هل للكون بداية ونهاية أم أنه سرمدي ؟!

0
ما بين نظرية الانفجار العظيم، ونظرية الحالة الثابتة للمادة؛ هل للكون بداية ونهاية ؟ أم أنه سرمدي ؟!

ما بين نظرية الانفجار العظيم، ونظرية الحالة الثابتة للمادة؛ هل للكون بداية ونهاية ؟ أم أنه سرمدي ؟! 


مقدمة

كفيزيائيين نحن لا نقبل إلا بالحُجة والبرهان وسقف قبول الآخر لدينا مرتفع. في عام 1949 تبنى مجموعة من علماء الكونيات من أشهرهم الفلكي البريطاني ألفريد هويل، تبنوا نظرية الحالة الثابتة (Steady-state theory) كتفسير لنشأه الكون وكسيناريو لنهايته في المستقبل البعيد، ومع أن هذه النظرية كان مناخها فلسفياً عميقاً، إلا أنها ظلَّت نظرية علمية مقبولة حينها لأنها استندت في طروحاتها على ملاحظات واستنتاجات علمية.

الافتراضات

النظرية تدعي أن الكون سرمدي أي أنه أزليٌ وأبديٌ، يعني أنه موجود من  الماضي البعيد وسيستمر حتى ما لانهاية، بمعنى آخر لا بداية للكون ولا نهاية له، وهذا الطرح لم يكن جديداً علينا كفيزيائيين، لأننا نعرف أن كثيراً من الفلاسفة وعلماء "الكلام" نادوا به، وكان راسخاً أيضا في قلب بعض المعتقدات الدينية عند بعض الشعوب، إلا أن ما ميزَّ طرح "هويل وزملائه"؛ أنه استند إلى ملاحظات علمية بناءً على أدوات القياس المتاحة وقتها، وأن النظرية التي جاء بها "هويل" كانت ناتجة من عمل علمي وملاحظات ورصدٍ مستندٍ إلى منهجية علمية.

أين أخفقت نظرية الحالة الثابتة للمادة ؟ 

إن تصور هؤلاء العلماء القائم على أن الكون لا بداية له ولن تكون له نهاية، اصطدم بالنتيجة التي توصل لها العالِم الأمريكي "إدوين هابل" بأن الكون يتمدد وأن المجرات تتباعد عن بعضها البعض بسرعة "خرافية"، لكنهم قالوا أن هذا كله لا يؤثر في صلب نظريتهم، لأنه حسب "الحالة الثابتة" فالكون الثابت، كثافته ثابتة، وتمدد الكون وزيادة حجمه لا بغير قيمة الثابت الكوني، والسبب حسب النظرية أن الكون يُنشِئ مادة جديدة للمحافظة على ثابت الكثافة الكوني، وأن كل عمليات الولادة الجديدة للنجوم والسدم والمجرات هي عبارة عن رد فعل طبيعي ليحافظ على حالة الاتزان بين المادة والفراغ في الكون، رغم هذه الفرضيات الضعيفة إلا أننا كفيزيائيين لا يمكننا إنكار الحسابات التي قام بها "هويل" وزملاؤه لتفسير نشأة ووفرة كل العناصر الأثقل من الهيدروجين في الكون، ولكن كان أول فشل للنظرية هو عدم قدرتها على تفسير نشوء الهيدروجين والهيليوم وكمياتهم الضخمة في الكون.

نظرية الانفجار العظيم تنتصر 

في الوقت الذي فشلت فيه نظرية الحالة الثابتة للمادة في تفسير نشوء الهيدروجين والهيليوم ، نجحت نظرية الانفجار العظيم (Big Bang theory) في أن تقدم تفسيراً جيداً ومنطقياً لكميات الهيدروجين الكبيرة في الكون، باعتبار أن الكون بدأ أصلاً من متفردة صغيرة جداً انفجرت وتمددت ترليونات المرات خلال أجزاء من البليون من الثانية، وبعدها بدأ ظهور الجسيمات دون الذرية مثل كواركات وفيرمونات وبعدها تكونت القوى الطبيعية، ما أدى إلى إنتاج ذرة الهيدروجين الأولى وهذا يؤكد بوضوح أن هناك نقطة بداية نشأ منها الكون الذي نعيش فيه، ويخالف أزلية الحالة الثابتة للمادة، أيضا نشأت أجرام كونية غريبة جداً حتى على العلماء في تلك الفترة ولم تقدم نظرية الحالة الثابتة  تفسير لأي منها.
طبعاً ظل الوسط العلمي منقسم بين مؤيد ومعارض حتى عام 1965 عندما رصد العالم "ويسلون" إشعاع الخلفية الكوني لأول مرة حيث كان أثراً ودليلا واضحاً ودامغاً على حدوث الانفجار العظيم!

تحليل

إذا قبلنا فكرة أبدية الكون، هذا يعني أنه إذا استمر الكون بالتمدد فعند نقطة في المستقبل سيصل الكون إلى حالة أنتروبي قصوى، يعني أن الحرارة تتوزع بالتساوي في الكون، وعند اتساع الكون بشكل كبير سيبرد، ومن ممكن أن يصل درجة الصفر المطلق، وحسب القانون الثاني للديناميكا الحرارية، سيموت الكون حرارياً.

يبدو من الواضح الآن أن الكون ليس أبدياً إطلاقاً، لكنه محكوم ببداية وسيكون له سيناريو للنهاية، ويمكن حساب تاريخ بدايته، فحسب افضل الحسابات الموجودة حالياً يُقدَّر عمر الكون بحوالي 13.7 مليار سنة!

تدقيق لغوي: فراس كالو


المصادر
wired.co.uk
britannica.com

المادة المظلمة؛ ما بعد نموذج موند (MOND) !

0

المادة المظلمة؛ ما بعد نموذج موند (MOND) !

إعداد: رائد الريموني


رحلةُ البحثِ في الكون مستمرةٌ لا تعرفُ التوقفَ، ففي عام 1932؛ ظهر لأول مرةٍ افتراضُ وجود كتلةٍ مفقودةٍ وغير مرصودةٍ في الكون تحت مسمى المادة المظلمة "Dark matter".

كان "جان أورت" قد افترضها آنذاك لتفسير حسابات السرعات المدارية للنجوم في مجرة درب التبانة، وافترضها "زفيكي" فيما بعد للحصول على دليلٍ حول "الكتلة المفقودة" للسرعات المدارية للمجرات في عناقيد المجرات "clusters"، وعندما قام العلماء بمقارنة منحنيات الدوران "rotational curves" للمجرات مع كمية المادة المضيئة الفعلية الموجودة في المجرة، فكان لا بدَّ من افتراض وجود مادةٍ خفيةٍ "مظلمةٍ" وغير مرصودةٍ تساهم في ثبات سرعةِ الدوران كلما ابتعدنا عن مركز المجرة. وقد أشارت هذه الملاحظات إلى وجود المادة المظلمة في الكون!

وقد استدلَّ العلماء على وجود المادة المظلمة من آثار الجاذبية التي تمارسها على المادة المرئية وتشكل عدسات الجاذبية لإشعاع الخلفية، وكما أشرنا؛ فقد افترضنا أساساً لتفسير الفرق بين كتلةِ المجرات والعناقيد المحسوبة من خلال قوانين الحركة والنسبية العامة، وبين الكتلة المحسوبة اعتماداً على كتلة المادة المرئية "المضيئة" المرصودة والموجودة في المجرات كالنجوم والغازات والغبار بين النجوم.

ورغم أنها قدَّمت تفسيراً "مريحاً" للتشوهات الموجودة في منحنيات الدوران إلا أنَّ عملية اكتشافها لا تزال لغزاً محيراً، فالمادة المظلمة التي تحمل خصائص مختلفة ولا تشبه أيَّةَ مادةٍ نعرفها في هذا الكون، تخترق البلايين من هذه الجسيمات الغريبة أيَّ شيءٍ يعترض طريقها في كل ثانيةٍ، والتي تعتبر ثقيلةً جداً وتملك قوة جذبٍ هائلةٍ وتحافظ على تماسك المجرات وتؤثر في تكوينها وسرعة دورانها أيضاً، إلا أن أكثر خصائص هذه المادة غرابةً هي عدم تفاعلها مع الضوء وعدم إصدارها لأيِّ إشعاعٍ كهرومغناطيسيٍ، مما يعني أنها تتكون من جسيماتٍ غير مشحونة! مما زاد اللغز تعقيداً، وفشلت آلاف التجارب في مختبرات فيزياء الجسيمات حتى اللحظة في اكتشاف طبيعة هذه المادة المعقدة!.

بعد كل تلك المحاولات، قدَّم العلماءُ نموذجاً آخرَ لتفسير هذا التباين في منحنيات الدوران التي تصف سرعات دوران المجرات افتراضياً عن تلك المقاسة والمرصودة عملياً.

نموذج موند (MOND: Modified Newtonian Dynamics)

وفي عام 1983؛ نشر العالم "مردهاي ميلغرام" ورقةً بحثيةً؛ ناقش فيها نظريةً لتفسير خصائصِ المجرات المرصودة عملياً، ميلغرام أكَّد أنَّ التباينَ في سرعة دوران المجرات كان أكبر بكثيرٍ مما هو متوقَّعٌ، وأنَّ عجزَ الكتلةِ المرئيةِ عن تفسير حركة المجرات كان مرتبطاً بعدم فعالية قوانين الفيزياء الكلاسيكية حتى النسبية.

وقد قدمتِ النظريةُ تفسيراً لحلِّ هذه المشكلة دون اللجوء لافتراض وجود أي مادةٍ غير مرئيةٍ حول المجرات أو في مركزها، إنما من خلالِ تعديلٍ بسيطٍ في قوانين نيوتن، بافتراض أنَّ النجوم التي تتحرك بعيدةً عن المركز؛ فإنَّ قوةَ الجاذبيةِ المؤثرة عليها تتناسبُ مع مربَّع تسارع الجاذبية، وليس مع تسارع الجاذبية كما هو قانون نيوتن الثاني، ونموذج موند "Mond" باختصارٍ؛ هو نظامٌ رياضيٌّ يفرضُ تعديلاتٍ بسيطةً على معادلات نيوتن وقانون الجذب العام، لتكون بديلاً عن افتراض أنَّ سرعة الدوران داخل وخارج المجرة تتأثر بواسطة مادة مظلمة غير مرصودة تتوزع داخل وخارج المجرة.

وحتى الآن؛ فقد استطاع النموذج تفسير بعض الظواهر التي تحدث في المجرات وكان من الصعب تفسيرها من خلال المادة المظلمة، ويواجه هذا النموذج اليوم مشكلةً وحيدةً بأنه لا يزال غيرَ قادرٍ على تحقيق مبدأ حفظ الزخمِ والطاقة، وقد ظهرت حديثاً نظريةٌ في الفيزياء تسمى الجاذبية الإنتروبية "Entropic gravity" تؤكِّد على صحة نموذج "Mond"؛ حيث تتنبأ النظرية بأن الجاذبية تتناسب عكساً مع المسافة كبديلٍ عن قانون التربيع العكسي.

هناك العديدُ من الباحثين حول العالم ما زالوا يحاولون الوصول بالنموذج إلى صورته النهائية للوصول إلى تفسيرٍ جيدٍ وحلٍّ جذريٍّ لمشكلة "المادة المظلمة". ويبدو أن مستقبل نموذج "مردهاي ميلغرام" أقرب وأكثر منطقيةً لحل المسألة وتقديم تفسيراتٍ منطقيةٍ لظواهر مَجرّيّةٍ دونَ الحاجة لافتراض وجود مادةٍ وعدم القدرة على رصدها من غيره من النماذج.

المصادر
https://arxiv.org/abs/1605.04909
https://arxiv.org/abs/0710.1411
https://www.forbes.com/sites/startswithabang/2017/02/28/is-dark-matter-about-to-be-killed-by-emergent-gravity/#355414653591

تدقيق لغوي: محمد طحان


علماء يصنعون الهيدروجين المعدني السائل والصلب !

0

علماء يصنعون الهيدروجين المعدني السائل والصلب !


ما زال العنصر الأول في الجدول الدوري (الهيدروجين) يدهش العلماء ويدهشنا؛ بسبب خواصه الفريدة، ويضاف إليها خاصية جديدة وهي إمكانية تحول هذا العنصر إلى معدن!

يتواجد الهيدروجين في طبيعته بحالة غازية في درجة حرارة الغرفة وتحت الضغط الجوي، لكنه يصبح صلباً إذا تعرض لضغطٍ شديد، أو درجات حرارة منخفضة، كما قد يتحول إلى سائل إذا أضُيفت الحرارة إلى الضغط، لكن الذي أثار دهشة العلماء هو قدرته المحتملة -نظرياً- على التحول إلى معدن صلب إذا فُرضت عليه ظروف أكثر تطرفاً من المذكورة سابقاً.

وتحويل الهيدروجين إلى معدن ليس بالعملية السهلة التي يأملها العلماء، ويتواجد حالياً فريقان من العلماء يستخدمان أساليب متباينة في مختبرات متخصصة للغاية، وهذان الفريقان إما يستخدمان نبضات كهربائية قوية جداً، أو يقذفان الهيدروجين بالليزر، أو أنهما يستخدمان ألماساً شديد التحمل لضغط الهيدروجين.

ورغم أن الفريقين كانا في سباق لتحويل الهيدروجين السائل، أو الصلب إلى صورة معدنية فإن لكل منهما أهدافاً مختلفة.
فأحد الفريقين سعى لتحويل الهيدروجين إلى معدن صلب موصل فائق للكهرباء والطاقة، وقد كانت الإختبارات التي جرت في يناير/كانون الثاني واعدة بهذا الخصوص.

ووفقاً للفيزيائي إسحاق سيلفيرا؛ رئيس وحدة الهيدروجين المعدني في جامعة هارفارد، فإن هذا الإنجاز سيكون ثورياً؛ حيث تمكن الفريق من إعلان نتائجه متوصلاً لهذه الحالة المحيرة من هذا العنصر الغريب !

وقد أظهرت تجاربهم أكثر الأدلة إقناعاً حتى الآن على السلوك المعدني للهيدروجين، لكنه كان بشكل هيدروجين معدني سائل، وفي حال إنتاج هيدروجين معدني قادر على الإحتفاظ بصورته المعدنية بعد تعرضه لضغط شديد، فإن العنصرُ المنتج عندئذٍ سيحمل صفات الموصل الفائق الذي يعمل في درجة حرارة الغرفة، والموصل الفائق هو الذي لا يفقد أي إلكترون عند نقل الطاقة، وقد تمكن العلماء سابقاً من الوصول لحالة التوصيل الفائق عن طريق تبريد بعض العناصر إلى درجة حرارة دون 14.01 كلفن، أي ما يعادل -259.14° درجة مئوية.

وللهيدروجين الصلب كثافة مقدارها 0.086 غ/سم3، مما يجعله واحداً من أقل الأجسام الصلبة كثافةً، ومثل كل المعادن فإنه سيكون موصلاً قيماً للطاقة، وربما أكثرها كفاءةً على الإطلاق، لأنه سيكون موصلاً فائقاً للكهرباء، وسيملك استخدامات لا تحصى يمكن أن تؤثر على التقنية وحياة الإنسان، ما يعد بنقلة نوعية في حياتنا البشرية.

وعلى صعيد آخر؛ يتطلع العلماء إلى ما هو أبعد من ذلك حيث يضعون الفضاء نصب أعينهم، إذ بإمكان الهيدروجين المعدني السائل الإجابة على كثير من الأسئلة المحيرة حول الكواكب الغازية العملاقة والتي تمتلئ بالهيدروجين في محاوله منهم لإيجاد تفسير منطقي يقودنا كفيزيائيين لفهم كيفية تشكل وتبلور الكون الذي نراه حالياً.

المصادر:
nature.com
journals.aps.org

تدقيق لغوي: محمد مرتجى

هل يؤدي تصادم بروتونين إلى تشكل ثقبٍ أسود ؟!

0

هل يؤدي تصادم بروتونين إلى تشكل ثقبٍ أسود ؟!


هل سيكون الخيال الفيزيائي سبباً لدمار الكون، أم سيكون مدخلاً لتفسير تكون الكون المعقد؟! هذا ما سنعرفه في هذه المقالة.

ينوي الباحثون في مركز البحوث الفيزيائية في المنظمة الأوروبية للعلوم النووية (سيرن CERN)، ينوون تشغيل المصادم الهيدروني الكبير بطاقة قصوى تبلغ 30 تيرا إلكتروفولت (30 TeV) بحلول عام 2030، ومن خلالها سيتم إجراء تجربة تصادم بروتونين بطاقة تفوق كل ماسبقها، فماذا قد يترتب على هذه التجربة؟

بدايةً إن الهدف المتعلق بهذه التجارب هو البحث عن تفسيرٍ حقيقي لنشأة الكون من خلال اكتشاف جسيماتٍ أولية لفهمٍ أعمق لبناءِ الكون والزمكان والتأثير الكمومي، وارتباط كل ما سبق ذكرهُ مع النظرية النسبية لأينشتاين.

حسب التوقعات الحسابية الفيزيائية ستُقدِم هذه الجسيمات من وجهة نظرنا كفيزيائيين تفسيراتٍ لبعض الظواهر الكونية التي ما زالت تشكل معضلة، وحقول بحث حتى اللحظة.

نظرياً تُعد هذه التجربة من أخطر التجارب التي ستنفذ على وجه الارض بسبب الطاقة الكبيرة التي سوف ينتجها المصادم، ولكن من وجهة نظرنا كباحثين في علوم الفلك والفضاء الفيزيائية، فالأمر مختلف قليلاً.

كباحثٍ فيزيائي وبالعودة إلى معلوماتي عن الفضاء الكوني الصغير وكتلة الثقب الأسود، وبالرجوع إلى نصف قطر شوارزشيلد، فإن الكون ينقسم إلى قسمين:

الفضاء الكوني الكبير المكون من الكواكب والنجوم والمجرات، والذي يُعبَّر عنه بالأعداد الصحيحة،
ولدينا أيضاً كمحاكاة ونمذجة فيزيائية عملية الفضاء الكوني الصغير المكون من البروتونات والنيوترونات والميزونات والكواركات، والذي يعبر عنه باستخدام الأعداد المركبة التخيلية (complex number) وكما تسبح الكواكب والمجرات والنجوم في الفضاء المعروف لدينا، والذي يعمل بنظام محدد وخاضعة لقوانين صارمة أيضاً فإن الجسيمات الأولية تسبح في فضاءٍ خاص بها، وهو الفضاء الكوني الصغير، وبنفس الآلية تخضع أيضاً لقوانين صارمة تحكمها.

وكما أن الفضاء الكوني الكبير يسمح بتكوين الثقوب السوداء عن طريق انفجارٍ هائل للنجوم، فإن الفضاء الكوني الصغير يسمح بذلك أيضاً والأمر هنا يتعلق بكمية فيزيائية حقيقية تسمى نصف قطر شوارزشيلد الذي يعتبر أقل نصف قطر يسمح للمادة بالبقاء في صورتها المستقرة قبل أن تنهار على نفسها وتتحول لثقب أسود.

ولكن هل يمكن أن تتحول الأرض إلى ثقبٍ أسود بسبب تجربة كهذه؟

نظرياً، نصف قطر شوارزشيلد للأرض يساوي 9 ملم، هذا يعني أنه إذا تم ضغط كوكب الأرض بطريقة معينة بحيث يكون نصف قطرها أقل من 9 ملم، فسوف تتحول الأرض لثقب أسود ذي كثافةٍ وكتلةٍ عالية وجاذبية لانهائية تجذب كل ما حولها؛ بغير ذلك لاتقلقوا لن تتحول الأرض إلى ثقبٍ أسود.

إذاً فالشرط المسبق لتكون الثقوب السوداء الموجودة في الكون هو أن تكون أقل من نصف قطر شوارزشيلد، وبالتالي تتحول هذه النجوم أو الأجرام إلى ثقبٍ أسود.

الآن نتجه إلى ما سميناه بالفضاء الكوني الصغير، فإن إجراء تجربة تصادم بروتونين بطاقة قصوى كفيلٌ بتدمير الفضاء الكوني الصغير المستخدم في التجربة إلى جُسيماتٍ أولية دقيقة مختلفة، وفي تجربة أجريت هذا العام في مصادم الهادرونات الكبير (LHC) تسبب تصادم بروتون-بروتون في تكون أزواج فوتون.

إن العالم الذري الدقيق يحتوي على طاقة قد تكون أكبر بكثير مما نتوقع، ولكنها تخرج لنا في صورٍ مُختلفة عن الصورة الأولية التي نألفها، أيضاً علينا ألا ننسى الطاقة الكبيرة التي من الصعب تصورها والمستخدمة في إجراء هذه التجارب.
بعض العلماء يقولون أن نتائج التصادم هي وابلٌ من جميع أنواع الجسيمات وغيرها التي كانت موجودة فقط بعد الانفجار الكبير.

والخطر الحقيقي في تنفيذ تجارب كهذه؛ هو تكون الثقوب السوداء بطريقةٍ ما؛ عند تدمير المادة الموجودة في الفضاء الكوني الصغير، أو العالم ما دون الذري، فبالإضافة إلى تكون جُسيماتٍ أولية دقيقة، قد تنهار تلك الجسيمات على نفسها وتنجذب وتنضغط؛ لتتعدى مادتها المضغوطة نصف قطر شوارزشيلد، وهنا حتماً سوف تتحول إلى ثقوب سوداء ستشكل خطراً على المادة الموجودة في الأرض والكون.

ثقوبٌ سوداء مثل هذه قد تبتلع المادة تدريجياً وعلى مراحل؛ حيث تبدأ المادة بالتفكك ثم الانهيار بالتدريج، وحسب نظريات الثقوب السوداء فإن هذا سيجعل كوكب الأرض بالكامل عُرضةً للانهيار على نفسه، بعد أن يقوم الثقب الأسود الصغير بابتلاع كل الطاقة الموجودة ثم انهيار المادة المحيطة، وتلاشيها.

مع كل هذا التعقيد العلمي الكبير سيبقى ما ستؤدي إليه تجربة كهذه لغزاً لا يمكن التنبؤ به، وهذا التصور إذا ما نجح سيكون بنكاً كاملاً غنياً بالجسيمات الأولية التي يمكن أن تفسر لنا ما هي المادة المضادة وتكوين الكون، ولكن هل سنملك وقتاً لنعرف هذا في حال تحولت التجربة إلى كارثة كما ذكرنا آنفاً؟!

المصادر:
journals.aps.org
profmattstrassler.com

تدقيق علمي وتعديل: فراس كالو

ما هي القوة التدميرية للقنبلة النووية ؟

0

ما هي القوة التدميرية للقنبلة النووية ؟


سؤال قد يراود البعض؛ ما هي القوة التدميرية للقنبلة النووية ؟ والإجابة عليه في السطور القادمة، ابقوا معنا..

بدايةً هل تعلم أن قنبلة نووية واحدة كافية لإزالة ومحو مدينة كاملة عن وجه الأرض؟، ما يجعل امتلاك السلاح النووي مصدراً حقيقياً للرعب في عصرنا الحالي.

وعلى الرغم من أن قوة القنبلة العادية تكمن في طاقة وقوة انفجارها؛ إلا أن الوضع يختلف في حالة القنبلة النووية؛ لأن طاقة انفجارها لا تشكل سوى 50% فقط من قوتها؛ بينما يتوزع الباقي على شكل حرارة هائلة وإشعاع، ونبضة كهرومغناطيسية هائلة وقاتلة.

والآن نبدأ بالحديث عن القوة التدميرية للقنبلة النووية، فحين تنفجر القنبلة النووية تتسبب في تكون موجة ضغط هائلة جداً جداً تُدمِر كُل ما يقف في وجهها، وتنتشر هذه الموجة حول مركز الانفجار بسرعة كبيرة جداً تفوق سرعة الصوت، وتبدأ سرعتها تقل تدريجياً كلما ابتعدنا عن مركز الانفجار، والسؤال الآن: ماذا تفعل موجة الضغط هذه؟

لنأخذ مثالاً مصغراً عن القوة التدميرية لقنبلة من الـ(TNT) بقوة 20 كيلوطن؛ ماذا تُحدِث ؟


على مسافة 1 كم من مركز الانفجار ستشكل منطقة ضغط هائلة في كل الاتجاهات يؤدي مباشرة إلى تهتك في المباني وأضرار كبيرة في أنسجة الجسم، وتمزقها وفصل الأعضاء عن بعضها البعض والوفيات بمئات الالاف !

وعلى بعد 1.5 كم من مركز الانفجار سيحدث ارتباك عام في أجهزة الجسم مع نزيف شديد في عامة الجسم وكسور شديدة وآلام في المفاصل والأطراف.

وعلى بعد 2 كم من الانفجار سيحدث ارتباك في كل الجهاز العضوي البشري وفقدان للوعي والتركيز وعدم القدرة على النطق ونزيف وكسور شديدين؛ هذا التأثير السريع والمفاجئ قادر على قتل الآلاف من الناس خلال الساعة الأولى من الانفجار.

تخيلوا حجم الدمار الذي قد تسببه قوة تفجير قنبلة نووية تفوق القدرات السابقة بخمسين مرة!!

لقد تسببت قنبلتي هيروشيما وناغازاكي اللتان ألقتهما الولايات المتحدة الأمريكية على اليابان عام 1945، تسببتا بقتل 140.000 شخص خلال اللحظة الأولى من الانفجار، ولم تتعدى قدرتهما التفجيريه الـ18 كيلوطن أي أضعف بحوالي 52 مرة من القنابل النووية المصنعة حاليا، والتي تصل قدرتها التفجيرية إلى 1 ميجا طن؛ هذه الآفة والقاتل المروع أكثر!

إن طاقة الإنفجار (Blast energy) تشكل 50% فقط من القوة التدميرية للقنبلة النووية، ولتكتمل معالم الرعب أكثر؛ تذهب ما نسبته 35% من قوتها على شكل طاقة حرارية (Thermal energy) مرعبة، وما نسبته 15% على صورة تلوث إشعاعي نووي (Nuclear radiation) يستهدف أجيال قد تمتد إلى مئات السنين.


إذ يتسبب الإشعاع الحراري الناتج عن انفجار القنبلة النووية بإطلاق موجة حرارية هائلة وقاتلة تصل درجة حرارتها إلى 300.000ْ درجة مئوية؛ وينتقل هذا التأثير الحراري المرعب على صورة موجة تصيب كل من يعترض طريقها في دائرة نصف قطرها يصل إلى 50 كم من مركز الانفجار !

أما الخاصية المدمرة الأخيرة؛ والتي تسمى الإشعاع النووي؛ فإن انفجار القنبلة النووية يتسبب في إطلاق سيل من أشعة غاما والنيوترونات غير المرئية في أجزاء من الثانية الأولى للانفجار؛ مُعلِنةً عن حقبة من التلوث الإشعاعي يمتد إلى مئات السنين، ويتسبب في حدوث خلل بيولوجي وحيوي وبيئي؛ يؤدي إلى وفاة الملايين وخسارة الآلاف من الدونمات من الأراضي الملوثة إشعاعياً !

المصادر:
pitara.com
dosomething.org
atomicarchive.com

تدقيق وتعديل: فراس كالو

لأول مرة؛ رصد التغيرات على المستوى الذري بدقة زيبتو ثانية !

0

لأول مرة؛ رصد التغيرات على المستوى الذري بدقة زيبتو ثانية !


رصد العلماء الألمان ولأول مرة؛ تغيرات على المستوى الذري بدقة زيبتو ثانية؛ ففي حالات التأيين الضوئي؛ عندما يضرب الضوء اثنين من إلكترونات ذرة الهيليوم، فيجب على المراقب أن يكون سريعاً بشكلٍ لا يصدق لمراقبة ما يحدث؛ لأن تغيرات سوف تحدث خلال فترة زمنية قصيرة جداً جداً جداً.

وهنا يأتي دور ميكانيكا الكم، إذ تمكن علماء فيزياء الليزر في معهد ماكس بلانك للبصريات الكمية (MPQ)، في الجامعة التقنية في ميونيخ (TUM) وجامعة لودفيغ ماكسيميليان (LMU) ميونيخ، وباستخدام طريقة قياس محسنة، تمكنوا من قياس هذا الحدث لأول مرة بدقة زمنية بالغة الدقة؛ وصلت إلى 850 زيبتو ثانية!

زيبتو ثانية (zeptosecond) 

والزيبتو ثانية هو الوقت اللازم لهروب الإلكترون من ذرته، ويساوي واحداً على تريليون مليار من الثانية أي (10^-21 ثانية).
وستُمكِّن تجارب القياس الدقيقة في زمن الزيبتو ثانية؛ في فهم أكبر لميكانيكا الكم، وتفتح آفاق جديدة في هذا المجال!

المصدر:
ph.tum.de

مراجعة: الفيزيائي رائد الريموني

البعد الرابع ونظرية الأوتار !

0

البعد الرابع ونظرية الأوتار !


جميعنا يعلم وجود ثلاثة أبعاد مكانية رئيسية هي (س،ص،ع)؛ ولكن هل هناك بعدٌ رابع؟
لو تخيلنا أنك متجه بالصورة التالية (س،ص،ع،ك)؛ فَهل البُعد الرابع (ك) موجود فعلاً أم أن الكون مؤلف من ثلاثة أبعاد فقط؟

الجواب هو نعم يوجد بعدٌ رابعٌ في الكون، ولكنه ليس مكاني بل زمانيٌّ، فاذا قُلنا أن البُعد الرابع زماني، فإنه بإمكاننا تَخيُّل الوضع وكأنهُ سلسلة أحداثٍ أو مشاهد من فيلم، ذلك أن شكل الجسم في لحظة معينة قد يختلف عن اللحظة التي تليها، وأقصدُ بشكل الجسم حالته الفيزيائية من حيث ارتباط الموقع مع الزمن.

والسببُ لذلك بسيطٌ جداً، لأن البعد الرابع (الزمن) مستقلٌ ونسبيٌّ حسبَ تعريف أينشتاين للزمن؛ فإن الزمن قد يختلف باِختلاف المُراقِب ،فَمُمكِن أن يمضي على جسم من بداية حركته 5 ثوانٍ؛ بينما تمضي نفسها بالنسبة لجسمٍ آخر على أنها 3 ثوانٍ؛ والسبب أن الزمن نسبيٌّ لِمن يقيسهُ، وهذا البعد الذي تطرق له أينشتاين في نظريته النسبية.
السؤال الآن هل يمكن أن يكونَ البُعد الرابع مكانياً؟

لنأخذ مثالاً بسيطاً لو قلت أنني أملك قطعة مُستقيمة؛ وهي عبارةٌ عن عددٍ لا نهائي من النقاط المُرتبة في بُعدٍ واحدٍ، ولو قُلت أن الأجسام ثنائية الأبعاد كالمُثلث والمُربع فهي تتألف فعلاً من مجموعةٍ مِن قطعٍ مُستقيمةٍ وكل هذه الأجسام تعيشُ في عالمٍ ثُنائي الأبعاد، وترى بعضها البعض كخطوط مستقيمة؛ فهي تؤلف البعدين (س،ص) السيني والصادي فقط، وتَبَرمَّجَ عقلها على أن الكون مؤلفٌ مِن بُعدين فقط !

وتستطيع كل هذه الأجسام التحرُك بِحُريةٍ داخلهما فقط يساراً ويميناً، ولكن لا تستطيع أن تتخيلَ أبداً الاتجاهين الأعلى والأسفل؛ لذلك دائماً الأجسامُ ذات الأبعاد الأعلى تستطيع رؤية الأجسام في البعدِ الأقل منها بكلِ وضوحٍ وملاحظة الحركة ورصدَها بشكلٍ واضحٍ جداً، والعكس غيرُ ممكنٍ أبداً فإذا مرَّ جسمٌ ثلاثي الأبعاد من العالم الثنائي الابعاد فإن جميع الأجسام داخل العالم ثُنائي الأبعاد لن تستطيع أن تراهُ أو تتخيله على حقيقته، وسوفَ ترى مسقطَهُ وانعكاسَهُ لديها فقط؛ فتلاحظهُ وكأنهُ خطٌ مستقيم !
هل وصلتكم الفكرة :) ؟

من هنا لا أستطيع أن أقول إلا أن فكرةَ وجودِ بُعدٍ رابع مكانيّ هي فكرة غير مقبولة منطقياً وفيزيائياً، وإذا كان الجسمُ رباعي الأبعاد موجوداً، فإننا لن نستطيع أن نرى منه في عالمنا هذا سوى انعكاسه فقط!

الحديثُ عن مفهومِ البُعدِ الرابع الزمانيّ مكانيّاً ما هو إلا فلسفة منطقية لا يوجد لها استناد علمي أو مُعادلاتٍ رياضية جبرية تؤيد مفهوم البُعد الرابع مكاناً، ولكن نظرية الأوتار (فرضية) أو ما يعرف باسم (string theory) التي تفترض أن المادة مكونةٌ من أوتارٍ صغيرةٍ من الطاقة، والتي تعتبر أيضاً أن القوتين الكهرومغناطيسية، والجاذبية قوة واحدة؛ قائمة افتراضاً على وجود إحدى عشرَ بُعداً: الأبعاد الثلاثة التي تحدثُت عنها سابقاً (س،ص،ع) والزمن (ز)، وسبعة أبعادٍ أخرى.

إلا أن هذه النظرية (الفرضية) ما زالت قيدَ التطوير، وغير مُثبتة، وهي مبنية أيضاً على فرضٍ آخر؛ وهو أن عالمنا المُكوَّن مِن ثلاثةِ أبعاد مُتجاورٌ مع عوالِم أخرى، وهذا ما يُكّوِن البُعد الرابع، كما أن عالمنا ثلاثي الأبعاد يتكونُ مِن عوالم لانهائية ثنائيه الأبعاد.
وقد أثبتت التجارب العلمية الخاصة المُتعلِقة بِمُعادلةِ انتشار الموجات أنه لابُدَّ وأن يكونَ الزمنُ هو البعد الرابع المرافق للأبعاد الثلاثة الرئيسية.

إذاً الزمان والمكان هما الأصل لتركيبٍ فضائيٍّ واحدٍ رُباعي الأبعاد يسمى وصف مينكوسكي أو الزمكان، حيث أن كُل مُتغيرٍ داخل الزمكان يشتق بدلالة الأبعاد الأربعة وليس فقط بدلالة الزمن كما هو معروف كلاسيكياً.
إذاً في الزمكان الطاقة الحركية وزخمُ الحركة لهما أصلٌ واحدٌ وهو مقدار رباعي الأبعاد؛ البُعد الزماني له يمثل الطاقة الحركية، والبُعد المكاني له يمثل زخم الحركة وهكذا..

فهو مفهوم ينطبقٌ على كثيرٍ مِن المقادير الفيزيائية كما أن لِكُلِ مقدارٍ فيزيائيٍّ في هذا الزمكان مُرافقٌ؛ بمعنى أن كُل قيمة ومقدار فيزيائي فيه هو ناتجٌ مِن مركبتين من الزمان والمكان؛ فعلى سبيل المثال: السرعة مُرافِقة للطاقة، والكتلة مُرافِقة للزخم، والضغط مرافق للحجم؛ وأي اشتقاقٍ بين أي مقدارٍ فيزيائيٍّ ومُرافقه بالنسبة لأحد المركبتين داخل الزمكان سيعطي حتماً قيمه فيزيائيه حقيقية مُعلِناً عن أن البُعد الرابع زمانياً مُرتبِط ارتباطاً وثيقاً بالمِكان والنسبة بينهما دائماً منطقيةٌ لتكوين علاقةٍ لوجستية بين الزمن والسرعة!

المصادر:
pbs.org
universetoday.com

مراجعة وتعديل: فراس كالو

هل الإندماج النووي ممكنٌ على الأرض ؟

0

هل الإندماج النووي ممكنٌ على الأرض ؟


جميعنا يعلم أن النوع الشائع مِن المُفاعلِات النووية هي تلك المفاعلات القائمة على فكرة الانشطار النووي، والقائمة على وجود كتلة لازمة من النظير المُشِع غير المستقر مثل اليورانيوم أو البلوتونيوم؛ مع وجود عدد مناسب من النيوترونات البطيئة؛ التي تقوم تتصادم مع ذرات النظير، وعادةً ما يكون ناتج هذه العملية من 2-3 نيوترونات تساعد في جعل التفاعل متسلسلا، وينتج عن انشطار النواة الأم نواتين اقل كتلةً من النواة الأم؛ وهما عادةً الكربتون والباريوم، ويوفر هذا التفاعل قدراً هائلاً من الطاقة يبلغ مقداره نحو 200 مليون الكترون فولت عند انشطار نواة يورانيوم واحدة.

هذه الطاقة تستخدم في توليد الطاقة الكهربائية وتوفير نظائر مشعة للتصنيع العسكري، وتعتبر هذه الطريقة من أفضل الطرق الحديثة المستخدمة لإنتاج الطاقة، كما أثبتت نجاحاً كبيراً في توفير كميةً أكبر بكثير من الطاقة المستخدمة في تشغيل المُفاعِل؛ إلا أنها تُعَد من أخطرِ الطرق وأقلها أماناً حيثُ ينتجُ من هذه العملية كَمَّاً هائِلاً من الإشعاعات الضارة؛ أهمها: الفوتونات ذات الطاقة العالية (أشعه غاما)، بالإضافة إلى جسيماتٍ مثل ألفا و بيتا، ونتيجةً لذلك يتجه العلماء الى استحداثِ طُرقٍ أكثر أماناً من حيث الإستخدام، وأقلَ تكلفةً لتطوير أنظمةِ مُفاعلاتٍ لا تستخدم التبريد بل تعتمد التسخين ورفعِ درجةِ الحرارة ذاتياً لاستمرارِ التفاعُلِ وتوليدِ الطاقة بشكلٍ مُستمرٍ فهل سيكون ذلك ممكناً على كوكبنا الصغير؟

يتجهُ العُلماء الآن نحو بناءِ مُفاعلاتٍ تعتمد الاندماج النووي كطريقةٍ عمليةٍ لتشغيل المحطاتِ النووية بما يسمى (التوكاماك) وهو نوعٌ من أنواع المفاعلات الاندماجية الروسية والتي تعني الغُرف الدائرية داخل المستحاثات المغناطيسية.

لكن الاندماج النووي؛ كما نعلم جميعنا؛ يحتاج إلى طاقة كبيرة جداً ليحدث؛ لذلك فهو حصريٌ للنجوم والكواكب؛ فهل سيكون ذلك ممكناً على كوكبنا الجميل ؟ 


يقوم المبدأ على استخدامِ البلازما الموصوفة بأنها غازٌ مُتأين تكون فيه الإلكترونات حرة وغير مرتبطة بالذرة حيث يتم رفع درجة حرارتها إلى الحرارة اللازمة للاندماج؛ وبما أن البلازما ذاتُ حرارةٍ مرتفعة جداً فيجب فصلها وإبعادها، وجعلها لا تلامس مكونات المفاعل وإلا سوف يتلف، وهذه أولى السلبيات.

لذلك الفكرة تنحصر في استخدام مغناطيسات تولِد مجالاتٍ مغناطيسيةٍ كبيرةٍ لِجعل البلازما دائماً في مسارٍ دائريٍّ، وتكمنُ الصعوبة في هذا النموذج في الحفاظ على تواصل التفاعل؛ حيثُ أن اختلاف السرعاتِ بين طبقاتِ البلازما تُسببُ تداخلاتٍ تُقلِل من درجة حرارةِ البلازما؛ مما يتطلبُ جعلَ الحقل المغناطيسي على شكلً لولبي، ولا يتم ذلك إلا عن طريق تمريرِ تيارٍ كهربائي في البلازما لرفع درجة حرارتها، وتقليلِ التداخلاتِ التي تُساهم في عملية التبريد، ذلك ما يجعلُ تشغيلَ هذه المفاعلات لفتراتٍ طويلةٍ واستمرارية التفاعل غير ممكناً، ويجعل استغلاله اقتصادياً أيضاً غير ممكنٍ إلى هذه اللحظة؛ حيثُ يعمل بشكلٍ متقطعٍ لا يُؤَمِنُ إلا كمية الطاقة المستهلكة في التشغيل، وهذا غير كافٍ ليكون هذا النظام جاهزا للاستخدام في مجال توليد الطاقة الكهربائية؛ ما يجعل الاندماج النووي في المفاعلات النووية مجالاً للبحث لا للتطبيق إلى هذه اللحظة.

ويسعى علماء الفيزياء حالياً إلى تطوير أنظمة جديدة مثل (الستيلاراتور)؛ بتصميمٍ هندسيًّ مُعقد دون الحاجة لاستخدام تياراتٍ كهربائية ضخمة لرفع درجة حرارة البلازما للاندماج، ويبقى إثبات إمكانية إنتاج طاقة أكبر من تلك المستخدمة في التشغيل لغزاً إلى يومنا هذا.

المصادر:
world-nuclear.org
howitworksdaily.com

سرعة الضوء ومفهوم الزمن

0

سرعة الضوء ومفهوم الزمن


سرعة الضوء كبيرةٌ جداً، ورغم عدم قدرة أي شيء في الكون الوصول لها؛ إلا أنها تبقى محدودة ! هل يعقل ذلك ؟

يستطيع الضوء قطع مسافة (299792 كم/ثا) أي 300 ألف كيلو متر في الثانية الواحدة تقريباً؛ فتخيلوا معي حجم الزمن الضئيل جداً مقارنةً بتلك المسافة الضخمة؛ ولكن الآن السؤال: ما الذي نستطيع نحن فعله في ثانية واحدة ؟

إذا كان الضوء يقطع خلال ثانية كل تلك المسافة؛ فإن القطاريقطع خلالها مسافة لا تزيد عن 3 سم، ويقطع الصوت مسافة لا تزيد عن 33 سم، وتقطع الطائرة مسافة تُقدر بنصف متر فقط، وتقطع الأرض حول الشمس أثناء دورانها خلال ثانية واحدة مسافه 30 متر فقط؛ فتخيل معي حجم تلك الأحداث مقارنةً بسرعة الضوء ؟

في الحقيقة لاشيء، وهذا يعتبر السبب الأساسي لجعل سرعة الضوء في نظرنا مطلقة؛ فرغم أننا نستخدم في أمثالنا عبارة (طرفة عين) للتعبير عن فترة زمنية قصيرة جداً جداً؛ إلا أن طرفة العين الواحدة هي فترة زمنية كبيرة جداً قياساً بسرعة الضوء !

وبما أن الضوء هو المسبب الرئيسي للرؤية؛ حيث يسقط على الأجسام ويعكس الأطوال الموجية للعين التي ترسلها إلى الدماغ فتحدث الرؤية، فالآن دعنا نتخيل متى نستطيع رصد وملاحظة كل الأحداث التي ذكرتها إذا كانت عملية الرؤية تستغرق الوقت اللازم لوصول شعاع ضوئي من مصدر الحدث إلى العين ثم منها إلى الدماغ ؟
في الواقع هذا يعني أننا نقرأ ونرى من الماضي دون أن نشعر؛ فجميعنا انتظرَ الضوء حتى يصل من مصدره ويسقط على الكلام أو الأجسام، ثم ينعكس للعين، وحدوث الرؤية؛ صحيح أن هذه العملية أخذت وقتاً قصيراً جداً جداً؛ إلا أنه عملياً يعتبر نظرة إلى الماضي، تأثير هذه العملية لا يظهر في الزمن المستهلك على الأرض أو العمليات الحيوية للإنسان على سطح الارض بسبب الفرق بين السرعة النسبية للأجسام على الأرض وسرعة الضوء.

ولكن التأثير أكثر ما يكون ظاهراً في المسافات الكبيرة؛ خذ على سبيل المثال الشمس؛ والتي تبعد عن الأرض مسافة حوالي 150 مليون كيلو متر؛ فإن الضوء يقطع هذه المسافة خلال 8 دقائق تقريباً !

معنى هذا الكلام أننا نرصد ونرى تأثير تفاعلات الإندماج النووي داخل قلب الشمس بعد 8 دقائق من حدوثها، وهو الزمن اللازم لوصول الشعاع الضوئي منها إلى أعيننا، وبالتالي فعلياً نحن نرى الشمس في الماضي، وعلى هذا فإن جميع أحداثنا من الماضي دون أن نشعر !

في حياتنا اليومية العادية تعتبر سرعة الضوء مطلقة وغير محدودة للفرق الكبير بينها وبين السرعات النسبية للأجسام على الارض؛ ولكن في المسافات الكبيرة لا بد من الأخذ بعين الاعتبار أن الضوء يمتلك سرعة محدودة؛ فمثلاً إرسالُ رسالةٍ لاسلكية إلى مجرة أندروميدا ستستغرق زمناً وقدرهُ 2.5 مليون سنة؛ على فرض أن الرسالة أُرسِلت على شكلِ موجاتٍ كهرومغناطيسية تسيرُ بسرعة الضوء !

إذاً الزمن والضوء تحديداً عبارةٌ عن فكرةٍ نسبية مرتبطة مع بعضها ارتباطاً كبيراً، ووثيق جداً كل واحدٍ منهما يُعبِر عن الآخر بطريقة فيزيائية فريدة؛ نستطيعُ من خلالها تفسير الأحداث وتحليلها، ولو كانت السرعة النسبية للضوء مطلقة لاستطعنا مراقبة أي حدث لحظة حدوثه !

المصادر:
1- space.com
2- universetoday.com

ماهي المادة المظلمة والمادة المضادة؛ وما الفرق بينهما ؟

0

ماهي المادة المظلمة والمادة المضادة ؛ وما الفرق بينهما ؟


جميعنا يعلم أن المادة العادية التي نراها كل يوم؛ هي التي تمثل كل شيء يمتلك كتلة في الكون، ويشغل حيزاً من الفراغ، وتتكون من الذرات المُكّونة من البروتونات الموجبة الشحنة والالكترونات سالبة الشحنة ونيوترونات متعادلة.

ولكن الآن سنتعرف على أكثر لغزين من ألغاز الفيزياء وعلم الفلك حيَّرَا العلماء في التفسير؛ وهما المادة المظلمة والمادة المضادة !

ما هي المادة المظلمة ؟

المادة المظلمة أو المعتمة أو السوداء (Dark Matter)؛ لا تشبه أي شيء نعرفه على وجه الأرض إطلاقاً، والبلايين من هذه الجسيمات الغريبة تخترق أي شيء يعترض طريقها في كل ثانية، وهي تعتبر كتلة ثقيلة جداً ذات قوة جذب كبيرة لديها القدرة في التأثير على المجرات وكيفيه تكوينها وسرعة دورانها أيضاً !

عملياً فإن المادة المظلمة موجودة في كل مكان في هذا الكون، ولكن لم يثبت العلم بشكل مباشر وجود هذه الجسيمات، ولا توجد إجابات حاسمة حتى الآن عن طبيعتها نظراً لصعوبة رصدِ شيءٍ لا يمكننا رؤيته أبداً !

كانت الأدلة على وجود المادة المظلمة محدودة فالاختلاف بين سرعة دوران المجرات مقارنةً مع الكتلة المرئية الموجودة لديها شكَّل أحد أهم هذه الأدلة؛ حيث كانت سُرعة المجرات عند القياس أكبر مقارنةً بكميةِ المادة المرئية التي تم رصدها؛ حيث مِن المُفترض رياضياً أن تكون الكتلة أكبر 160 مرة من الكمية المرصودة لتفسير هذه السرعة الكبيرة !

وبالرجوع إلى النموذج القياسي نجد أن نسبة ما تُشكِلهُ المادة العادية مِن مُجملِ كُتلةِ الكون هي 4.9%، والمادة المظلمة تشكل ما نسبته 26.8%، والباقي كان موجود على شكل طاقةٍ ونسبتها 68.3% من الطاقة الكلية في الكون؛ وتسمى الطاقة المظلمة (Dark Energy) !

إذاً نسبة المادة المظلمة في الكون هي 84.5% من مجمل المادة (العادية + المظلمة) في الكون، بينما المادة المظلمة والطاقة المظلمة تشكلان ما نسبته 95.1% من المحتوى الكلي للكون، ما يثبت فعلياً الدور الذي تلعبه هذه المادة الخفية في الكون وتكوين المجرات وسرعة دورانها أيضاً.

تُشكِل المادة العادية حوالي 4.9% من الكون، والمادة المظلمة حوالي 26.8% ؛ والباقي عبارة عن طاقة مظلمة بنسبة 68.3% !

تحديث

تمكن العلماء أخيراً من التقاط صورة للمادة المظلمة شاهدوها من هنا

كيف استنتجنا وجود المادة المظلمة ؟

مع كل هذه النسب والنتائج التي تؤكد وجود المادة المظلمة؛ فقد كانت مشكلة التباين في كتلة الأجسام والمحددة من آثار الجاذبية من خلال حساب سرعة دوران المجرات والكواكب حول بعضها البعض دليلاً دامغاً على وجود هذه المادة أي المادة المظلمة، واستناداً إلى النظرية النسبية لأينشتاين والجاذبية لنيوتن؛ فإنه كُلما ازدادت كُتلة الجسم ازدادت جاذبيته والعكس صحيح؛ فكُلما ابتعدنا عن المركز كُلما أبطأ الجسم من سرعة دورانِه بسبب ضعف قوة الجذب؛ فجميع المجرات يجذبُ بعضها بعضاً.

ولكن كانت المُلاحظة المدهشة أنه كُلما ابتعدنا عن مركز المجرة أكثر فأكثر كانت سرعة الدوران ثابتة وهذا يتناقض مع أينشتاين ونيوتن!

كل هذا التناقض العملي كان تفسيره يحتاج إلى افتراض نموذج مادة محيطة بالمجرة، وتحافظ على تماسكها، وبقاء النجم أو المجرة في مدارها، فكل هذا يحتاج إلى وجود مادة تؤثر بقوة جذب حتى يبقى النجم يدور في مكانه بسرعة دوران ثابتة، كانت هذه المادة هي المادة المظلمة.

وعُرِفت المادة المظلمة بأن من أكثر خصائصها شيوعاً أنها لا تتفاعل مع الضوء ولا تمتصه ولا تُشِعُه ولهذا سميت مظلمة؛ الأمر الذي كان عائقاً لاكتشافِ وتحديدِ ما هو المكون الرئيسي لهذه المادة؛ فقرر العلماء معرفة تفاصيل أكثر عن توزيع المادة في الكون، وتحديد ذلك من خلال رسم خرائط لها؛ باستخدام تقنيه تأثير عدسة الجاذبية؛ وبإطلاق شعاع ضوئي ضخمٍ في الفضاء، ومراقبة مساره لوحِظ عدم تفاعل المادة المظلمة مع الضوء ولكن لوحِظ انكسارُ الشعاعِ الضوئي عند مروره في مناطق وجود المادة المظلمة، والذي دلَّ على أن المادة المظلمة تتركز في مركز المجرة وتحيط بها.

وما هي المادة المضادة ؟

اللغز الآخر الذي ما زال يحير العلماء هي المادة المُضادة أو ما يسمى (Antimatter)؛ هذه المادة التي يحيط بتفسيرها هالة من الغموض؛ تلك التي من المفترض أن تكون نسخة مُطابِقةَ مِن المادة العادية المألوفة لدينا، ويتكون منها الكون؛ لكن بشرط أن يكون يمينها يساراً وشمالها جنوباً؛ ويسير فيها الزمن على نحو معكوس!

المادة التي قام العلماء بتحديد ماهِيَّتِها حيث تتكون من جُسيمات مضادة بنفس الطريقة التي تتكون منها المادة العادية من الجزيئات فمضاد الالكترون هو البوزترون، ومضاد البروتون هو البروتون صاحب الشحنة السالبة، واكتشفت هذه المادة المضادة خلال عمليات الاضمحلال النووي وتم رصد البوزترون حينها من خلال اضمحلال الأنوية، وإطلاق جسيمات بيتا، هذه المادة التي تعد من أخطر المواد على الكون؛ حيث أن من أشهر خصائصها هي قدرتها على تدمير المادة العادية في غمضة عين إذا قابلَتْها واتحدَت معها؛ حيث تتحول المادة التي تتكون منها أجسادنا إلى طاقة صافية حسب معادلة أينشتاين الشهيرة (E=MC^2)، ويُعتبر لُغزُ اختفائِها وعدم ظهورها في الكون مصدر قلقٍ للعلماء!

حيث لم يُوجد ارتباطٌ وثيقٌ إلى الآن بين المادة المظلمة والمادة المضادة؛ فهل تكون المادة المظلمة مقبرة المادة المضادة؛ وما هي المادة المظلمة من حيث التكوين؟

تبقى هذه تساؤلات إذا ما تم الإجابة عنها فسوف تفتح آفاقاً جديدةً في علم الفلك وتعطي ضوءً أخضراً لتفسير الكون بطريقةٍ فريدةٍ وأكثر دقة...

المصادر
1- pdg.lbl.gov
2- www.iflscience.com
3- what's the matter with dark matter - وكالة الفضاء الأمريكية ناسا.
4- Integral discovers the galaxy's antimatter cloud is lopised - وكالة الفضاء الاوروبية.

عندما قادت إخفاقات الفيزياء الكلاسيكية لولادة علمٍ جديد !

0

عندما قادت إخفاقات الفيزياء الكلاسيكية لولادة علمٍ جديد !


حتى نهاية العقد الأخير من القرن التاسع عشر، كان العالَم الفيزيائي يمكن أن يُفسَّرَ طبقاً لمبادئ الميكانيكا الكلاسيكيةِ أو النيوتونية (نسبةً لإسحاق نيوتن)، وكان يُنظر لعلم الفيزياء بأنه انتهى وأن كل شيء تقريباً تم اكتشافه، ومن الحوادث الطريفة أن ماكس بلانك الذي يعتبره البعض الأب الروحي لميكانيكا الكم؛ نصحه أستاذه البروفيسور فيليب فون يولي بأن يتوجه لدراسة غير الفيزياء قائلاً أن هذا المجال تم إكتشاف كل شيء فيه تقريباً، وكل ماتبقى هو ملئ القليل من الثغرات، وكان هذا هو الاعتقاد المنتشر آنذاك!، لكنّه ردّ بأنّه لا ينوي اكتشاف أشياء جديدة، وإنما أن يفهم أساسيات الفيزياء.

ولكن بنهاية القرن التاسع عشر بدأت تنهارُ نظريات فيزياء الكلاسيكية، وتظهرُ نظريات جديدة لتعوض مكانها، فظهرت النظرية النسبية ووصفت طبيعة الأشياء الهائلة والسريعة جداً، وبعد ذلك جاءت ميكانيكا الكم في عشرينيات القرن العشرين لتصف طبيعة الأشياء الصغيرة جداً.

لم تكن أي واحدةٍ من هذه النظريات تزودنا بوصفٍ للعالم بشكلٍ يسيرٍ وسهلٍ، منذ تناقضها مع تنبؤات الفيزياء التقليدية المألوفة في الأنظمة التي تطورت، وعلى الرغم من هذا فإن كلتا النظريتين تستخدم النتائج التقليدية عندما تقدم حلولاً للعالم اليومي. فمثلاً لفهم فيزياء أشباه الموصلات على مستوى ذريٍّ يجب أن نأخذ رأي ميكانيكا الكم بالاعتبار، لأنها تتعامل مع أشياء صغيرة جداً (إلكترونات، ذرات، الخ)، ولكن عند الحديث عن أشياء فائقة الحجم وتتعلق بمفاهيم الزمان والمكان والسرعات الفائقة كسرعة الضوء لابد أن نتعامل مع النظرية النسبية.

وترافقت هذه النظريات مع تغير في المفاهيم عن الذرة ومكوناتها، والكون بأسره !

وقد بدأ ظهور ميكانيكا الكم عندما عجزت الفيزياء الكلاسيكية عن توضيح وتفسير بعض التجارب، فعلى سبيل المثال؛ كان المشهور أنَّ الإلكترونات تدور حول نواة الذرة، بأسلوب تشبه فيه الكواكب التي تدور حول الشمس، وكانت الفيزياء الكلاسيكية تنبأت بأن الإلكترونات ستدور وتدور لتسقط داخل النواة في جزءٍ من الثانية، ولكن من الواضح بأنَّ هذا لا يحدث، وذلك تنبؤٌ خاطئٌ، ومع تطورِ التّجارب الأخرى والتي لا تفسرها الفيزياء الكلاسيكية، جعل العلماء يبحثون عن شيءٍ ما جديدٍ ليوضحَ ويفسر العلم على المستوى الذري.

ولكن هذا لا يعني أن الفيزياء الكلاسيكية خاطئة، فالفيزياء الكلاسيكية هي نظريةٌ منقوصةٌ وليست خاطئةً، لكنها تكون قاصرة بشكلٍ كبيرٍ عندما يتم التعامل مع الوحدات الصغيرة (حجم ذري) حيث نستعمل ميكانيكا الكم، أو الوحدات السريعة جداً القريبة من سرعة الضوء، حيث تتولاها النسبية، أما الأشياء اليومية التي هي أكبر بكثير من الذرات والأبطأ كثيراً من سرعة الضوء فإن الفيزياء الكلاسيكية تعمل بشكل ممتاز ويكون من السهل استعمالها بدلاً من ميكانيكا الكم أو النسبية اللتين تتطلبان معلوماتٍ حسابيةً شاملةً ومعقدةً.

وتتلخص أهمية ميكانيكا الكم في تفسير بعض الظواهر والتجارب الفيزيائية التي لم تستطع أيُّ تصورات كلاسيكية تفسيرها، ومن أشهر هذه الظواهر مفهوم مستويات الطّاقة المنفصلة، القائل بأن الإلكترونات يمكن أن توجد فقط في مستويات الطاقة المنفصلة التي تمنعها من السقوط في النواةِ، بالإضافة لبعض المفاهيم الغريبة مثل الصفة المزدوجة لبعض الجسيمات، والنفق الكمي ومبدأ عدم الدقة لهايزينبيرغ، وغيرها، والتي سنتناولها تباعاً في سلسلة مبسطة حول ميكانيك الكم.

في النهاية قصور الفيزياء الكلاسيكية وظهور النسبية وميكانيكا الكم، جعلتا النظرة إلى العلم على أنه وقائع ثابتة تتغير، فإذا كان أساس العلم هو القدرة على قياس الأشياء بدقةٍ، فإن ميكانيكا الكم تقول بأنه من المحال أن تصبح تلك المقاييس دقيقة، فمبدأ عدم الدقة لهايزينبيرغ يضع البشر أمام خيار واحد، وهو استحالة بناء أداةِ قياسٍ واضحةٍ تعالج كلَّ المتغيرات في الكميات الفيزيائية الحقيقية، واعتمادها ككميات تعبر بشكلٍ مطلق عن ظواهرَ لا يمكن تفسيرها رقمياً أحياناً على غرار ظواهرنا الكلاسيكية؛ التي فسرت بشكل لا يقبل الشك، ولا يقبل التغييرات الجامدةِ في المنطق الفيزيائي المتبع لدينا كفيزيائيين !

المصادر:
pbs.org
livescience.com

مراجعة وتعديل: فراس كالو

تدقيق لغوي: محمد طحان

كافة الحقوق محفوظة لموقع © مقالات بالعربي