مجموعاتٍ مُتنافِسة؛ وكانوا يقيسون المُستعِرات العُظمى (Supernovae) السحيقة من النوع (1a)، والتي هي النهاية العنيفة لنوع من النجوم يدعى القزم الأبيض الذي يتكون من واحدة من أكثر المواد كثافة في الكون المرصود ويتفوق عليه النجوم النيوترونية والثقوب السوداء فقط.

في حين أن قزماً أبيضاً تقليدياً يكون أكبر قليلاً من حجم الأرض إلا إن لديه نفس كتلة الشمس تقريباً؛ لتكونوا في الصورة؛ تتسع الشمس لحوالي 1300000 أرضاً !

الآن تخيلوا نجماً كثيفاً ميتاً ينهار بتأثيرِ جاذبيته الخاصة؛ ستكون درجة سطوعه حوالي 5 مليارات مرة أكثر من الشمس؛ ولأن المُستعِرات العُظمى من النوع (1a) كُلها تنفجِر بذاتِ السطوع تقريباً؛ يمكننا أن نستخدم كمية الضوء الذي تبعثُهُ كي نستدل على بعدها عن الأرض؛ كما يمكن أن نستخدم الانزياحات الطفيفة في اللون (تأثير دوبلر) أيضاً كي ندرك سرعتها.

وعندما قام العلماء المذكورين سابقاً بتحليل البيانات التابعة للمستعرات العظمى (1a) المُسجلَّة بواسطة تلسكوب هابل الفضائي، وعددٍ مِن التلسكوبات الأرضية الكبيرة، وجدوا شيئاً غريباً جداً.

بمقارنة سطوع المُستعرات العظمى سحيقة البُعد، اكتشف العلماء أن المستعرات البعيدة خافتة 25 بالمئة، كانوا بعيدين جداً؛ والكونُ كان يتسارع، واعتمد الاكتشاف على معلومات جُِمعَت متفرقة عن أشياء كالعناقيد المجرية أو اشعاع الخلفية المايكروي- الشفق الخافت للانفجار العظيم.

وفي وقتٍ سابقٍ من هذا العام، وجد علماء Nasa و ESA؛ أن الكون يمكن أن يكون يتوسع بِنحوِ 8% أسرع مما كان يظن سابقاً.
على كل حال؛ الاكتشاف كان قوياً (لأخذه جائزة نوبل 2011) ولكنه طرح سؤالاً صعباً جداً: إذا كانت جاذبية المادة المنتشرة في الكون بواسطة الانفجار العظيم تُبطِئ كُلَ شيءٍ، فكيف يمكن أن تتسارع؟!

يقول براندان كول:
"هناك شيء يسود الكون والذي يُمدِد الكون أسرع من استطاعة الجاذبية على جذب الأشياء مع بعضها، التأثير صغير يمكن ملاحظته فقط عندما ننظر إلى المجرات البعيدة ولكنه موجود، أصبح معروفاً بالطاقة المُظلِمة – "مظلم" لأن لا أحد يعرفه"
منذ أن اقترح العلماء الطاقة المظلمة، لم يقترب أحد من معرفة ما يمكن أن تكون.
ولكن الآن فريقٌ دوليٌّ من الفيزيائيين تناقشوا حول تسارع تمدد الكون، وحصلوا على قاعدة بيانات أكبر عن المستعرات العظمى من النوع (1a) كي يعتمدوا عليها.

وعبر تطبيقِ نموذجٍ تحليليٍّ مُختلف على المستعر الأعظم (740) والذي تم رصده بعيداً؛ استطاع الفريق تحديدِ الاختلافات الطفيفة بين المستعرات؛ كما لم يستطيعوا من قبل!

يقولون أن التقنية الإحصائية المستخدمة بواسطة الفريق السابق بسيطة جداً، ومعتمدة على تقنية ابتكرت في ثلاثينيات القرن الماضي، والتي لا يمكن تطبيقها اليوم مع نمو قاعدة بيانات المستعرات العظمى.

وذكروا أيضاً أن إشعاع الخلفية المايكروي ليس مُتِأثراً مُباشرة بالمادة المظلمة؛ فإنه يقدم دليلاً غير مباشرٍ.

يقول قائد الفريق البحثي سوبير ساركار؛ من جامعة أوكسفورد:
"حللنا الفهرس النهائي للمستعر الأعظم (1a 720) أكبر 10 مرات من العينات الأصلية، والتي يزعم الاكتشاف السابق أنه اعتمد عليها؛ ووجدنا أن الدليل للتمدد المتسارع بالأكثر هو ما يدعوه الفيزيائيين 3 سيغما (3Σ أي ثلاث عمليات جمع رياضية فقط)"
ويضيف:
"هذا بعيدٌ جداً عن المقياس (5 سيغما) المطلوب لادعاءِ اكتشافٍ ذي أهمية أصولية"
وعوِضاً عن إيجاد دليلٍ ليدعم التمدد المتسارع، فإن ساركار وفريقه يقولون أن الكون يتسارع بوتيرة ثابتة؛ إن كان هذا صحيحاً فلن نحتاج إلى الطاقة المظلمة لتفسره !
ويقول:
" بحسابٍ نظريٍّ أكثر تطوراً لِما رُصِد، فإن الكون ليس متجانساً تماماً، وإن مادته قد لا تتصرف كغازٍ مثاليٍّ ويمكن أن يحسب دون الحاجة للطاقة المظلمة"

الآن لنكن صريحين؛ هذه فقط دراسة واحدة، تُفند الفرضية القديمة، لكن تكرار الدلائل واستبدالها هو كل شيء في العلم، لأن العلم متغير، وإن كان لدينا قاعدة بيانات أكبر لنتعامل معها مما فعلنا طيلة خمس سنوات سابقة يجب أن نستخدمها لدعم أو تصحيح الاكتشافات السابقة.

والسؤال الآن هو إذا ما كان فريق ساركار طبَّقَ نموذجه الإحصائي للمعلوماتِ بأفضلِ طريقة تُمثِل العِلم؛ وعلى الأرجح ما قاموا به سيحفز مجموعةً كبيرةً من العلماء لمعرفة ما هي الحقيقة حول الكون: المتمدد المتسارع أم المتمدد الثابت!

يقول ساركار:
"بطبيعة الحال، فإن كثيراً من العمل مطلوبٌ لِيقنعَ المُجتمع الفيزيائي بهذا، ولكن عملنا يعمل على إظهار أن ركيزةً أساسيةً لنموذج الكون القياسي مهزوزٌ نوعاً ما، نأمل أن هذا سيؤدي إلى تحليلٍ أفضل للبياناتِ الكونية، وسَيُلِهِم النظريين كي يضعوا نماذجَ كونيةً أكثر دقة".

تم نشر البحث في مجلة (Scientific Reports) العلمية، وبدورنا ننوه أنها دراسة واحدة فقط، و الموضوع الآن محل خِلافٍ وجدل بين العلماء.

المصدر:
sciencealert.com

سرعة الضوء ومفهوم الزمن

سرعة الضوء ومفهوم الزمن


سرعة الضوء كبيرةٌ جداً، ورغم عدم قدرة أي شيء في الكون الوصول لها؛ إلا أنها تبقى محدودة ! هل يعقل ذلك ؟

يستطيع الضوء قطع مسافة (299792 كم/ثا) أي 300 ألف كيلو متر في الثانية الواحدة تقريباً؛ فتخيلوا معي حجم الزمن الضئيل جداً مقارنةً بتلك المسافة الضخمة؛ ولكن الآن السؤال: ما الذي نستطيع نحن فعله في ثانية واحدة ؟

إذا كان الضوء يقطع خلال ثانية كل تلك المسافة؛ فإن القطاريقطع خلالها مسافة لا تزيد عن 3 سم، ويقطع الصوت مسافة لا تزيد عن 33 سم، وتقطع الطائرة مسافة تُقدر بنصف متر فقط، وتقطع الأرض حول الشمس أثناء دورانها خلال ثانية واحدة مسافه 30 متر فقط؛ فتخيل معي حجم تلك الأحداث مقارنةً بسرعة الضوء ؟

في الحقيقة لاشيء، وهذا يعتبر السبب الأساسي لجعل سرعة الضوء في نظرنا مطلقة؛ فرغم أننا نستخدم في أمثالنا عبارة (طرفة عين) للتعبير عن فترة زمنية قصيرة جداً جداً؛ إلا أن طرفة العين الواحدة هي فترة زمنية كبيرة جداً قياساً بسرعة الضوء !

وبما أن الضوء هو المسبب الرئيسي للرؤية؛ حيث يسقط على الأجسام ويعكس الأطوال الموجية للعين التي ترسلها إلى الدماغ فتحدث الرؤية، فالآن دعنا نتخيل متى نستطيع رصد وملاحظة كل الأحداث التي ذكرتها إذا كانت عملية الرؤية تستغرق الوقت اللازم لوصول شعاع ضوئي من مصدر الحدث إلى العين ثم منها إلى الدماغ ؟
في الواقع هذا يعني أننا نقرأ ونرى من الماضي دون أن نشعر؛ فجميعنا انتظرَ الضوء حتى يصل من مصدره ويسقط على الكلام أو الأجسام، ثم ينعكس للعين، وحدوث الرؤية؛ صحيح أن هذه العملية أخذت وقتاً قصيراً جداً جداً؛ إلا أنه عملياً يعتبر نظرة إلى الماضي، تأثير هذه العملية لا يظهر في الزمن المستهلك على الأرض أو العمليات الحيوية للإنسان على سطح الارض بسبب الفرق بين السرعة النسبية للأجسام على الأرض وسرعة الضوء.

ولكن التأثير أكثر ما يكون ظاهراً في المسافات الكبيرة؛ خذ على سبيل المثال الشمس؛ والتي تبعد عن الأرض مسافة حوالي 150 مليون كيلو متر؛ فإن الضوء يقطع هذه المسافة خلال 8 دقائق تقريباً !

معنى هذا الكلام أننا نرصد ونرى تأثير تفاعلات الإندماج النووي داخل قلب الشمس بعد 8 دقائق من حدوثها، وهو الزمن اللازم لوصول الشعاع الضوئي منها إلى أعيننا، وبالتالي فعلياً نحن نرى الشمس في الماضي، وعلى هذا فإن جميع أحداثنا من الماضي دون أن نشعر !

في حياتنا اليومية العادية تعتبر سرعة الضوء مطلقة وغير محدودة للفرق الكبير بينها وبين السرعات النسبية للأجسام على الارض؛ ولكن في المسافات الكبيرة لا بد من الأخذ بعين الاعتبار أن الضوء يمتلك سرعة محدودة؛ فمثلاً إرسالُ رسالةٍ لاسلكية إلى مجرة أندروميدا ستستغرق زمناً وقدرهُ 2.5 مليون سنة؛ على فرض أن الرسالة أُرسِلت على شكلِ موجاتٍ كهرومغناطيسية تسيرُ بسرعة الضوء !

إذاً الزمن والضوء تحديداً عبارةٌ عن فكرةٍ نسبية مرتبطة مع بعضها ارتباطاً كبيراً، ووثيق جداً كل واحدٍ منهما يُعبِر عن الآخر بطريقة فيزيائية فريدة؛ نستطيعُ من خلالها تفسير الأحداث وتحليلها، ولو كانت السرعة النسبية للضوء مطلقة لاستطعنا مراقبة أي حدث لحظة حدوثه !

المصادر:
1- space.com
2- universetoday.com

الكون !

الكون, الكون المرصود, الكون المشاهد

الكون !


الكون

الكون (universe): كل ما هو موجود، وما وُجِد، وما سيوجد، فالكون في توسعٍ دائم، هذا مايقوله علماء الفلك.

ونشير إلى ما أدركنا من الكون؛ بالكون المرصود أو المُشاهد، أي ما استطعنا رؤيته ورصده من الأرض من مجرات ونجوم وكواكب ومادةٍ حولنا، وما يصل إلينا من إشاراتٍ وأضواءٍ من الفضاء.

إن حجم الكون، وعمره خارج إدراك الإنسان العادي؛ فرغم تقديرات العلماء بأن عمره 13.8 مليار سنة؛ إلا أن حجمه وعمره يبقيان لغزاً خارج حدودنا من الصعب تأكيده!

في البدء ظهر علم الفلك عند بعض الحضارات فكان بدائياً واختلط مع التنجيم والشعوذة، وتطور شيئاً فشيئاً، ثم كانت الفيزياء التي انشقت عن الفلسفة، وبدأت تصف سلوك المادة، والطاقة، والمكان، والزمان، وكيفية تفاعلها مع بعضها البعض، ثم تطورت وتداخلت مع علم الفلك.

وفي الفترة الأخيرة الممتدة عدة آلاف من السنين بدأنا باكتشاف الكون واستطعنا أن نصل إلى إكتشافات مذهلة وغير متوقعة عن الكون ومكاننا فيه، حتى وصلنا اليوم إلى أقصى ما وصلته البشرية من فهمٍ للأرض، الفضاء، والكون..

فاقتربنا في علومنا من أقصى الحدود؛ فمن تقدير اللحظات الأولى من خلق الكون، إلى أكثر نطاقات المادة تطرفاً كالاقتراب من أحد الثقوب السوداء، وفي أكثر نطاقات الطاقة تطرفاً حيث الإندماج النووي الحراري داخل النجوم، وفي كل نطاق متطرف يمكن تخيله نجد الظروف شديدة الحرارة والكثافة التي هيمنت على اللحظات الأولى من عمر الكون!

أصل البنية الكونية

عند دراسة تاريخ المادة في الكون سريعاً ما نقابل ظاهرة وحيدة تحتاج للتفسير، ففي كل أرجاء الكون نُظِمَت المادة في تجانسٍ واضحٍ على صورةِ بُنى.

فقد تكتلت المادة بعضها مع بعض، في أحجام مختلفة بعد أن انتشرت عبر الكون كله في تجانس عقب الانفجار العظيم، كي ينتج عنها عناقيد مجرية كبيرة وأخرى فائقة إضافة إلى المجرات الموجودة داخل هذه العناقيد والنجوم المتجمعة بالمليارات داخل كل مجرة إلى جانب أجسام أخرى أصغر بكثير كالكواكب، والأقمار التابعة لها، والكويكبات، والمذنبات التي تدور حول أغلب هذه النجوم إن لم يكن كلها، وفي مكان ما بين إتساع الفضاء، واستمرار الزمن، يسبح كوكبنا المعروف بالأرض.

لكن هذه البني الضخمة في الكون قد يكون سببها التفاوتات الكمية متناهية الصغر التي وُجدِت داخل الكون البدائي.

وبإمكاننا تمييز رؤيتين للكون؛ رؤية نيوتن، وحديثة حسب أينشتاين.

الكون عند نيوتن

استنتج نيوتن من خلال مفهومه الكلاسيكي عن الفضاء أن الكون مكون من مجرات عديدة تسبح في الأثير الذي يملؤه، أما ما وراء ذلك فهو خالٍ من أي شيء؛ أي ان الكون عند نيوتن متناهٍ ومحدود.

الكون عند أينشتاين

وجد آينشتاين أن كون نيوتن بعيد الإحتمال إن لم يكن مستحيلاً، فإذا كان الفضاء لا نهائياً كان معنى ذلك أن معدل كثافة المادة في الكون تساوي صفراً.
وقد بدت هذه النتيجة غريبة، بل مستحيلة للعالم أينشتاين ولهذا نجده يقدم نموذجاً خاصاً مبنياً على مفاهيم النسبية.

وبدأت محاولات التوصل إلى نظرية كونية واحدة؛ توحد معارفنا في الجسيمات الصغيرة دون الذرية والأجرام الفلكية مهولة الحجم؛ وبدأت المساعي مع أينشتاين، واستمرت مع العلماء دون نجاح يذكر إلى وقتنا هذا.
فمن أكثر ما يثير ضيق علماء الكونيات المعاصرين افتقارهم إلى نظرية تمزج بنجاح بين ميكانيكا الكم والنسبية العامة.

وفي الوقت ذاته فإن فرعي الفيزياء اللذين يتعذر المزج بينهما (علم أصغر الجسيمات وعلم أكبر الأجرام) يتعايشان معاً بنجاح مدهش داخل الكون.
فالمجرة التي تحوي المائة مليار نجم، لا تلقي أي بال لفيزياء الذرات والجزيئات التي تتألف منها المجموعات النجمية والسحب الغازية والأمر نفسه ينطبق علي التكتلات الأكبر من المادة متل العناقيد المجرية، والعناقيد المجرية الفائقة، التي تحوي مئات وأحياناً آلاف المجرات.

أساسيات دراسة الكون

هناك بعض الأمور الأساسية التي يتم من خلالها فهم ودراسة الكون مثل المكان، والزمان، والمادة، والحركة، والكتلة، والطاقة، والضوء (الفوتون _ سرعة الضوء)، الموجة الكهرومغناطيسية، والذرة ومادونها.

أخيراً تغيرت نظرتنا للأرض والكون معاً؛ فبعد أن كانت حدود إدراكنا هي الأرض التي نقف عليها؛ توسعت مدراكنا وعرفنا أن كوكبنا جزء من مجموعةٍ شمسية تضم كواكب عدة، وعرفنا أن مجموعتنا تقع في ذراع أوريون (الجبار) من مجرة درب التبانة؛ التي بدورها تقع في المجموعة المحلية التي هي جزءٌ من العنقود المجري الفائق لانياكايا (Laniakea) من الكون!

المصادر:
1- كتاب البدايات. تأليف نيل ديجراس تايسون ودونالد جولدسميث. ترجمة محمد فتحي خضر.
2- كتاب الكون. تأليف د.كارل ساغان. ترجمة نافع أيوب لبس.
3- النظرية النسبية الخاصة. تأليف د. حازم فلاح سكيك.
مصدر الصورة:
ar.wikipedia.org

تدقيق لغوي: محمد مرتجى

مراجعة وتعديل: فراس كالو

ماهي المادة المظلمة والمادة المضادة؛ وما الفرق بينهما ؟

ماهي المادة المظلمة والمادة المضادة؛ وما الفرق بينهما ؟


جميعنا يعلم أن المادة العادية التي نراها كل يوم؛ هي التي تمثل كل شيء يمتلك كتلة في الكون، ويشغل حيزاً من الفراغ، وتتكون من الذرات المُكّونة من البروتونات الموجبة الشحنة والالكترونات سالبة الشحنة ونيوترونات متعادلة.

ولكن الآن سنتعرف على أكثر لغزين من ألغاز الفيزياء وعلم الفلك حيَّرَا العلماء في التفسير؛ وهما المادة المظلمة والمادة المضادة !

ما هي المادة المظلمة ؟

المادة المظلمة أو المعتمة أو السوداء (Dark Matter)؛ لا تشبه أي شيء نعرفه على وجه الأرض إطلاقاً، والبلايين من هذه الجسيمات الغريبة تخترق أي شيء يعترض طريقها في كل ثانية، وهي تعتبر كتلة ثقيلة جداً ذات قوة جذب كبيرة لديها القدرة في التأثير على المجرات وكيفيه تكوينها وسرعة دورانها أيضاً !

عملياً فإن المادة المظلمة موجودة في كل مكان في هذا الكون، ولكن لم يثبت العلم بشكل مباشر وجود هذه الجسيمات، ولا توجد إجابات حاسمة حتى الآن عن طبيعتها نظراً لصعوبة رصدِ شيءٍ لا يمكننا رؤيته أبداً !

كانت الأدلة على وجود المادة المظلمة محدودة فالاختلاف بين سرعة دوران المجرات مقارنةً مع الكتلة المرئية الموجودة لديها شكَّل أحد أهم هذه الأدلة؛ حيث كانت سُرعة المجرات عند القياس أكبر مقارنةً بكميةِ المادة المرئية التي تم رصدها؛ حيث مِن المُفترض رياضياً أن تكون الكتلة أكبر 160 مرة من الكمية المرصودة لتفسير هذه السرعة الكبيرة !

وبالرجوع إلى النموذج القياسي نجد أن نسبة ما تُشكِلهُ المادة العادية مِن مُجملِ كُتلةِ الكون هي 4.9%، والمادة المظلمة تشكل ما نسبته 26.8%، والباقي كان موجود على شكل طاقةٍ ونسبتها 68.3% من الطاقة الكلية في الكون؛ وتسمى الطاقة المظلمة (Dark Energy) !

إذاً نسبة المادة المظلمة في الكون هي 84.5% من مجمل المادة (العادية+المظلمة) في الكون، بينما المادة المظلمة والطاقة المظلمة تشكلان ما نسبته 95.1% من المحتوى الكلي للكون، ما يثبت فعلياً الدور الذي تلعبه هذه المادة الخفية في الكون وتكوين المجرات وسرعة دورانها أيضاً.

تُشكِل المادة العادية حوالي 4.9% من الكون، والمادة المظلمة حوالي 26.8% ؛ والباقي عبارة عن طاقة مظلمة بنسبة 68.3% !

كيف استنتجنا وجود المادة المظلمة ؟

مع كل هذه النسب والنتائج التي تؤكد وجود المادة المظلمة؛ فقد كانت مشكلة التباين في كتلة الأجسام والمحددة من آثار الجاذبية من خلال حساب سرعة دوران المجرات والكواكب حول بعضها البعض دليلاً دامغاً على وجود هذه المادة أي المادة المظلمة، واستناداً إلى النظرية النسبية لأينشتاين والجاذبية لنيوتن؛ فإنه كُلما ازدادت كُتلة الجسم ازدادت جاذبيته والعكس صحيح؛ فكُلما ابتعدنا عن المركز كُلما أبطأ الجسم من سرعة دورانِه بسبب ضعف قوة الجذب؛ فجميع المجرات يجذبُ بعضها بعضاً.

ولكن كانت المُلاحظة المدهشة أنه كُلما ابتعدنا عن مركز المجرة أكثر فأكثر كانت سرعة الدوران ثابتة وهذا يتناقض مع أينشتاين ونيوتن!

كل هذا التناقض العملي كان تفسيره يحتاج إلى افتراض نموذج مادة محيطة بالمجرة، وتحافظ على تماسكها، وبقاء النجم أو المجرة في مدارها، فكل هذا يحتاج إلى وجود مادة تؤثر بقوة جذب حتى يبقى النجم يدور في مكانه بسرعة دوران ثابتة، كانت هذه المادة هي المادة المظلمة.

وعُرِفت المادة المظلمة بأن من أكثر خصائصها شيوعاً أنها لا تتفاعل مع الضوء ولا تمتصه ولا تُشِعُه ولهذا سميت مظلمة؛ الأمر الذي كان عائقاً لاكتشافِ وتحديدِ ما هو المكون الرئيسي لهذه المادة؛ فقرر العلماء معرفة تفاصيل أكثر عن توزيع المادة في الكون، وتحديد ذلك من خلال رسم خرائط لها؛ باستخدام تقنيه تأثير عدسة الجاذبية؛ وبإطلاق شعاع ضوئي ضخمٍ في الفضاء، ومراقبة مساره لوحِظ عدم تفاعل المادة المظلمة مع الضوء ولكن لوحِظ انكسارُ الشعاعِ الضوئي عند مروره في مناطق وجود المادة المظلمة، والذي دلَّ على أن المادة المظلمة تتركز في مركز المجرة وتحيط بها.

وما هي المادة المضادة ؟

اللغز الآخر الذي ما زال يحير العلماء هي المادة المُضادة أو ما يسمى (Antimatter)؛ هذه المادة التي يحيط بتفسيرها هالة من الغموض؛ تلك التي من المفترض أن تكون نسخة مُطابِقةَ مِن المادة العادية المألوفة لدينا، ويتكون منها الكون؛ لكن بشرط أن يكون يمينها يساراً وشمالها جنوباً؛ ويسير فيها الزمن على نحو معكوس!

المادة التي قام العلماء بتحديد ماهِيَّتِها حيث تتكون من جُسيمات مضادة بنفس الطريقة التي تتكون منها المادة العادية من الجزيئات فمضاد الالكترون هو البوزترون، ومضاد البروتون هو البروتون صاحب الشحنة السالبة، واكتشفت هذه المادة المضادة خلال عمليات الاضمحلال النووي وتم رصد البوزترون حينها من خلال اضمحلال الأنوية، وإطلاق جسيمات بيتا، هذه المادة التي تعد من أخطر المواد على الكون؛ حيث أن من أشهر خصائصها هي قدرتها على تدمير المادة العادية في غمضة عين إذا قابلَتْها واتحدَت معها؛ حيث تتحول المادة التي تتكون منها أجسادنا إلى طاقة صافية حسب معادلة أينشتاين الشهيرة (E=MC^2)، ويُعتبر لُغزُ اختفائِها وعدم ظهورها في الكون مصدر قلقٍ للعلماء!

حيث لم يُوجد ارتباطٌ وثيقٌ إلى الآن بين المادة المظلمة والمادة المضادة؛ فهل تكون المادة المظلمة مقبرة المادة المضادة؛ وما هي المادة المظلمة من حيث التكوين؟

تبقى هذه تساؤلات إذا ما تم الإجابة عنها فسوف تفتح آفاقاً جديدةً في علم الفلك وتعطي ضوءً أخضراً لتفسير الكون بطريقةٍ فريدةٍ وأكثر دقة...

المصادر
1- Integral discovers the galaxy's antimatter cloud is lopised - وكالة الفضاء الاوروبية.
2- what's the matter with dark matter - وكالة الفضاء الأمريكية ناسا.
3- www.iflscience.com
4- pdg.lbl.gov

أسرع من سرعة الضوء؛ المحرك الزمكاني ؟!

أسرع من سرعة الضوء؛ المحرك الزمكاني ؟!


قد يبدو العنوان للوهلة الأولى أنه نوع من الخيال العلمي المحض ولكن ببساطة...لا !
في هذا المقال سنناقش فكرة غريبة على الواقع الفيزيائي المعاصر ولا أستغرب إن قال أحدهم: حقاً؟ أهنالك ما قد يكون أسرع من الضوء نفسه؟ أَوَلَيست سرعة الضوء هو الثابت الفيزيائي العالمي حسب النظرية النسبية الخاصة لألبرت أينشتاين ؟؟

سرعة الضوء ثابتة، ولكن !

في الحقيقة نعم هي الثابت العام وسقف المعادلات الفيزيائية الرياضية، إذ تُصرِح النظرية النسبية الخاصة أن سرعة الضوء هي أقصى سرعة تستطيع أن تسافر بها كل أشكال الطاقة و المعلومات والمادة في الفضاء، ويرمز لسرعة الضوء بالرمز العالمي C وقيمتها الدقيقة هي (299,792,458 م/ثا) وهو ما يعادل بعد التقريب (300,000 كم/ثا)، كما وتعتبر سرعة الضوء سرعة مطلقة بمعنى أنها لا تتغير بتغير سرعة من أطلقها أو إتجاهه فإذا كنت تسير بسيارة سرعتها 120 كم/سا، وأطلقت الضوء الأمامي للسيارة فهذا لا يعني منح الضوء سرعة إضافية وهي سرعة تحرك السيارة، وهذا الإستنتاج النظري يُعد من أعظم ما توصل له أينشتاين فسرعة الضوء ثابتة بغض النظر عن سرعة المصدر.

والأجسام المادية في الفضاء - العادي - وحسب النسبية الخاصة؛ لا يمكنها أن تتجاوز سرعة الضوء والسبب أن زيادة سرعة الجسم المادي يسبب زيادة الكتلة تدريجياً و ببلوغ الجسم (فرضاً) سرعة الضوء تصبح كتلته لانهائية فضلاً عن الحاجة لتطبيق كمية لانهائية من الطاقة لتحقيق هذه السرعة للجسيم.

يبدو أن النسبية الخاصة أغلقت أبوابها في وجه الفيزيائيين التجريبيين، ولكن ليس النظريين المشككيين والمشاكسين!

فهذا الأمر لا يمنع الفيزيائيين من إجراء مناورة علمية حول النسبية الخاصة، وما يثير الدهشة وكما سنرى؛ أن هذه المناورة الكبرى - إن صح الوصف - هي مستلهمة من فكرة طرحها أينشتاين نفسه، كيف ذلك؟


استكشاف الفضاء السحيق قد يكون قريباً !

حلمت البشرية والحضارات العلمية القديمة منها و الحديثة كذلك؛ ببلوغ النجوم والكواكب و المجرات القريبة من نظامنا الشمسي بحثا عن حياة أخرى و أملاً بوجود كوكب مُلائِم لإستضافة الحياة البشرية يوماً ما إلا أن هذه الأحلام ظلت مستحيلة، وفي عصر سباق الفضاء والمركبات الفضائية، وفضول البشر، وبحثهم عن الحقائق والمعرفة خارج حدود كوكبنا الأم، تمكنوا من بلوغ القمر في خطوة تعد الأعظم إلى يومنا هذا للحضارة الحديثة.

ولكن ماذا عن تلك الأجرام السابحة في عمق الفضاء التي تبعد ملايين ومئات الألوف من السنين الضوئية عنا، فأقرب نجم إلينا (نجم ألفا قنطور) يبعد 4 سنوات ضوئية ما يعادل 75 ألف سنة، وأقرب المجرات لنا تبعد 4.3 سنوات ضوئية وتدعى بمجرة المرأة المسلسلة، فبالنظر إلى هذه الأرقام والمسافات الفاصلة الأقرب للخيال؛ لا نستطيع بلوغ أقرب النجوم إلينا؛ ناهيك عن بقية النجوم والكواكب وغيرها.

و قد يكون السبب الأول هو عمر الإنسان القصير والمقدر بمتوسط 75 سنة أرضية؛ فما بالك ب 75 ألف سنة ما يعادل العمر اللازم لبلوغ النجم الأقرب.
والأسباب الأخرى تتمثل بالتقنية والإمكانيات المحدودة بين يدينا؛ نهيك عن الطبيعة البيولوجية والأشعة الكونية وغيرها الكثير من الأسباب.

والحل قد يكون في المحرك الزمكاني (Warp Drive) !

فعباقرة العقل البشري ومهندسو وكالة الفضاء الأمريكية  ناسا وضعوا أينشتاين في مواجهة نفسه؛ أي النسبية العامة في مواجهة النسبية الخاصة، فقد طرح أينشتاين في النسبية العامة مفهوم نسيج الزمكان الموحد للكون، وفسر من خلال هذا النسيج الكوني قوى الجاذبية بأنها تقوس في الزمكان؛ كما فسر انحراف الأشعة والضوء القادم إلينا بأنها تنحرف لذات السبب وهو التقوس الذي تُحِدثُه الأجرام الكونية في نسيج الزمكان، وجميع هذه النظريات تم برهانها.

وما زاد هذه الفكرة جُرأةً هو ما تم إثباته العام المنصرم وأعلن عنه معهد الليغو في اكتشاف الأمواج الثقالية المتماوجة عبر نسيج الزمكان، وهنا لنتوقف للحظة؛ زمكان متموج يعني زمكان متحرك وبالتالي زمكان قابل للتمدد والتقلص! هل وصلتكم الفكرة؟

نعود الآن إلى عبارة ذكرتها سابقاً (فضاء عادي)؛ وهل يوجد فضاء غير عادي !؟؟
حسناً إن ناسا أحكمت قبضتها على هذه الفكرة؛ وصرحَت بِكُل جُرأة بأنها ستغير شكل الفضاء من فضاء عادي لفضاء متقلص و متمدد!
بحيث نتمكن عندها من بلوغ أقرب النجوم إلينا في سرعات تفوق سرعة الضوء؛ فبدلاً من 75 ألف سنة للذهاب إلى ألفا قنطور؛ سنختصر الرحلة في إسبوعين فقط، عن طريق المحرك الزمكاني.


وقد كان صاحب الفكرة الأساسية الدكتور هارولد وايت (Harold White) وفريقه ضمن وكالة ناسا، وقد أسموا هذا المحرك باسم (ألكيوبيري) نسبةً للفيزيائي النظري المكسيكي ميجيل ألكيوبيري (Miguel Alcubierre)؛ الذي قدم نظريات عام 1994 تعتمد على مبدأ "طي الفضاء" من نقطة الانطلاق إلى نقطة الانتهاء بسرعات خيالية!

ما هي آلية العمل المقترحة للمحرك الزمكاني ؟

ربما ستعمل هذه المحركات على إحداث انبعاج زمكاني حول المركبات الفضائية بالطريقة التالية:
1- حني نسيج الزمكان و فَرْد الفضاء خلف المركبة الفضائية؛ أي توسيع للزمكان.
2- تقليص الزمكان أمام المركبة الفضائية.
3-  إيجاد حالة توازن بين التقلص والتوسع من خلال الزمكان المحايد (العادي).


لاحظ الصورة:
القيم الموجبة + باللون الأحمر تدل على توسع الزمكان داخل المحرك و خلف المركبة
القيم السالبة – باللون الازرق تدل على حدوث تقلص حجم معين من الزمكان أمام المركبة.

وبينما يقوم الزمكان المحايد بحماية المركبة الفضائية من إضطرابات الزمكان أثناء تقدم المركبة للأمام سيشعر رواد الفضاء بحالة من عدم الجاذبية (0 Gravity)؛ وهذا طبيعي بغياب التحدب في الزمكان فلا توجد جاذبية.

ولكن يبقى السؤال ما هي طبيعة الزمكان القابل للإلتواء ؟ وكيف يمكن ذلك ؟

لا يلتوي هذا الفضاء المرن بشكل عشوائي فهو يخضع لمعادلات بالغة الدقة تسمى معادلات النسبية العامة تتيح لنا هذه المعادلات بحد ذاتها توسيع الفضاء إلى حدٍ معينة ليحمل معه مركبتنا.

وقد أطلق مهندسو ناسا على السفن الفضائية التي ستعمل بمحركات ألكيوبيري الزمكانية اسم (IXS Enterprise)، وقد تم تصميم نموذج يحاكي عملية عمل هذه المحركات التي تصل بسرعة قد تفوق سرعة الضوء بعشرِ مرات؛ ويسعى الآن علماء الفيزياء ومهندسو المركبات إلى تحقيق ثورة علمية لم يسبق لها مثيل في هذا المجال؛ الذي لازال قيد عمليات البحث والدراسات المتواصلة، والتطوير؛ لتحقيق الحلم الأكبر للحضارة البشرية في استكشاف الفضاء.

فهل سنراه يتحقق على أرض الواقع ؟


المصادر :
1- nytimes.com
2- iflscience.com
3- مدونة وموقع NASA
4- مجلة العلم والحياة الفرنسية.
5- ما النسبية؛ تأليف :فرانسوا فانوتشي. ترجمة: د. عزالدين الخطابي.
6- فيزياء المستحيل؛ تأليف : د.ميشيو كاكو ترجمة : د.سعد الدين خرفان.
7- أسرع من سرعة الضوء؛ تأليف :د. جواو ماكيويجو. ترجمة :سعيد الأسعد.

التشابك الكمي أو الكمومي و التأثير الشبحي !

التشابك الكمي أو الكمومي و التأثير الشبحي !


فلنقل بدايةً أن هذه الفكرة للوهلة الأولى لا تقل غرابةً أو جنوناً على ما اعتدناه من ميكانيكا الكم، التي حولت الخيال إلى علم وتجارب على أرض الواقع؛ لتبرهن يوماً بعد يوم على ضيقِ الحِس البشري ومحدودية العقل البشري؛ وتصدم مُتابعيها وباحثيها بحقائق لطالما وصفها الكثيرون بالخيال أو التُرهات العلمية.

ما هو التشابك الكمومي (Quantum Entanglement) ؟

هو مصطلح كمومي يشير إلى وجود علاقة ورابط وهمي غير مرئي وآني بين الجسيمات؛ في العالم دون الذري وعلى مستوى الكوانتم، وتكمن الفرضية في إمكانية ترابط جسمين مع بعضهما البعض حتى لو كانت المسافة الفاصلة بينهما تصل إلى ملايين السنين الضوئية، وأي تغيير في سلوك أحد الجسمين المترابطين كمومياً سيؤثر في الأخر فوراً وبشكل لحظي حتى لو كان الآخر في أقاصي الكون!

ويعد الفيزيائي الإيرلندي جون بيل (John Bell) أول من دعم هذه الفكرة، وحولها من فلسفة إلى تجارب وواقع علمي وذلك عام 1964؛ عندها وفي ذلك اليوم انتصرت ميكانيكا الكم على أبرز عقول القرن العشرين ومؤسس النسبية العالم ألبرت أينشتاين؛ إذ أن ألبرت أينشتاين كان يرفض التشابك الكمومي رفضاً قاطعاً بل ودعاها سُخريةً باسم التأثير الشبحي عن بُعد (spooky action at a distance).

و لتوضيح الفكرة أكثر عن التشابك الكمي دعونا نأخذ مِثالاً نشرح فيه نظرياً هذه الفكرة الكمومية: 

لنتخيل أنكَ فرغتَ من عملك وقضيت إجازتك في أقرب نجم لنا؛ وهو نجم بروكسيما سيتوري (Broxima citory)، ويبعد 4 سنوات ضوئية فقط، والتقطت صوراً جميلة وأردت أن تُرسِلها إلى صديقٍ لكَ ما زال على كوكب الأرض، وبذلك سيستغرق وصول الصورة 4 سنوات ضوئية، ولا أمل في أن تصل في وقت أبكر؛ والسبب واضح أن المعلومات يتم إرسالها على شكل ضوء، فلا شيء يفوق سرعة الضوء، ولكن الأمر سيختلف لو أجريت تشابك كمومي على مستوى ذرات الأجهزة مع صديقك الأرضي؛ وبذلك سيتم كسر القاعدة في إرسال البيانات إليه وسيكون الإرسال فورياً وفي لمح البصر !

إنطلاقاً من هذه الفرضية هناك محاولات جادَّة من علماء لتطوير تقنيات لنقل المعلومات والبيانات بسرعة تفوق سرعة الضوء لتحقق ثورة علمية قادمة في مجال نقل المعلومات عبر الفضاء، وآخرون في معاهد علمية متقدمة يسعون إلى تطبيق هذه الفرضية لتحقيق فكرة "النقل الآني".

كيف تحول التشابك الكمومي من فرضية إلى واقع ؟

كما ذكرنا آنفاً؛ فإن الفيزيائي الإيرلندي جون بيل حوَّل بورقة علمية المشكلة الكمومية إلى تجربة بسيطة، ورغم أن درجاته كانت سيئة في ميكانيكا الكم؛ إلا أن طالب الدكتواه وقتها استطاع أن يبرهن هذه الفرضية، وقد صعقته النتائج عندما علم أنها حقيقة لا خيال، وبعدها جاء الفيزيائي الفرنسي آلان سيبيه ليزيد من قوة الفرضية ويجري تجربة معقدة ومتطورة للغاية ليثبت مع زملائه حقيقة التشابك الكمومي.

حديثاً تمكنت عدة مجموعات بحثية من إجراء تجارب تدعم آراء جون بيل وفكرة التشابك الكمي، وقد قامت واحدة من هذه التجارب بقيادة الفيزيائي كريستر شالم من المعهد الوطني للمعايير والتقنية (NIST) بِرصدِ التشابك الكمومي بين الفوتونات، حيث أن الفوتون المتشابك بالفوتون الأول كان يقوم بنفس التأثير اللحظي على شرائح معدنية خاصة ومبردة قريباً من الصفر المطلق، في التجربة.

في النهاية يقول فرانسيسكو مارسيلي (مسؤول في وكالة ناسا في قسم مختبرات الدفع النفاث (JPl):
"أن جون بيل كان محقاً فأي نموذج في العالم يحوي على متغيرات خفية يجب أيضاً أن يسمح للجسيمات المتشابكة أن يؤثر أحدها على الآخر عن بعد".

المصادر:
1- space.com
2- techinsider.io
3- كتاب ميكانيكا الكم بين الفلسفة والعلم، تأليف: يوسف البناي.

مراجعة وتعديل: فراس كالو

الطبيعة الموجية الجسيمية للضوء و المادة !

الطبيعة الموجية الجسيمية للضوء و المادة !


يبدو أن فيزياء الكم Quantem physics سَعيدةٌ في هدمِ حدسِنا ووعينا البشري حول سير هذا العالم، وبعد طرحنا في مقالنا السابق تعريف موجز بعالمها الذي نعتقده غامضاً بشدة ومُبهَماً؛ اليوم نصحبكم من خلال هذا المقال والمقالات التي ستعقبه من السلسلة في جولة حول أهم قضايا ميكانيكا الكم، والتي نستهلها بالقضية الأولى وهي الصفة الموجية الجُسيمية للضوء أو الصفة المزدوجة للضوء.

الضوء جسيم أم موجة ؟

حسناً إن هذا التساؤل قديم قدِمَ ملاحظة الإنسان للظواهر الطبيعية والتعرف عليها، ففي عام 300 قبل الميلاد تقريباً، توصل العالم الإغريقي إقليدس إلى فرضية أن العين تصدر أشعة ضوئية تصطدم بالأشياء ثم تعود إليها فتبصر، وقد بقي هذا المفهوم سائداً طوال 13 قرناً، حتى جاء العالِم الحسن بن الهيثم في القرن العاشر للميلاد وأثبت أن العين لا تصدر أي ضوء، ولكن أشعة الضوء تنعكس من الأجسام إلى العين فتبصر، فكان أول شخصٍ يضعُ قوانين انكسار الضوء وانعكاسه، ويقال بأن ابن الهيثم اعتبر الضوء بسبب طبيعته هذه جسيمات.

وبعد حوالي 600 عام تقريباً، بدأ النقاش حول طبيعة الضوء يظهر إلى المجتمع العلمي على يد الفرنسي رينيه ديكارت، وقد رأى السير إسحق نيوتن أن الضوء هو سيلٌ من الجسيمات المتناهية في الصغر، في حين رأى العالم الألماني كريستين هيجن أن الضوء هو موجات أو ذبذبات وليس جسيمات، وكلا الطرفين كان له أدلته العلمية حول صحة رأيه.


إلى أن أتى عام 1801 فأجرى العالم توماس يونغ تجربته الشهيرة جداً التي تُدعى شقي يونغ (Young Double Slit Experiment) لتبين الطبيعة الموجية للضوء.

وتتلخص تجربة شقي يونغ بما يلي:

وضع هذا العالِم شاشةَ كشفٍ أو رصدٍ، ثم وضع أمام الشاشة لوحة تحوي شقين وبينهما مسافة فاصلة تمثل حاجزاً عائقاً وعندما قام بتسليط الضوء على الشقين انتقلت موجة الضوء عبر الشقين بحيث تنشأ مويجات (أمواج أصغر) عن كل شق، وتتداخل هذه المويجات مع بعضها البعض لتعطي سلسلة من الأهداب المضيئة والمظلمة (نمط تداخل) عند عرضها على الشاشة، وهذا لايدع مجالاً للشك حول الطبيعة الموجية للضوء.

أما السلوك الجسيمي للضوء فسيظهر من خلال الفوتونات؛ التي تعد بشكل دائم وحدات لا تقبل التجزئة، ويحدث البرهان الأكثر وضوحاً على وجود الصفتين الموجية الجسيمية إذا أرسلنا أحد الفوتونات واحداً تلو الأخر عبر الشقين، وفي هذه الحالة يعطي كل فوتون بقعةً مضيئةً على الشاشة، ولكن عندما نجمع النتائج بعد مرور عدد كبير من الفوتونات نلاحظ ظهور نمط التداخل (الصفة الموجية).
لكن هذه التجربة جعلت الجدل حول طبيعة الضوء جسيم أم موجة يحتدم أكثر!


الطبيعة المزدوجة للمادة و الضوء؛ الجسيم و الموجة معاً !

في عام 1887، لاحظ العالم هِرتز أنه عند تعريض سطح من مادة موصلة لشعاع فوق بنفسجي فإن الشرر الكهربائي يتولد بسهولة أكبر، وفي عام 1905 قدم العالم أينشتاين ورقة بحثية فسرت النتائج العملية للظاهرة الكهروضوئية على أن الضوء يتكون من جسيمات (فوتونات) وهي كمات محددة من الطاقة مستفيداً من أفكار سابقة لماكس بلانك، وقد مُنِح أينشتاين على إثرها جائزة نوبل في الفيزياء عام 1921 لتفسيره التأثير الكهروضوئي.

وليأتي بعده الفيزيائي الفرنسي لويس دي برولي الذي أسس لنظرية الإزدواجية القائلة بأن للمادة خواص موجية وخواص جسيمية؛ والمأخوذة من تجارب أينشتاين وماكس بلانك، وأثبت الصفة الإزدواجية على الإلكترون عام 1927، وفاز دي برولي بجائزة نوبل في الفيزياء عام 1929.

وبالتالي لدينا عزيزي القارئ نتيجة أن الإلكترونات مثلها مثل الفوتونات تتصرف بسلوك مزدوج بل وإن هذا المبدأ أو هذه الطبيعة تنطبق على كل جملة فيزيائية فأي موجة تملك طبيعة جسيمية وأي جسيم مادي يملك طبيعة موجية !

وعلينا الآن طرح السؤال التالي؛ كيف يمكن لشيء كمي أن يكون جسيم و موجة في آنٍ واحد ؟!

علينا القول أنه من الخطأ أن نقول أن الضوء سيل من الجسيمات تتحرك نحو الأعلى أو الأسفل بطريقة موجية؛ إن الضوء والمادة يوجدان كجسيمات، وإن السبب في كون الضوء يظهر أحياناً كموجة هو تراكم العديد من جسيمات الضوء.
بمعنى آخر الفوتون الوحيد هو جسيم؛ ومجموعة الفوتونات يمثل موجة؛ حسناً إنها ميكانيكا الكم!

لنأخذ المثال التالي للتوضيح : 

بفرض لدينا آلة لرمي السهام احتمال بلوغ مركز الهدف 9% واحتمال إصابة الحلقة الخارجية حول نقطة الهدف 91%، وليس لها أي فرصة لتخرج خارج الرقعة.
الآن لندع الآلة ترمي 100 سهم و كلها علقت في الرقعة؛ يمكننا أن نرى عندها كل نبلة لوحدها؛ وهنا هو التصرف و السلوك الجسيمي؛ ولكن بنفس الوقت يمكننا أن نرى نموذجا ًفي الرقعة مكوناً من حلقة كبيرة من السهام هي تراكم السهام المنفردة؛ ويمثل هذا الأمر السلوك الموجي للسهام.

في النهاية دعني أصل بك للنتيجة التالية؛ لايمكن فهم الخصائص التجريبية للضوء إذا كان موجة أو جسيم؛ بل يمكن فهمه فقط إذا اعتبرناه الاثنين معاً، وهذا ما أكده ورسَّخه العالم لويس دي بروغلي عندما قال:
"من غير الممكن ومن غير الضروري اختيار أحدهما الموجة أو الجسيم لأن كلاهما أساسي لوصف كامل للطبيعة !

المصادر:
1- phys.org
3- nobelprize.org
4- light2015blog.org
5- كتاب مبادئ ميكانيكا الكم؛ المؤلف: بول ديراك
6- Tony Rothman, Everything's Relative and Other Fables in Science and Technology

مشاركة إعداد وتعديل: فراس كالو

ماهي النظرية النسبية العامة والنسبية الخاصة ؟

ماهي النظرية النسبية العامة والنسبية الخاصة ؟


في عام 1905 نشر الفيزيائي الألماني ألبرت أينشتاين نظريته التي دُعيت بالنظرية النسبية الخاصة، ثم أتبعها عام 1916 بالنظرية النسبية العامة، فكانت هاتان النظريتان بدايةً لعصرٍ جديد، غيَّر وجه العالم الذي نعيش فيه.

فقد غيرت النظرية النسبية من الفيزياء الكلاسيكية المعتمدة على مفهوم السير إسحق نيوتن، وأدت المفاهيم الجديدة في النظرية النسبية إلى ظهور علوم جديدة كلياً مثل علم الكون والفيزياء الفلكية وعلم الكون.

ماهي النظرية النسبية؟

النظرية النسبية (the theory of relativity) هي نظرية فيزيائية (طبيعية) تبحث في المواضيع التي تبحثها الفيزياء العادية كالزمان والمكان والسرعة والكتلة والجاذبية والتسارع، ولكنها تنظر إلى هذه الأمور بوجهة نظر مختلفة تماماً.

ما الفرق بين النظرية النسبية الخاصة والنسبية العامة ؟

النسبية الخاصة

تبحث فقط في الأجسام أوالأنظمة التي تتحرك بسرعة ثابتة بالنسبة للمراقب، أي التي تتحرك حركة منتظمة بدون تسارع، وأن سرعة الضوء في الفراغ مستقلة عن حركة جميع المراقبين.

أما النسبية العامة

فإنها تبحث في الأجسام التي تتسارع بالنسبة للمراقب، أي الأجسام أو المجموعات التي تتحرك بسرعة متزايدة أو متناقصة.

الأبعاد في النظرية النسبية

في الفيزياء الكلاسيكية نستخدم الأبعاد الثلات فقط أي الأبعاد المكانية وهي الطول والعرض والارتفاع وهذا ما كان الجميع يعتقده، ولكن أينشتاين أوجد بُعداً رابعاً، فقال إن الكون الذي نعيش فيه هو ذو أربعة أبعاد لا ثلاثة كما تقول الفيزياء الكلاسيكية؛ وهذه الأبعاد هي الطول والعرض والارتفاع والزمن، وسمي ذلك باسم (الزمكان).

إن تّخيُل عالمٍ ببعدٍ واحدٍ أو بعدين أو حتى ثلاثة أبعاد أمرٌ سهل، أما عالم بأربعة أبعاد التي تقول النسبية أننا نعيش فيه، كيف يمكن أن نتصوره؟ وكيف يمكننا أن نرسمه؟ وكيف نرسم الزمن كبعد رابع في صورة؟ هل نُصوِر الزمن أساساً مادمنا لا نراه؟
إذا كانت النسبية هي وجهة نظر في هندسة الكون على اعتباره مكوناً من أربعة أبعاد معنى ذلك أن لها مفاهيم وحسابات خاصة بها، وحساباتها أشد تعقيداً من حسابات الفيزياء الكلاسيكية التي ترى هندسة الكون من ثلاثة أبعاد فقط.


المكان في النظرية النسبية

النظرية تقول ليس في هذا الكون مكانٌ مطلق، فإذا رأيت أن هاتفك ثابت في يدك وأنت نفسك ثابت؛ فالأمر نسبي فالقارئ والهاتف ثابتان نسبياً لبعضهما البعض وبالنسبة للأرض التي هما عليها؛ أما في الواقع فهما متحركان بالنسبة للكون.

فعندما بدأتَ بقراءة هذه الجملة كنتَ في مكانٍ معين من الكون، ولكن الآن عند الإنتهاء من قراءتِها فأنت في مكان آخر قد يبعد عن الأول مئات الأميال بالنسبة للكون!

نحن فعلياً مسافرين في هذا الكون على ظهر مركبة فضائية اسمها الأرض منطلقة بسرعة خارقة في هذا الفضاء الواسع محكومة بقوانين المجموعة الشمسية!

الزمن في النسبية

إن مفهوم نسبية الزمن يشبه بعض الشيء نسبية المكان، إذ تقول النسبية أن الزمن نفسه لا يجري في جميع أنحاء الكون بالتساوي كما قال نيوتن، بل هو يطول ويقصر حسب ظروف معينه وأمكنة معينة.

ويقول أينشتاين بأن الزمن يطول ويقصر حسب أمرين، الأول حسب السرعة وهذا مايبحثه في النسبية الخاصة، والتاني حسب الكتلة وهذا ما يبحثه في النسبية العامة.

فالزمن يتباطأ حسب السرعة، وكلما زادت السرعة زاد التباطؤ وعند الوصول إلى سرعة الضوء يكون الزمن يساوي صفر!

وأيضاً الزمن يسير ببطء عند الكتل الكبيرة، فعند حدوث حادث في هذا الكون قد يكون في الماضي بالنسبة لمراقب والحاضر بالنسبة لمراقب آخر، وقد يكون مستقبلاً بالنسبة لمراقب ثالث!

إذاً اختلف الزمن بالنسبة للمراقبين بإختلاف أماكنهم، وهذا ما شرحته النظرية النسبية، وبذلك غيرت النظرية النسبية من مفهومي الحركة والزمن المُطلق عند نيوتن، فأصبحت الحركة نسبية وتغير مفهوم الزمن من كونه مُطلقاً ويسير إلى الأمام دائماً، إلى كونه نسبياً، وجعلته بُعْدْاً رابعاً يُدمج مع الأبعاد الثلاثة المكانية أي الزمكان.

المصادر:
1- space.com
2- كتاب: الكون الأحدب - قصة النظرية النسبية، تأليف: عبد الرحيم بدر.
3-  كتاب النظرية النسبية الخاصة لأينشتاين، تأليف د.حازم فلاح سكيك.

مراجعة وتعديل: فراس كالو

نظرية الانفجار العظيم | الجزء الثالث

الانفجار العظيم من الألف إلى الميم - الجزء الثالث والأخير

التسلسل الزمني لأحداث الانفجار الكبير (2)

إعداد: محمد باقي

تعرفنا في المقال الماضي على الأحداث التي جرت في الأجزاء الأولى من الثانية الأولى لولادة الكون، ووصلنا إلى اللحظة التي تساوي واحد على مليون جزء من الثانية، واليوم نتابع..

‫خامساً‬:

وتعدُّ اللحظة التي تعادل جزءاً من مليون جزء (أي 10^-6) من الثانية المرحلة التي بدأت فيها الكواركات الحرة بالاختفاء وإلى الأبد، ففي هذه اللحظة، تبرد الكون الوليد إلى الدرجة عشرة آلاف مليار (أي 10^13 درجة مطلقة).
كانت الكواركات وأضدادها تهيم في الفضاء عشوائياً، وتتشكل وتتفانى بأعداد هائلة، ولكن ما إن أصبحت درجة الحرارة أقل بقليل من الدرجة المشار إليها آنفاً، حتى أصبحت طاقة الجملة غير كافية لتشكيل كواركات وكواركات مضادة جديدة، في حين أنَّ ما هو موجود منها استمر بالتفاني بشكل زوجي، وبأعداد كبيرة، الأمر الذي استدعى وصف هذه المرحلة بِـ ((مذبحة الكواركات)) التي لم تتوقف إلاَّ عندما انخفضت درجة الجملة إلى ما دون ألف مليار (أي 10^12) درجة مطلقة.

‫سادساً‬:

عندما أصبح عمر الكون جزءاً من عشرة آلاف جزء (أي 10^-4) من الثانية، أصبح حجم الكون (نتيجة التوسع الذي تقارب سرعته سرعة الضوء) بحجم المنظومة الشمسية الحالية، وبدأت الكواركات المتبقية بالترابط بعضاً ببعض، لتشكل الباريونات "Baryons"، التي هي البروتونات والنترونات التي نشأت من الكواركين U وD.
ولقد حدث الارتباط بفضل القوة النووية الشديدة، ممثلة بِالغليون Gluon (الغراء النووي) ويمكن القول أنَّ نواة أول عنصر (نواة الهدرجين أو البروتون) قد تشكلت في هذه المرحلة.

‫‏سابعاً‬:

ما إن مضت على ولادة الكون ثانية واحدة، وتبردت درجة الحرارة إلى بضعة عشرات مليار الدرجة، حتى توقف فناء الأنواع الثلاثة للنترينو، وهي: نترينو الإلكترون ونترينو الميون، ونترينو التاو، ويعود أمر نجاة أنواع النترينو (التي كانت حتى هذه المرحلة تحت سيطرة القوة النووية الضعيفة) إلى التبرد المتزايد للكون الذي أدى في النهاية إلى إضعاف هذه القوة، الأمر الذي سبب انعتاق أنواع النترينو بأعداد كبيرة، كي تهيم في فضاء الكون حتى يومنا هذا.

‫ثامناً‬:

عندما أصبح عمر الكون الوليد مئة ثانية، تبردت درجة حرارة الجملة إلى مليار درجة مطلقة، مستوى أمكن فيه للبروتونات والنترونات الارتباط بعضٍ ببعض لتشكل النواة التالية التي ولدت بعد نواة الهدرجين العادي (البروتون)، والثقيل أو الدوتِريوم ، ونعني بذلك نواة الهليوم التي تتألف من بروتونين ونترونين.
لقد شهد الكون في هذه المرحلة إذاً ولادة هذه النواة، المتراصة البنيان، والشديدة الثبات وتعد ولادة نواة الهيلوم الحدث المهم والمميزة لهذه المرحلة.
ويعتقد العلماء أنه وخلال الثلاث مئة ألف السنة التالية التي أعقبت مئة الثانية الأولى حدث زيادة هامشية في التوسع المنفعل للكون، وتبرد الكون أكثر فأكثر، لتصبح حرارته آلاف الدرجات، وامتزاج أوسع للهدرجين بالهليوم، وولادة بعض نوى العناصر الخفيفة (الليتيوم والبيريليوم والكربون).
كما تولد الإشعاع المعروف بأشكاله المختلفة، وفيض من الإلكترونات، وتحررت الفوتونات من البلازما البدئية التي تشكل مادة الكون.

‫تاسعاً‬:

يمكننا الآن تصور حال الكون بعد مرور ثلاث مئة ألف سنة، فالكون شفاف وصافٍ، ويغمر هذه الشفوفية ضياء باهر آخاذ، نجم عن تباطؤ امتصاص الإشعاع الذي هدأت ثورته، فتوقف عن تحطيم الذرات الآخذة بالتشكل، ذلك أن تبرد درجة حرارة الكون أتاحت للنواة أسر الإلكترونات، لتبقى هذه في كنف النواة، تدور في فُلكها، وهكذا بدأت العناصر المعدنية بالتشكل.

عاشراً‬:

يُتوقَعُ عامةً على أنَّ الكون ظل على هذه الحال مدة مليار عام، حيث أخذت بعدئذ المجرات بالتشكل بدءاً من الهدرجين والهليوم والركام (الغبار) الكوني.
ومنذ ثلاثة عشر مليار سنة والكون لا يزال كما هو، علماً بأنه عانى توسعاً منفعلاً، يتراوح ما بين 5 و10 في المئة كل مليار عام (ولا يزال يعاني هذا التوسع المنفعل وفقاً لنماذج ((فريدمان)))، فقد أصبح نصف قطر الكون الحالي القابل للرصد قرابة مليون مليار مليار (أي 10^24) كليومتر.
وفيما يتعلق بمدى وثوقية هذه الأرقام، فمن حقنا أن نتساءل فيما إذا كانت هذه الأرقام الدقيقة قد حددت فعلاً بالقياس التجريبي؟
إن الإجابة على هذا التساؤل سيكون قطعاً هو النفي‬.

ولكن يمكن التأكيد أنَّ هذه الأرقام صحيحة لسببين:
‫الأول‬:
أنَّها أتت نتيجة معالجات رياضية فيزيائية، انطلقت إما من نماذج تجربية أو نظرية منطقية، فمثلاً، عندما نقول إن أصغر طول في الطبيعة لا يمكن أن يقل عن طول ((بلانك))، ذلك لأنه يمكن للفيزياء النظرية أن تبرهن على أن الجُسيم الذي يقل طوله عن طول ((بلانك))، يتحول إلى نقطة كمومية (نقطة من الطاقة) تبتلع نفسها.
‫‏الثاني‬:
هو استقرائي واستنتاجي، انبثق عن تفسير النتائج التي أتت بها المسرعات الهائلة، التي تستطيع تحويل الطاقة إلى مادة وفقاً لمعادلة ((آينشتاين)) (E=mc2)، والاستنتاج من ذلك أنه في مستوى معين من الطاقة، يمكن حساب زمن ولادة الجُسيمات الأولية (الكواركات واللبتونات وغيرها)، وزمن فنائها، ودرجات حرارة تكونها، وغير ذلك، بالإضافة إلى المسابير الفضائية وما قامت به من قياسات تتعلق بإشعاع الخلفية والحرارة والصور الملتقطة لولادة وفناء النجوم والمجرات، كل ذلك ساهم في التكهن بهذه الارقام وصحة النظرية.

وفي نهاية هذا المقال لابد أن نؤكد أن حدوث هذه المراحل كان دقيقاً ومنظماً لا مجال للمصادفة فيه، يقول الفيزيائي ستيفن واينبرج ‫‏في كتابه الدقائق الثلاث الأولى من عمر الكون:
''لو كان الكون في الدقائق الأولى القليلة مؤلفاً حقاً من أعداد متساوية تماماً من الجسيمات والجسيمات المضادة، لكانت كل هذه الأعداد قد دُمرت نتيجة لانخفاض درجة الحرارة إلى أقل من 1.000 مليون درجة، ولما تبقَّى شيء غير الإشعاع، ويوجد دليل مقنع جداً ضد إمكانية حدوث ذلك؛ فنحن موجودون هنا! ولا بد أنه كانت هناك زيادة في عدد الإلكترونات عن البوزيترونات، وفي عدد البروتونات عن مضادات البروتونات، وفي عدد النيوترونات عن مضادات النيوترونات، لكي يتبقى شيء بعد تدمير الجسيمات والجسيمات المضادة يستطيع أن يقدم مادة الكون الحالي''·
وكما قال أناتول فرانس :
((إنَّ المصادفة هي الاسم المستعار للإله عندما لا يرغب في توقيع اسمه الصريح))، أو بالأحرى عندما لايرغب الإنسان بالتصريح!

ولولا وجود الإنسان، يغدو هذا الكون العظيم بلا معنى...

إعداد: محمد باقي
شارك في إعداد المقالات:
محمد هيثم البيك
فراس كالو
تدقيق لغوي: محمد طحان

المصادر:
تاريخ موجز للزمن – ستيفن هوكينج و ليونار مولندينوف
Steven Weinberg; The First Three Minutes, A modem view of the origin of the universe, Fontana Paperbacks. p89

نظرية الانفجار العظيم | الجزء الثاني

 نظرية الانفجار العظيم من الألف إلى الميم | الجزء الثاني

التَّسلسلُ الزمنيُّ لأحداثِ الانفجارِ الكبيرِ (1)

إعداد: محمد باقي

تحدثنا في الجزءِ الأوَّل عن ولادةِ الكونِ نتيجةَ انفجارٍ هائلٍ، واليومَ سنتابعُ مع تسلسل الأحداث لهذه البداية.
يظنُّ العلماءُ أنَّ البدايةَ كانتْ من نقطةٍ لا نهائيَّةِ الصِّغرِ وذاتِ كثافةٍ لا نهائيةِ الكبرِ والسخونةُ من رُكامٍ كمومي مكون من جُسيماتٍ غريبةٍ غيرِ مألوفةً، وجُسيماتٍ غريبةٍ أخرى مضادةٍ، تتولدُ وتتفانى باستمرارٍ.

ويُعتقدُ أنَّ القوى الطبيعيةَ الأربعَ كانتْ موحدةً في قوَّةٍ واحدةٍ كبرى معطلةِ الفعلِ، وذاتِ بنيةٍ غشائيَّةٍ حويصليَّةٍ وتريَّةٍ.
وفي إثرِ حدوثِ الانفجارِ، انفصلتْ فقاعاتٌ انتفاخيَّةٌ كموميَّةٌ، توسَّعتْ إحداها توسُّعاً هائلاً، فوُلِدَ الكونُ ووُلد معهُ الزمانُ والمكانُ، في خلاءٍ فائقِ البرودةِ والتَّناظرِ.

ويمكنُ تلخيصُ التَّسلسلِ الزمنيِّ لأحداثِ ولادةِ الكونِ بحسبِ ظنِّ العلماءِ على النحوِ التَّالي:

أولاً :

في اللحظةِ التي تعادلُ جزءاً من عشرةِ ملايينَ مليارِ مليارِ مليارِ مليارِ (أي 10^-43) جزء من الثانية الأولى لولادةِ الكونِ، حدثَ الانفجارُ الأعظمُ على درجةٍ منَ الشدَّةِ بحيثُ لا يسمحُ بأي نشوءٍ ماديٍّ واضحٍ.
كانت شدةُ هذا الهياجِ تكفي لتفارقَ أيِّ ترابطٍ جُسيميٍّ يمكنُ أن يحدثَ، وكانَتْ شدَّةُ الحرارةِ والإشعاعِ تلتهمُ كلَّ تشكُّلٍ بنيويٍّ قدْ ينشَأُ.
وتمثٍّلُ الحدثَ الأساسيَّ (الذي نجمَ عنْ هذا الاهتياجِ الحراريِّ العنيفِ) بولادةِ الثقالةِ، القوةُ الأولى مِنَ القوى الأربعِ والتي كانتْ (حتى لحظةِ الانفجارِ) موحدةً في قوةٍ كبرى واحدةٍ متفانيةِ الفعلِ، وذاتَ بنيةٍ غشائيَّةٍ حويصليَّةٍ وتريَّةٍ.

ثانيا ً:

في إثرِ فترةِ مخاضٍ وجيزةٍ جداً (تقلُّ عشر ملياراتِ جزءٍ عن اللحظةِ الأولى المشارِ إليها آنفاً)، هبطتْ درجةُ حرارةِ الكونِ الآخذِ بالولادةِ إلى درجةِ حرارةِ بلانك، وأخذَ الركامُ الكموميُ يشكلُ نقطةً يبلغُ قطرَها عشرةَ أضعافِ طولِ بلانك، إذْ يبلغُ طولُ هذا القطرِ جزءاً من مئةِ ألفِ مليارِ مليارِ مليارٍ أي 10-32 جزء منَ السنتي متر - يبلغ طول بلانك جزءاً من مليونِ مليارِ مليارِ مليارٍ أي 10^-33 جزء من السنتي متر- أما الحدثُ الأساسيُّ ذو المغزى والذي نجمَ عن هذا المخاضِ، فتمثلُ بولادةِ المكانِ والزمانِ (مَعْلَمَي الكونِ الرئيسيَّن) اللَّذين يُعالجان (بفضل نظريةِ النسبيةِ العامةِ) كأيِّ معلمٍ فيزيائِّيٍ آخرٍ (كالكتلةِ، ودرجةِ الحرارةِ، والتَّسارعِ).
لقدْ تألفَّتْ نقطة الركامِ الكموميٍّ في هذهِ المرحلةِ من جُسيماتٍ غريبةٍ غيرِ مألوفةِ، ومنْ أضدادِ هذهِ الجُسيماتِ التي لم يعرِفْ (ولنْ يعرِفَ) تاريخُ الكونِ لها مثيلاً.

وكانت هذه الجُسيماتُ الغريبةُ وأضدادُها تنشأُ بدءاً مِنْ طاقةِ هذا الرُّكامِ الكموميِّ، وتتفانى آنيَّاً، وكانَ عمرُ الكونِ في هذه المرحلةِ يساوي جزءاً منْ مئةِ مليونِ مليارِ مليارِ مليارٍ أي 10^-35 مِنَ الثانيةِ، حيثُ انخفضتْ درجةُ حرارةِ الكونِ إلى ألفِ مليارِ مليارِ مليارِ درجةٍ مطلقة.
في هذه اللحظةِ، وفي أثناءِ مخاضِ ولادةِ القوَّةِ النوويَّةِ الشديدةِ، انفصلتْ عن الرُّكامِ الكموميِّ فقاعاتٌ كموميَّةٌ وانتفختْ إحداها بسرعةٍ مفرطةٍ فأصبح حجمها مساوياً حجمَ كرةِ المضربِ. ولضرورةِ الحفاظِ على التناظرِ (التجانسِ) الفائقِ للخلاءِ، تحوَّلَ جزءٌ من طاقةِ الرَّكامِ الكموميِّ إلى مزيدٍ منَ الجُسيماتِ الغريبةِ غيرِ المألوفةِ والجُسيماتِ المضادةِ.

ثالثاً:

في اللحظةِ التي أصبحَ فيها عمرُ الكونِ مُساوياً جزءاً من مئةِ ألفِ مليارِ مليار ِمليارٍ أي 10^-32 جزء من الثانيةِ الأولى، تجددَّ الانفجارُ ثانيةً في القسمِ الفائضِ من الرُّكامِ الكموميِّ، إنما بشدةٍ أضعف وبسرعةٍ أبطأ من الانفجارِ الأولِ، ليسخنَ الانتفاخُ (الآخذُ بالتوقَّفِ) والخلاءُ المحيطُ (الفائقُ التبردِ) تسخيناً مفرطاً.
ولكن في إثرِ انخفاضِ درجةِ حرارةِ الكونِ إلى عشرةِ ملايين مليارِ مليارٍ (أي 2510) درجةٍ مطلقةٍ أو كلِفن، وبفعلِ القوةِ النوويةِ الشديدةِ، وبدرجةٍ أقل، فعلتِ الثقالة تحولَ جزءٍ من الجُسيماتٍ الغريبةٍ غيرِ المألوفةِ إلى كواركات (1301 quarks)، ولبتونات(1401).

رابعاً:

أمَّا في اللحظةِ التي بلغَ فيها عمرُ الكونِ جزءاً من مئةِ مليارٍ جزء أي 10^-11 من الثانية، فإن درجةَ حرارةِ الكونِ انخفضتْ إلى أقلِّ من مليونِ مليارٍ أي 1510 درجةٍ مطلَقةٍ أو كلِفن، وأصبحتْ ظروفُ الكونِ مواتيةً لانشطارِ توأمي القوةِ النووية الضعيفةِ والقوةِ الكهرطيسيةِ، فولدتْ هاتانِ القوتانِ كقوتينِ مستقلَّتينِ وظيفيتينِ.

وهنا أيضاً حدثَ هذا الانشطارُ بآليةِ فصمٍ متناظرةٍ. وكما أن الفوتونَ هو رسيلُ القوةِ الكهرطيسيَّةِ (وهو عديمُ الكتلة)، فإنَّ الجُسيماتَ W+ (من ضعيف weak)، و Z و W، هي رسلُ القوة النووية الضعيفة، وذات كتلٍ مرتفعةٍ.
يمكنُ القولُ إذاً أنَّ هذهِ المرحلةَ من عمرِ الكونِ أصبحتْ تتمتَّعُ بفعلِ القوى الأربعِ للطبيعةِ التي ولدَتْ على التَّتالي بتحولاتٍ طوريةٍ ثلاثةٍ: الثّقالةُ في اللحظةِ 10^-43 من الثانيةِ (لحظةُ حدوثِ الانفجارِ الأعظمِ وبدءِ ولادةِ الكونِ بزمانهِ ومكانهِ)، ثمَّ القوةُ النوويةُ الشديدةُ في اللحظةِ 10^-35 من الثانيةِ، ثمَّ القوتان المدموجتانِ: النوويةُ الضعيفةُ والكهرطيسيةُ، وأخيراً انفصالُ هاتان القوتان عن بعضهما في اللحظة 10^-11 من الثانية.

ولا بدَّ من التأكيدِ في هذا الصددِ أنَّ ولادةَ هذهِ القوى أتى كنتيجةٍ منطقيةٍ لتبرَّدِ الكونِ، وأنَّ هذهِ الولادةَ كانتْ ((مبرمجةً)) في الزمانِ والمكانِ، وبدقةٍ، بحيثُ يكونُ وجودُ هذه القوى (وكذلكَ الجُسيماتُ الحاملةُ لها، أو رُسُلها) شرطاً حرجاً وأساسياً للانتقالِ إلى المرحلةِ التَّاليةِ. 

يتبع...


تدقيق لغوي: محمد طحان

المصادر:
كتاب تاريخ موجز للزمن ستيفن هوكينج

نظرية الانفجار العظيم | الجزء الأول

نظرية الانفجار العظيم, ما هي نظرية الانفجار العظيم, شرح نظرية الانفجار العظيم

نظرية الانفجار العظيم من الألف إلى الميم | الجزء الأول

مقدمة بسيطة جداً

إعداد: محمد هيثم البيك

أكثر النظريات قبولاً ودقةً حول نشأة الكون، فكثيرٌ ما نسمع في الأوساط العلمية عنها، فما هو مصطلح الانفجار العظيم، وما هي هذه النظرية؟ هذا ما سنحاول شرحه في عدة مقالات، نبدأها اليوم بفكرةٍ مختصرةٍ وسريعةٍ عنها لنخوض معكم في المقالات اللاحقة تفاصيلها العميقة والمدهشة، فتابعونا:

ما هي نظرية الانفجار العظيم Big Bang Theory؟


في عام 1927م خطرتْ على بالِ العالم البلجيكي جورج لومتر فكرةٌ عظيمةٌ، فقدم الفرضية التي قال فيها: في قديم الزمان، بُدِأَ الكون من نقطة وحيدة شديدة الكثافة وأخذ بالتوسع والامتداد ليصل إلى ما عليه اليوم متابعاً التوسع..

وأصبحت هذه الفرضية لاحقًا نظرية الانفجار العظيم، وهي فكرة رائعة فعلاً، فكيف يخطر على بال شخصٍ، تَخيُّل بدايةِ هذا الكون الشاسع الممتدِّ، الأمر صعب التخيل!

بعد سنتين فقط من كلام جورج لومتر، لاحظ الفلكي الأمريكي إيدوين هابل أن المجرات تأخذ بالابتعاد عنا، ليس هذا فقط بل كلما كانتِ المجرات أبعد كلما تحركت أسرع عنا.

استنتج هابل أن الكون لا يزال يتوسع مثلما ظن "لومتر"، فإذا كانت الأجسام تبتعد عن بعضها فهذا يعني أنها كانت قريبة من بعضها يوماً ما...قريبة جداً جداً!
كل شيءٍ نراه اليوم حولنا، و المجرات والنجوم والكواكب والنيازك، كل شيء، لم يكن موجوداً في البداية فمن أين أتى كلُّ هذا الكونِ البديع؟

بدايةٌ صغيرةٌ وحارَّةٌ:


عندما وُلِدَ الكون كان عبارةً عن جُسيماتٍ صغيرةٍ حارةٍ ممزوجةٍ مع الضوءِ والطاقةِ، لم يكن هناك شيء كما نراه اليوم، فمع توسُّع الأشياء وأخذها مكاناً أوسعَ في الكون، بدأ كوننا هذا بالبرودةِ شيئاً فشيئاً.

وبدأتِ الجسيمات الصغيرة بالتجمع مُشكِلةً الذراتَ ثم بدورها هذه الذراتُ بدأتْ بالتجمعِ مكونةً خلال زمنٍ طويلٍ النجومَ والمجراتِ.
كُوِّنَت في النجوم الأُولى ذراتٌ أكبر والمجموعات من هذه الذرات نشأت الجزيئات، قاد هذا إلى ولادة نجومٍ أكثر، في ذات الوقت، كانتِ المجرات تتصادم ثم تتجمَّع، ومع ولادة وموتِ النجومِ الجديدة، أخذتِ النيازك والكواكب والثقوب السوداء بالنشوء!
منذُ وقتٍ طويلٍ جداً...!

كم استغرق كل هذا النشوء؟ الأمر لا يبدو واضحاً كثيراً، لكنَّ العلماء يفترضون اليوم أنَّ عمرَ الكونِ 13.8 مليار سنة، هل انتهت رحلتنا هنا؟ لا بل بدأت الآن!
تعرفوا معنا في الجزء القادم على التسلسل الزمني لأحداث الانفجار العظيم..

يتبع

تدقيق لغوي: محمد طحان

المصدر:
spaceplace.nasa.gov

ما هي مواقع النجوم ؟ وما علاقة ذلك باِنحراف الضوء في النسبية العامة ؟

ما هي مواقع النجوم ؟ وما علاقة ذلك باِنحراف الضوء في النسبية العامة ؟

في الحقيقة؛ إن أهم ما تناولته نظرية النسبية العامة لأينشتاين هو تلك الفكرة التي غيرت العديد من المفاهيم الكونية، وعكست نظرتنا إليها بشكل ثوري، ففكرة تحدب الزمكان النسيج الكوني، كانت لها نتائج جلية بل أكثر من ذلك أيضاً.
فقد استطاعت أن تفسر منشأ الجاذبية التي عجز نيوتن عنها، حيث قد طرح التحدب الزمكاني أن الجاذبية ليست مثل القوى الأخرى، فحقيقة أن الزمكان ليس مستوياً بذاته وإنما يتحدب نتيجة توزع الكتلة و المادة فيه فكل كتلة في الفضاء تسبب التقوس و التحدب حولها، فَسَرت الجاذبية التي ألهمت السير إسحق نيوتن.

و نيوتن ليس أول من تحدث عن الجاذبية فقد سبقه إلى ذلك فلاسفة إغريق مثل أرسطو وعلماء من الحضارة الإسلامية مثل الهمداني وأبو جعفر الخازن، إلا أنه وضع قانونه الخاص بالجاذبية (قانون نيوتن)، الذي لا يزال لأفضليته باقيًا بعد مرور أكثر من ثلاثة قرون من البحث والتفكير في الموضوع.

حتى النظرية النسبية لأينشتاين لم تُزِح قوانين نيوتن عن أيٍّ من تطبيقاتها على مستويات الحجم من مختبر مقيد بالأرض إلى تأثيرات تحدث في المجرات، ولكن النظرية النسبية قدمت فكرة أصيلة تمامًا عن كيفية عمل الجاذبية، فتحدب الزمكان لم يفسر منشأ الجاذبية فحسب، بل قدم مفهوماً عن مسار الضوء في الفضاء و تأثره بكل من التحدب والجاذبية، فجميعنا يعلم أن الضوء بسرعته 300.000 ألف كم/ثا ويسير في خطوط مستقيمة وفق ما كانت قد تناولته الفيزياء الكلاسيكية ولكن بظهور النسبية أصبحت هذه الحقيقة التي كنا نعلمها في مهب الريح.

فالفضاء المحدب يعني أن الضوء لم يعد يسير في خطوط مستقيمة ولا بد لمجال الجاذبية أن يسبب انحناء مسار الضوء فالضوء الذي يمر بالقرب من الشمس لا بد أن ينحني قليلا للداخل بسبب كتلة الشمس.
وهذا يعني أنه عندما يمر ضوء نجم بعيد بالقرب من الشمس فإنه ينحرف بزاوية صغيرة كان أينشتاين قد قدرها بشكل تقريبي 1.75 درجة وهنا يبدو النجم في موقع مختلف بالنسبة للمشاهد على الأرض أي رؤيتنا للنجوم في مواقعها ليست سوى محض خداع فالموقع الذي نراه لنجم بعيد هو موقع ظاهري أما الموقع الحقيقي له فهو ما قبل إنحراف ضوئه وقدومه لأعيننا فلا يستطيع أي من البشر أن يجزم بموقع النجوم بسبب انحراف الضوء الناتج عن تلك الكتل الضخمة المتمركزة في النسيج الكوني و جاذبيتها.


ورغم أن نيوتن تحدث عن تأثّر الضوء بجاذبيّة الأجرام الفلكيّة الثقيلة، إلا أن حسابات عالم الفلك البريطاني آرثر إدنجتون بيّنت أن المعادلات التي وضعها نيوتن عن تلك الظاهرة لم تكن دقيقة، ومعادلات آينشتاين تفوقها دقة بكثير، ففي العام 1919 قامت بعثة بريطانية بمراقبة ضوء النجوم الواردة من خلف الشمس أثناء الكسوف الكلي للشمس؛ حينها قدّم آرثر إدنجتون أول إثبات عن مقولة النسبيّة العامة بأن الضوء يتأثر بجاذبيّة الأجسام الفلكيّة الثقيلة، وأثبت أن الضوء ينحرف بالفعل كما تنبأت به النظرية النسبية بسبب كتلة الشمس.

فأثناء الكسوف الكلي للشمس، وثّق إدنجتون حدوث تغيير ظاهري مؤقّت لموقع أحد النجوم الضخمة البعيدة عن الأرض، بمعنى أن الضوء الواصل من النجم انحرف تحت تأثير جاذبيّة الشمس، ولولا الكسوف فإنه من العسير رؤية هذه الظاهرة إذ يتسبب ضوء الشمس باستحالة الأمر، ولكن ذلك يصبح ممكناً عندما يحجب القمر قرص الشمس، وتم ذلك في الساحل الغربي لأفريقيا.

منذ ذلك الحين؛ باتت ظاهرة انحراف الضوء تحت تأثير الجاذبيّة القويّة، وسيلة ناجحة يستخدمها الفلكيون في اكتشاف الكون، وسمّيت الظاهرة عدسة الجاذبية (gravitational lens)، تشبيهاً لها بوظيفة العدسة الزجاجيّة.

إذاً عندما تنظرون ليلاً إلى النجوم في السماء فأنتم لا تشاهدون النجوم بل مواقعها الظاهرية بسبب انحراف الضوء، وهذا الضوء هو ذكرى قد تكون الأخيرة لنجوم لفظت أنفاسها!

المصادر :
1- كتاب تاريخ موجز للزمن - بتصرف تأليف : ستيفن هوكينغ، ترجمة : مصطفى إبراهيم فهمي
2-الميكانيكا الكلاسيكية تأليف : مايكل كوهين، ترجمة :محمد أحمد فؤاد باشا

تحدب الزمكان - الفضاء المنحني

تحدب الزمكان - الفضاء المنحني


انحناء الزمكان:

إن فكرة انحناء الزمكان أو تقوسه عَصِيَّة للغاية على الاستيعاب، لدرجة أن الفيزيائيين لا يحبون في الواقع تصور الأمر ذهنيٍّا.
ففَهْمنا للخصائص الهندسية لعالمنا الطبيعي مبني على ما تحقق من إنجازات على يد أجيال من الرياضيين عبر التاريخ البشري ابتداءً من الإغريق، ومن أبرزهم:
نظام إقليدس الشكلي الذي يضم أشياء على غرار نظرية فيثاغورس ومفهوم أن الخطوط المتوازية لا تتقاطع وأن مجموع الزوايا الداخلية للمثلث يساوي ١٨٠ درجة، وما إلى ذلك.

كل هذه القواعد جزءٌ من صرح الهندسة الإقليدية، لكن هذه القوانين والنظريات ليست محض رياضيات مجردة، فنحن نعلم من واقع خبرتنا اليومية أنها تصف خواص العالم المادي على نحو جيد للغاية.

إن قوانين إقليدس تُستخدم كل يوم من جانب المعماريين والمسَّاحين والمصممين ورسامي الخرائط؛ أي فعليٍّا من جانب كل شخص ذي علاقة بخواص شكل المكان وموضع الأجسام فيه، فالهندسة علم واقعي ملموس.
ومِن ثَمَّ، يبدو من البديهي أن هذه الخواص المكانية التي تشرَّبناها منذ الصغر ينبغي أن تنطبق على ما يتجاوز نطاق مبانينا والأراضي التي نمسحها، فمن المفترض أن تنطبق على الكون إجمالًا، ولا بد أن قوانين إقليدس جزء لا يتجزأ من نسيج العالم نفسه، أم أن الأمرُ عكس مانتصور؟

بالرغم من أن قوانين إقليدس تتَّسم بالأناقة الرياضية والإقناع المنطقي، فإنها ليست المجموعة الوحيدة من القواعد التي يمكن أن تشيِّد نظامًا هندسيٍّا، وقد أدرك رياضيون من القرن التاسع عشر، على غرار جاوس وريمان، أن قوانين إقليدس تمثل فقط حالة خاصة من الهندسة يكون فيها سطح المكان منبسطًا، ومن الممكن تشييد أنظمة أخرى يتم فيها خرق هذه القوانين.

فعلى سبيل المثال، في مثلث مرسوم على ورقة منبسطة، تنطبق نظريات إقليدس على هذه الحالة، ولذا يجب أن يساوي مجموع الزوايا الداخلية للمثلث ١٨٠ درجة (أي ما يعادل مجموع زاويتين قائمتين).
هذا النوع من التفكير يصلح على نحو جيد بالنسبة إلى الهندسة ثنائية الأبعاد، لكن عالمنا له ثلاثة أبعاد مكانية، وبالتالي علينا أن نتعامل معه بطريقة مختلفة.

فكِّر الآن فيما سيحدث إذا رسمتَ مثلثًا على سطح كرة ولتكن الكرة الأرضية مثلاً؟
فمن الممكن أن ترسم مثلثًا على سطح كرة يكون متساوي الساقين وبه زاويتين قائمتين، وهذا يخالف الهندسة الإقليدية!

إن التفكير في المكان بوصفه قطعة ورق منبسطة أو منحنية يشجعنا على التفكير فيه بوصفه شيئًا ملموسًا في حد ذاته، بدلًا من كونه الموضع الذي توجد فيه كل الأشياء الملموسة.
فتخيُّلُ مكانٍ منحَنٍ ثلاثيِّ الأبعاد أمرٌ أكثر صعوبة بكثير، لكن على أي حال من الخطأ على الأرجح التفكير في أننا لا يمكننا قياس المكان، بل ما يمكننا قياسه هو المسافات بين الأجسام الواقعة داخل المكان باستخدام المساطر، أوعلى نحو أكثر واقعية في السياق الفلكي، أشعة الضوء.

من الممكن رسمُ مثلثٍ متساوي الساقين بزاويتين قائمتين على سطح كرة وهذا يخالف الهندسة الإقليدية !

وتقوم النظرية النسبية على افتراض ثوري أن الفضاء محدب وقابل للتقوس والإنحناء وذلك بسبب توزع الكتلة والمادة فيه، فأي كتلة موجودة ضمن النسيج الزمكاني المشكل للفضاء يسبب انحناء هذا النسيج و يقوسه وهذا أُثبِتَ لاحِقاً بتجربة الجايلسكوبات التي أطلقتها وكالة NASA لتتحقق من نبوءة أينشتاين واتضح أن الزمكان مقوس بحق.

وبالتالي ينبثق عن مفهوم الفضاء المحدب أو المنحني أو تحدب الزمكان؛ مايلي:

  1. الجاذبية (Gravity) تلك القوى التي تجعل أقدامنا مثبتة على الأرض وتمنحنا الوزن.
  2. المسارات غير المستقيمة للضوء وانحناء أشعة الضوء في الفضاء بفعل الجاذبية وتقوس الزمكان والتي لها اعتبارات هامة في تحديد مواقع النجوم و الأجرام الفلكية.
  3. بروز فكرة الثقوب الثقوب الدودية، وتشكل الأنفاق الكونية بين كتلتين مسببتين في تقوس الزمكان.
وقد نجد من الصعوبة أن تستوعب عقولنا لفكرة المكان المنحني لأننا لا نلحظ هذا الأمر في حياتنا اليومية، وهذا يرجع إلى أن الجاذبية تكون ضعيفة في الظروف الشائعة المعتادة، وحتى على نطاق المجموعة الشمسية، تكون الجاذبية ضعيفة لدرجة أن تأثير الانحناء الذي تتسبب فيه لا يُذكَر، وينتقل الضوء في خطوط مقاربة للغاية للخطوط المستقيمة لدرجة أننا لا نلحظ الفارق.

تقريب فكرة انحناء الزمكان

ولنقرب الفكرة أكثر لنفترض أن الفضاء كقطعة قماش ممتدة نسيجها الزمن والمكان؛ ووضعنا على سطحها جسم ذي كتلة محددة؛ فإن هذا الجسم المتواجد عليها سيسبب تقوسها وهنا يجدر بنا الإشارة إلى أن مقدار التقوس يتناسب طرداً مع زيادة كتلة الجسم .

فالشمس تقوس الزمكان بدرجة كبيرة على غرار الأرض التي تسبب تقوسا ضئيلاً ومن هنا تكُون الجاذبية لكل من الشمس والأرض والتي تبقي جميع الكواكب ضمن مساراتها و مدارات محددة، وكنتيجة لذلك يكون انحناءُ الضوءِ المار بقرب الشمس كبيراً نتيجة التقوس الزمكاني والجاذبية القوية الناتجة عنها ، والتي أيضا تم إثباتها بالتجربة والرصد العملي عام 1919 من قبل بعثة بريطانية في أفريقيا ليتم التحقق عملياً ونظرياً من تقوس الزمكان والنسبية العامة والجزم بنبوءة أينشتاين أعظم عقل فيزيائي في التاريخ!

المصادر :
1- تاريخ أكثر إيجازاً للزمن، تأليف: ستيفن هوكينغ و ليونرد ملوندينوف، ترجمة : أحمد عبد االله السماحي و فتح الله شيخ
2- علم الكونيات، تأليف بيتر كولز، ترجمة: محمد فتحي خضر
3- النظرية النسبية العامة والخاصة، تأليف : ألبرت أينشتاين، ترجمة : د.رمسيس شحاته

نسبية الزمن | الجزء الثاني

نسبية الزمن | الجزء الثاني


بعد أن تحدثنا في الجزء الأول عن نسبية الزمن في النسبية الخاصة، نتابع معكم اليوم حديثنا عن نسبية الزمن، هل وصلنا إلى سرعة قريبة من سرعة الضوء؟

نعم؛ تم التمكن من الوصول إلى قيمة تعادل 99.999946 % من سرعة الضوء، نعم هذا حقيقي ولكن على المستوى الذري، وحدث ذلك في مصادم الهيدرون الكبير في مركز الأبحاث النووية الأوروبي CERN، وهي أقصى سرعة تم التوصل إليها في معمل فيرمي، ولكن ليست الحركة والسرعة في المكان هي الوحيدة القادرة على إبطاء الزمن وتمدده بل هنالك الجاذبية !

نسبية الزمن في النسبية العامة:

الجاذبية:

تماماً مثل السرعة تؤدي الجاذبية إلى تباطؤ الزمن، ولكن الجاذبية في نموذج الفيزياء الكلاسيكية هي قوة صادرة من الأجسام بعضها تجاه بعض، وقد أعاد آينشتاين أيضاً صياغة هذا المفهوم ليلغي هذه الصورة، ويقول أن الجاذبية ليست "قوة" بالمعنى الحرفي للكلمة، وأن مصدرها ليس كامناً في الكتلة، لكنها مجرد تشوه في النسيج الكوني (المكون من الأبعاد الأربعة) يؤدي إلى سقوط الأجسام الصغيرة في تلك التشوهات التي تحدثها الأجسام الأكبر.

وبالتالي كلما ازدادت الجاذبية كلما ازداد تباطؤ الزمن و تمدَّدَ؛ فالأجسام ذات الكثافة الشديدة ضمن حيز صغير يتباطئ الزمن لديها بشكل كبير مثل النجوم النيوترونية النابضة ذات الكثافة الشديدة والجاذبية العالية جداً فما بالك بالثقب الأسود حيث يتوقف الزمن بشكل نهائي و مطلق نتيجة الجاذبية القاهرة التي لا تستطيع حتى الفوتونات الضوئية الإفلات منها!
كلما ازدادت الجاذبية كلما ازداد تباطؤ الزمن و تمدُّدَهُ
دعني أوضح لك شيئاً إن الزمن في قمة جبل إفرست (ارتفاع8884متر) يختلف عن الزمن في منزلك كون الأجسام القريبة من الأرض جاذبيتها مرتفعة و تأثيرها على الزمن أقوى من قمة جبل ذو الجاذبية الأقل ولكن لن تدرك بطبيعة الحال ذاك الفرق الزمني بسبب كما أسلفنا سابقا الجاذبية الأرضية ضعيفة و تأثيرها ضئيل للغاية.

برهان الفرضية:

قامت جامعة هارفرد بتجربة لرصد الفرق الزمني و التباطؤ بين قمة بناء وقاعدته وبعملية نووية غاية في الدقة سجلت تباطؤاً زمنياً قدره (لا تستغرب من الرقم) 0.000000000000257 % ولم تكن النتيجة مدهشة جداً لأن الفيزيائيين قد قبلوا منذ زمن بعيد بتوقع أينشتاين و أكدتها العديد من التجارب المسبقة.

سأقترح عليك اقتراحاً (رغم عدم نصحي به) اذهب و قِف بالقرب من نجم نيوتروني هنالك التباطؤ الزمني يعادل 30% من الزمن الأرضي وكل 7 سنوات هنالك تعادل 10 سنوات أرضية !


تطبيق نسبية الزمن في حياتنا اليومية

من العجيب أننا نستخدم هذه الظواهر الطبيعية يومياً في تطبيقاتنا التكنولوجية دون أن نعرف، ونبقى نتساءل حول إمكانها من عدمه بينما هي بين أيدينا تعمل بالفعل.

فتطبيق تحديد الموقع (جي بي إس GPS) الذي يحتويه أي هاتف ذكي اليوم يعتمد في تحديد موقع الهاتف على الزمن الذي تستغرقه الإشارة الصادرة من الهاتف للوصول إلى القمر الصناعي، ولمَّا كانت الأقمار الصناعية تدور بعيداً عن مجال الجاذبية الأرضية، فإن تأثير هذه الجاذبية عليها أقل بكثير من تأثيرها على الهاتف، وبالتالي لا بد أن الساعة الموجودة في كمبيوتر القمر الصناعي تعمل بسرعة أكبر من نظيرتها في الهاتف، ولا بد أن هذه الفروق تسبب خللاً في قياس الزمن الذي تستغرقه الإشارة للوصول من أحدهما إلى الآخر، وهذا صحيح تماماً.

غير أن العلماء الذين ابتكروا تلك النظم المعقدة قد تنبهوا لذلك فعلاً فالكمبيوتر الموجود على القمر الصناعي يقوم بتصحيح الوقت المسجل عليه أوتوماتيكياً كل يوم ليواكب الزمن الأرضي، ولولا ذلك لما تمكن من تحديد المكان بشكل دقيق.
علينا أن نشكر نسبية الزمن إذاً !

المصادر:
1- النظرية النسبية الخاصة والعامة تأليف: ألبرت أينشتاين، ترجمة: د. رمسيس شحاته
2- تاريخ أكثر إيجازاً للزمن تأليف : ستيفن هوكينغ و ليونرد ملوندينوف، ترجمة: د. أحمد السماحي و د. فتح الله شيخ
3- كيف تبني ألة الزمن تأليف: بول ديفيز
4- كشف أسرار الفيزياء تأليف: جان جيبلسكو، ترجمة: م. بسام العقباني
5- ما الثقوب السوداء تأليف: باسكال بوردي، ترجمة: محمد خلادي
الشروحات خاصة وبتصرف شخصي من الكاتب

نسبية الزمن | الجزء الأول

 نسبية الزمن | الجزء الأول


تمهيد:

قبل حوالى 350 عاماً، وفي معرض شرحه لقواعد الفيزياء العامة، كتب العالم الإنجليزي السير إسحق نيوتن عن الزمن يقول:
"لست بحاجة لأن أشرح ماهية الزمن لأنه من المطلقات المتعارف عليها".
لكن الحقيقة أن تصور نيوتن كان بعيداً عن الصواب، على الأقل من وجهة نظر الفيزياء الحديثة، ففي عام 1905 وهو العام الذي أطلق فيه أينشتاين النظرية النسبية الخاصة وهدم نظرة الحس العام للزمن، فطرحت النسبية الخاصة أن الزمن يمكنه أن يتمدد ويستطيل و أيضاً ينكمش ولكن كيف يتم ذلك ؟؟

دعونا نتجرد من بعض حواسنا في إطار وسياق بحثنا بمفهوم نسبية الزمن، ودعوني أضع هذه المسألة بمزيد من الحذر فهي تمثل جوهر النسبية الخاصة من جهة ومن جهة أخرى يعد المفهوم الأكثر بروزاً في الفيزياء والكون.

نسبية الزمن في النسبية الخاصة

ما تأثير الحركة في المكان على الزمان؟ كما طرحنا سابقاً أن الزمن مرتبط بالمكان بمسمى الزمكان إذاً عزيزي القارئ لا بد من أن الحركة في المكان سيكون له تأثير على الزمان، وهنا المفارقة الكبرى؛ فلتضع في اعتبارك أن حركتك في المكان سيؤثر على الزمن ولكن كيف؟

نحن نعلم جميعاً أن السرعة هي مقياس للمسافة على الزمن أي : V=d/T
فالزمن يتناسب عكساً مع السرعة بمعنى آخر كلما زادت السرعة كلما تباطأ الزمن.
والأمر الآخر أن قانون تمدد الزمن مبني على بعض فروض النظرية النسبية العامة لأينشتاين وهي أن للضوء سرعة محدد في الفراغ 300000000 م\ث، فمن أهم الاكتشافات الفيزيائية في عهد أينشتاين هو أن للضوء سرعة محدد وهي سرعة ثابتة تمثل سقف المعادلات الفيزيائية والرياضية.

فكلما زادت سرعة الجسم المتحرك في الأبعاد المكانية الثلاث (الطول، العرض، الإرتفاع) كلما تباطأ الزمن وتمدد؛ فلنتوقف عند هذه النقطة، فبينما أنت جالسٌ في مكانك الآن تقرأ هذا المقال انظر إلى ساعة يدك؛ أنت تتحرك عبر البعد الزمني ولكنك جالس لا تتحرك ضمن المكان !

الآن قُم من موضع جلوسك وتحرك عبر المكان سينتقل جزء ضئيل جداً جداً من حركتك في الزمان (أثناء جلوسك) إلى المكان أثناء (حركتك في المكان)؛ و بانتقال هذا الجزء سيتباطأ الزمن لديك، ولكن هذا التباطؤ لن تدركه أبداً لأن حركتك في المكان وسرعة تحركك بطيئة جداً جداً، وإن تبين لك ما أعنيه فأنت الآن في جوهر النسبية الخاصة !

توضيح :

أنا سأبقى في المطار جالساً بينما تذهب أنت في رحلة بالطائرة (سرعة عالية مقارنةً بسكوني، فأنا أتحرك بسكوني وجلوسي في الزمان بينما أنت تتحرك بالطائرة بسرعة عالية بالنسبة لي في المكان، مما يؤدي الى جزء من حركتك من الزمان إلى المكان وبهذا يتباطأ الزمن بالنسبة لك مقارنة بي أنا .

ربما قد تتسأل لماذا لا نلاحظ في حياتنا اليومية هذا التباطؤ ؟
في الحقيقة أن السرعات على الأرض هي سرعات ضئيلة للغاية مقارنةً بسرعة الضوء ولتحقيق هذا التباطؤ الزمني يلزمنا سرعات تحقق نسبة 10/1 من سرعة الضوء، من هنا جاءت فرضية مفارقة التوأم المشهورة.

مفارقة التوأم, مفارقة التوائمِ

فرضية مفارقة التوأم:

فمثلاً إذا كان لك أخ توأم في مثل عمرك، وقام برحلة عبر صاروخٍ يسير بسرعة تعادل 90% من سرعة الضوء(فرضية)، فبعد أن يمر عليك خمسون عاماً وأنت لازلت على الأرض وأخاك قد عاد من رحلته فستجد أنك تكبر أخاك بخمسة وعشرين عاماً يفسر هذا بأن أخاك عندما كان في عالم مصغر(الصاروخ) يتحرك بسرعة قريبة من سرعة الضوء تباطأ الزمن بالنسبة إليه لكنه لم يشعر بهذا التباطؤ إلا بعد عودته إلى الارض، هذا مفهوم نسبية الزمن وأن الزمن ليس مطلق.

برهان الفرضية رياضياً:
قام الفيزيائيان "جو هافيل" و "ريتشارد كيتنج" عام 1971 م بوضع منبهات إلكترونية عالية الدقة تقيس حتى مرتبة النانو من الزمن بعدة طائرات تدور حول العالم وبعدها قاموا بمقارنة القراءات بقراءة نفس المنبهات التي تركت على الأرض فوجدوا أن قراءة منبهات الطائرة أبطأ من قراءة منبهات الأرض بمقدار 59 نانو ثانية و صدقت نبوءة أينشتاين !
رياضياً : إليك المعادلة الرياضية الخاصة بتباطؤ الزمن


 حيث:
T'o: هي زمن الجسم المتحرك
T : هي زمن الجسم المراقب على الأرض
V : هي سرعة الجسم المتحرك
C : هي سرعة الضوء

وهي المعادلة التي طرحها أينشتاين في النسبية الخاصة، ومنه كلما زادت سرعة الجسم المتحرك في المكان واقتربت من سرعة الضوء كلما ازداد تباطؤ الزمن؛ وفي الحقيقة تم التمكن من الوصول إلى قيمة تعادل99.999946 من سرعة الضوء، لكن أين تم ذلك؟ وعلى أي مستوى؟ تابعوا معنا الإجابة في الجزء الثاني.

المصادر:
1- النظرية النسبية الخاصة والعامة تأليف: ألبرت أينشتاين، ترجمة: د. رمسيس شحاته
2- تاريخ أكثر إيجازاً للزمن تأليف : ستيفن هوكينغ و ليونرد ملوندينوف، ترجمة: د. أحمد السماحي و د. فتح الله شيخ
3- كيف تبني ألة الزمن تأليف: بول ديفيز
4- كشف أسرار الفيزياء تأليف: جان جيبلسكو، ترجمة: م. بسام العقباني
5- ما الثقوب السوداء تأليف: باسكال بوردي، ترجمة: محمد خلادي
الشروحات خاصة وبتصرف شخصي من الكاتب

جميع الحقوق محفوظة © أرابوست

تصميم الورشه