لأول مرة؛ العلماء يقيسون القوة الغامضة المسؤولة عن انتظام البلورات !

لأول مرة؛ العلماء يقيسون القوة الغامضة المسؤولة عن انتظام البلورات !


تُعَد البلورات أحد أكثر بُنيات الطبيعةِ إدهاشاً؛ فبالإضافة لبُنيَتِها الشبكية الفريدة، والتي تتكرر بشكلٍ منتظم، تحملُ البلورات أيضًا خصائص مُثيرةً للاهتمام، مثل قدرتها الذاتية على التجمع.

فعند تواجدها بجوار بعضها البعض، تنحرف البِلَّورات وتلتوي حتى تصبحَ على مسارٍ منتظم، وتصطدم لِتُكَّوِنَّ بلوراتٍ أكبر، وللمرة الأولى، وضع العلماء تصوراً لشكلِ ومقدار القوة التي تجعل ذلك ممكنًا.

باستخدام طريقةِ رصدٍ جديدة، توصل فريقٌ الباحثين إلى أن القوة التي تحكم البلورات هي أحد صور قوة فان درفال (Van der Waals)، وهي قوةٌ تحدث على المستوى الكمي، ولا تعتمد على روابط كيميائية كالروابط التساهمية على سبيل المثال.

ولدراسة تلك القوة، دمج الباحثون مجهراً بيئياً إلكترونياً ماسحاً (ESEM) بتكنولوجيا تسمى (nanocrystal force probes) أي مجسات قياس قوة البلورات على مستوى النانو، وهو ما سمح لهم بالتلاعبِ في البلورات ومشاهدة تفاعلهن معًا.

وباستخدام تلك المعدات، أخذوا قطعتين ضئيلتين من أكسيد التيتانيوم – أصغر 1000 مرة من شعرة إنسان– وقاموا بلويهما بزوايا مختلفة، ثم شاهدوا كيف يندمجان سويًا، وكان تعليق الفريق على المشاهدة أن الأمر مماثلٌ لما يحدث بين مغناطيسين عند تقريبهم من بعض.

قوى فاندرفال هي أضعف قوى بين القوى الفيزيائية الضعيفة في الكيمياء، وتحدث نتيجةً لتجاذبٍ ميكانيكيٍّ كميٍّ بين الجسيمات، على خلاف التجاذب الكهربي الذي يحدث بين جُسيمين مشحونين كهربيًا: موجب وسالب.

وعلى الرغم من دراستها جيدًا في ميكانيكا الكم، إلا أن هذا الاكتشاف الجديد كان أول ما يؤكد تنبؤاً ذُكِر في سبعينات القرن الماضي، والذي نص على أن قوى التجاذب تعتمد على كيفية التواءِ البلورات بعضها نسبةً لبعض.

البحث الذي نُشِر في مجلة (science)، بقيادة الباحث كيفين روسو (Kevin Rosso)، سيساعد الباحثين على التنبؤ بقوى تجاذب بِلَّوراتِ موادَ مختلفة، مثل كربونات الكالسيوم في بلورات الصدف، وسيُمهد أيضًا لصناعة موادٍ ببلورات جديدة في المستقبل؛ فيمكننا قول – بصورةٍ أو بأخرى– أن أرسطو والخيميائيين القدماء لم يكونوا مخطئين تمامًا حين ظنوا أننا نستطيع من الحديد والنحاس الحصول على الذهب والفضة!

المصدر:
sciencealert.com

مراجعة: فراس كالو

هل سمعتم بالمسألة التي أعجزت أينشتاين؟

هل سمعتم بالمسألة التي أعجزت أينشتاين؟

التشابك الكمومي - الفرضية الأكثر جنوناً وغرابةً في العلم!


في بداية العقد الثالث من القرن العشرين، نشأت حربٌ بين أعظم فيزيائيي الأرض، نيلز بور وألبرت آينشتاين؛ حول أغرب وأعقد ظاهرةٍ في الكون ... التشابك الكمومي!

ويمكن توصيف التشابك الكمومي كرابطٍ خفيٍّ بين جسيمين تحت ذريين كالفوتونات والإلكترونات، بحيث يؤثر أحدهما على الآخر من مسافاتٍ بعيدةٍ.

نعلم أن الإلكترونات تدور بشكل أزواجٍ مترافقة، كلٌّ مع قرينه على وتعاكسٍ بالجهة، فتخيل أن إلكتروناً يدور بجهةٍ محددةٍ عند القياس، فإذا وضعنا قرينه في القمر، سنجد القرين يدور بعكس الجهة لحظة القياس . لكن كيف أثَّر الأول على الثاني ؟؟

افترض نلز بور وجود معلوماتٍ تنتقل بين الجسيمين المتشابكين، على الرغم من أنَّ انتقال المعلومات قد تمَّ بسرعةٍ تتجاوز سرعة الضوء !!
وهذا يخالفُ النسبية عند آينشتاين ، مما دفع الأخير لتسمية التشابك الكمومي بالتأثير الشبحي (spooky action) وذلك لعدم فهم أو تفسير تلك الظاهرة .

عام 1967 قام العالم المشهور جون كلاوزر من جامعة كولومبيا، بتأكيد التشابك الكمومي بين الجسيمات بعد تجربة الترابط بين أكثر من عشرة آلاف إلكترون .

ولم يستطعِ العلم حتى الآن تفسير التشابك ولا حتى إعطاء نظريةٍ عن كيفية الترابط العجيب هذا !
ولكن الأمر الجيد أن آينشتاين قد توفي قبل أن يعلم بخسارته الرهان ضد بور، فمات سعيداً !

المصادر
1- كتاب: فيزياء المستحيل : ميتشيو كاكو 2008
2- كتاب: نسيج الكون : براين غرين 2004
3- كتاب: الكون الأنيق : 1999

مراجعة: رائد ريموني
تدقيق لغوي: محمد طحان

لأول مرة؛ رصد التغيرات على المستوى الذري بدقة زيبتو ثانية !

لأول مرة؛ رصد التغيرات على المستوى الذري بدقة زيبتو ثانية !


رصد العلماء الألمان ولأول مرة؛ تغيرات على المستوى الذري بدقة زيبتو ثانية؛ ففي حالات التأيين الضوئي؛ عندما يضرب الضوء اثنين من إلكترونات ذرة الهيليوم، فيجب على المراقب أن يكون سريعاً بشكلٍ لا يصدق لمراقبة ما يحدث؛ لأن تغيرات سوف تحدث خلال فترة زمنية قصيرة جداً جداً جداً.

وهنا يأتي دور ميكانيكا الكم، إذ تمكن علماء فيزياء الليزر في معهد ماكس بلانك للبصريات الكمية (MPQ)، في الجامعة التقنية في ميونيخ (TUM) وجامعة لودفيغ ماكسيميليان (LMU) ميونيخ، وباستخدام طريقة قياس محسنة، تمكنوا من قياس هذا الحدث لأول مرة بدقة زمنية بالغة الدقة؛ وصلت إلى 850 زيبتو ثانية!

زيبتو ثانية (zeptosecond) 

والزيبتو ثانية هو الوقت اللازم لهروب الإلكترون من ذرته، ويساوي واحداً على تريليون مليار من الثانية أي (10^-21 ثانية).

وستُمكِّن تجارب القياس الدقيقة في زمن الزيبتو ثانية؛ في فهم أكبر لميكانيكا الكم، وتفتح آفاق جديدة في هذا المجال!

المصدر:
ph.tum.de

مراجعة: الفيزيائي رائد الريموني

النفق الكمومي !

النفق الكمومي, Quantum Tunneling, النفق الكمومي (Quantum Tunneling)

النفق الكمومي !


تعتبر ظاهرة النفق الكمومي (Quantum Tunneling) من أكثر الأفكار غرابةً ومتعةً في فيزياء الكوانتم؛ فقد ساهمت في تفسير الكثيرِ من الظواهر الطبيعية ويُعزى لها الفضل في كثير من التطبيقات التكنولوجية؛ فما هو هذا المفهوم الكمومي؛ النفق الكمومي؟

بدايةً وقبل أن ندخل في إطار المفهوم الفيزيائي لهذه الظاهرة لنأخذ مثالاً نشرح فيه ماهية النفق الكمومي:

خذ كرة مطاطية أو كرة تنس صغيرة وقف أمام حائط و ارمِ الكرة صوب الحائط مراراً وتكراراً؛ سوف ترتد في كل مرة عن الحائط، ومهما رميتها فإنها سترتد؛ فأنت تعلم أن الكرة لا تملك الطاقة الكافية لتخترق الحائط دون أن تلحق به ضرراً ( أي لن تخترقه) وهذا الأمر ما تُصرح به الميكانيكا الكلاسيكية التقليدية.

ولكن في عالم الكوانتم يختلف الأمر فنظرية النفق الكمومي تقول أنه يوجد احتمال صغير جداً بأن الكرة قد تخترق الحائط لتكمل مسيرها إلى الطرف الأخر !

ولكن تلك الإحتمالية بالنسبة لجسم كبير كالكرة تكون معدومة؛ بحيث لو رميت الكرة ملايين المرات فإنها لن تخترق الحائط إلى الجهة الأخرى، أما في العالم الذري وما دون الذري؛ فإنه يمكن للإلكترون وهو جسيم أولي أن يخترق، ويعبر أي حاجز صلب أو حاجز طاقة أو أي نوع أخر من الحواجز، و كأن الحاجز غير موجود ليصبح في الطرف الآخر و يشكل نفقا ً يسمح له بالتحرك من خلاله، و هذا ما ندعوه بالنفق الكمومي.


وما يثير الدهشة في في عالم الذرات المحكوم بقواعد ميكانيكا الكم أن الجسيمات الأولية يمكنها اختراق الحواجز حتى لو لم تملك الطاقة الكافية لذلك بفضل التسلل عبر النفق الكمومي، و السبب في ذلك عزيزي القارئ يعود إلى الطبيعة المزدوجة الموجية الجسيمية للإلكترون !

فجميعنا نعلم أن الجسيمات الأولية ومنها الإلكترون يمكن أن تتصرف كأمواج أو كجسيمات، وهذا يعني أن الإلكترون لن يتواجد في مكان و زمان محددين، ولن يمتلك مقداراً محدداً من الطاقة في لحظة محددة، و إنما تواجده سيكون وفق موجة من الإحتمالات.

فلو شبهنا قوة جذب النواة الموجبة الشحنة للإلكترون سالب الشحنة بحاجز يمنع الإلكترون من الإفلات من قوة الجذب (الحاجز الجذبوي للنواة)؛ فإن الإلكترون يستطيع في بعض الحالات أن يفلت من الحاجز الجذبوي، و يتواجد خارج الذرة، و هو احتمال وارد دوماً؛ حتى لو لم يملك الطاقة الحركية للإفلات، وإنما ذلك يحدث بفعل ظاهرة النفق الكمومي، والسبب طبيعة الإلكترون.

أهمية ظاهرة النفق الكمومي في حياتنا

في الواقع هذا المفهوم الغريب له أثر شديد، و رئيسي في عملية الإندماج الهيدروجيني النووي داخل الشمس لإنتاج الطاقة التي تمدنا بالحياة؛ إذ تبلغ درجة حرارة مركز الشمس تقديرياً حوالي 13.6 مليون كلفن، وهذه الحرارة غير كافية لحدوث الإندماج النووي، فلكي يحدث بين ذرتي هيدروجين؛ يجب أن تكون درجة حرارة مركز الشمس حوالي مليار درجة كلفن ! وذلك من أجل التغلب على قوى التنافر الكهربائي بين نواتي الهيدروجين؛ بمعنى آخر لن يحدث الإندماج من الناحية النظرية؛ ولكن بفضل ظاهرة النفق الكمومي يحصل الإندماج حتى لو لم تتوافر هذه الحرارة !

و هي فرصة ضئيلة تتمكن فيها بعض الجسيمات الأولية من التسلل لخارج الذرة عبر النفق فتُمكِن بذلك درجة الحرارة المتوافرة من دمج نواتي الهيدروجين، وهذه الفرصة الضئيلة التي يتيحها لنا النفق الكمومي تُخضِع حوالي 4 ملايين طن من الهيدروجين في كل ثانية لعملية الإندماج لتشكيل طاقة الشمس.

أيضاً أحد التطبيقات المهمة لهذا النفق هو رقائق الكومبيوتر التي لولاها لكانت الحواسيب بأحجام كبيرة جداً (حجم غرفة تقريباً)؛ وصولاً إلى اختراع المجهر الماسح النفقي (STM) من قِبَل "جيرد بينيج" و "هاينريخ روهرير" بهدف تصوير الذرات المنفردة على سطح المعدن.

المصادر:
1-نظرية الكمية لا يمكن أن تؤذيك تأليف : ماركوس تشاون ترجمة : د. يعرب الدوري
2-ميكانيكا الكم بين الفلسفة والعلم تأليف : يوسف البناي
3- ميكانيكا الكم تأليف د. سعود اللحيان . جامعة أم القرى. منشورات كلية العلوم التطبيقية .
4- Taylor, J: Modern Physics, page 473-475. Prentice Hall, 2004

النقل الكمومي أصبح حقيقة ولكنه ليس الأسرع !

النقل الكمومي أصبح حقيقة ولكنه ليس الأسرع !


يعتمد النقل الكمومي على ظاهرة تدعى التشابك الكمومي؛ والذي يعني أن جسيمان مترابطان ارتباطاً لا ينفك؛ وقياس حالة أحدهما يؤثر مباشرةً على حالة الآخر؛ ولا يهم كم يبتعدان.
وباستخدام هذه الخاصية، فإن النقل الكمومي يسمح بانتقال الحالة الكمية لجسيم ما إلى شريكه؛ دون إعطاء أهمية للمسافة التي تفصلهما، وبدون أي شيء مادي يمر بينهما !

ورغم أن عملية النقل الكمومي كانت تبدو أقرب للخيال إلا أن باحثين من النمسا قد تمكنوا عام 2012 من نقل المعلومات لمسافة 143 كم خلال الفضاء باستخدام الليزر، ولكن تلك التقنية رغم أهميتها ليست عملية إذا أردنا استخدامها على الأرض كشبكات الألياف الضوئية.

الجديد والسار في خبرنا اليوم هو تَمَكُن فريقين مستقلين من العلماء من إرسال معلومات كمية بنجاح عبر 7 كيلومترات من الألياف البصرية (الضوئية) في كل من كالغاري في كندا، وهيفاي في الصين، بشكل مستقل.

وقد أظهرت التجارب المستقلة أن النقل الكمومي على الأرض ليس حقيقياً فقط، ولكنه أيضاً تكنولوجيا قابلة للتنفيذ قد تساعدنا يوماً ما في بناء أنظمة كمية غير قابلة للاختراق ممتدة خلال المدن أو حتى القارات !

هذا ليس كالنقل الذي تراه في أفلام الخيال العلمي مثل (Star Trek)؛ فقط المعلومات يمكن نقلها بالنقل الكمومي، لا الناس.
وهذه طريقة رائعة لصنع شكل مشفر غير قابل للاختراق من الاتصال؛ فتخيل تلقيك معلومات لا يمكن تفسيرها إلا بعلم حالة جسيمك المتشابك.

في التجربتين الأخيرتين؛ المنشورتين في دوريتي (Nature) و(Photonics)، فإن الفريقين لديهما اختلاف بسيط في الأجهزة والنتائج، ولكن النتيجة المشتركة التي حصلا عليها؛ هي أنهم نقلوا معلوماتهم خلال شبكات ألياف بصرية حقيقي، وهذه الشبكات مهمة إذا أردنا بناء أنظمة نقل كمي فعال.

التجربة الكندية كانت قادرة على إرسال معلومات كمومية لمسافة 6.2 كم عبر شبكة الألياف البصرية في كالغاري (Calgary).
أخبر الباحث الرئيسي في التجربة الكندية ولفانغ تايتيل (Wolfgang Tittel) من جامعة (Calgary) في ِ(Alberta) لمجلة العالِم الجديد (New scientist):
"لقد بيَّنَّا أن هذا يعمل خلال شبكة الألياف على مدى أكثر من 6.2 كم بخط مستقيم".

أما الباحثون الصينيون فقد كانوا قادرين على زيادة مسافة الانتقال لأكثر من 12.5 كم، ولكن لديهم أدوات مختلفة قليلاً، وكان اتصالهم أكثر دقة، وقد يعمل بشكل أفضل لشبكة كمية؛ حيث حاسوب كمي رئيسي يتصل بكثير من الأشخاص حول المدينة.

كان الجانب السلبي لكلتا التجرتين أنهما لا يستطيعان إرسال كثيرمن المعلومات، وتجربة كالغاري (Calgary) كانت الأسرع، وتمكنت من إرسال 17 فوتون في الدقيقة فقط.

في ذات الوقت كثير من الناس يظن أن النقل الكمومي قد يُنتج تواصلاً أسرع؛ في الحقيقة فكُ تشفير الحالة الكمومية للجسيم المتشابك يتطلب مفتاحاً يجب أن يُرسل عبر اتصال بطيء ومنتظم، فالنقل الكمومي لا يمكن أن يكون أسرع من الانترنت الذي نملكه، فقط أكثر أمناً.

ولكن الواقع أن كلا الفريقان تمكنا من استخدام البنية التحتية للاتصالات الموجودة مُسبقاً لتحقيق هذا النقل لمسافة طويلة، كل هذا ليس بالأمر السهل، وبذلك تكون المرة الأولى التي يتم فعلها خارج المختبر.

سيأخذ الأمر كثيراً من العمل والتطوير قبل أن يصبح هذا الشيء في حياتنا اليومية، ولكننا قطعاً نقترب من هذا.

المصدر:
sciencealert.com

تعديل وتدقيق: فراس كالو

التشابك الكمي أو الكمومي و التأثير الشبحي !

التشابك الكمي أو الكمومي و التأثير الشبحي !


فلنقل بدايةً أن هذه الفكرة للوهلة الأولى لا تقل غرابةً أو جنوناً على ما اعتدناه من ميكانيكا الكم، التي حولت الخيال إلى علم وتجارب على أرض الواقع؛ لتبرهن يوماً بعد يوم على ضيقِ الحِس البشري ومحدودية العقل البشري؛ وتصدم مُتابعيها وباحثيها بحقائق لطالما وصفها الكثيرون بالخيال أو التُرهات العلمية.

ما هو التشابك الكمومي (Quantum Entanglement) ؟

هو مصطلح كمومي يشير إلى وجود علاقة ورابط وهمي غير مرئي وآني بين الجسيمات؛ في العالم دون الذري وعلى مستوى الكوانتم، وتكمن الفرضية في إمكانية ترابط جسمين مع بعضهما البعض حتى لو كانت المسافة الفاصلة بينهما تصل إلى ملايين السنين الضوئية، وأي تغيير في سلوك أحد الجسمين المترابطين كمومياً سيؤثر في الأخر فوراً وبشكل لحظي حتى لو كان الآخر في أقاصي الكون!

ويعد الفيزيائي الإيرلندي جون بيل (John Bell) أول من دعم هذه الفكرة، وحولها من فلسفة إلى تجارب وواقع علمي وذلك عام 1964؛ عندها وفي ذلك اليوم انتصرت ميكانيكا الكم على أبرز عقول القرن العشرين ومؤسس النسبية العالم ألبرت أينشتاين؛ إذ أن ألبرت أينشتاين كان يرفض التشابك الكمومي رفضاً قاطعاً بل ودعاها سُخريةً باسم التأثير الشبحي عن بُعد (spooky action at a distance).

و لتوضيح الفكرة أكثر عن التشابك الكمي دعونا نأخذ مِثالاً نشرح فيه نظرياً هذه الفكرة الكمومية: 

لنتخيل أنكَ فرغتَ من عملك وقضيت إجازتك في أقرب نجم لنا؛ وهو نجم بروكسيما سيتوري (Broxima citory)، ويبعد 4 سنوات ضوئية فقط، والتقطت صوراً جميلة وأردت أن تُرسِلها إلى صديقٍ لكَ ما زال على كوكب الأرض، وبذلك سيستغرق وصول الصورة 4 سنوات ضوئية، ولا أمل في أن تصل في وقت أبكر؛ والسبب واضح أن المعلومات يتم إرسالها على شكل ضوء، فلا شيء يفوق سرعة الضوء، ولكن الأمر سيختلف لو أجريت تشابك كمومي على مستوى ذرات الأجهزة مع صديقك الأرضي؛ وبذلك سيتم كسر القاعدة في إرسال البيانات إليه وسيكون الإرسال فورياً وفي لمح البصر !

إنطلاقاً من هذه الفرضية هناك محاولات جادَّة من علماء لتطوير تقنيات لنقل المعلومات والبيانات بسرعة تفوق سرعة الضوء لتحقق ثورة علمية قادمة في مجال نقل المعلومات عبر الفضاء، وآخرون في معاهد علمية متقدمة يسعون إلى تطبيق هذه الفرضية لتحقيق فكرة "النقل الآني".

كيف تحول التشابك الكمومي من فرضية إلى واقع ؟

كما ذكرنا آنفاً؛ فإن الفيزيائي الإيرلندي جون بيل حوَّل بورقة علمية المشكلة الكمومية إلى تجربة بسيطة، ورغم أن درجاته كانت سيئة في ميكانيكا الكم؛ إلا أن طالب الدكتواه وقتها استطاع أن يبرهن هذه الفرضية، وقد صعقته النتائج عندما علم أنها حقيقة لا خيال، وبعدها جاء الفيزيائي الفرنسي آلان سيبيه ليزيد من قوة الفرضية ويجري تجربة معقدة ومتطورة للغاية ليثبت مع زملائه حقيقة التشابك الكمومي.

حديثاً تمكنت عدة مجموعات بحثية من إجراء تجارب تدعم آراء جون بيل وفكرة التشابك الكمي، وقد قامت واحدة من هذه التجارب بقيادة الفيزيائي كريستر شالم من المعهد الوطني للمعايير والتقنية (NIST) بِرصدِ التشابك الكمومي بين الفوتونات، حيث أن الفوتون المتشابك بالفوتون الأول كان يقوم بنفس التأثير اللحظي على شرائح معدنية خاصة ومبردة قريباً من الصفر المطلق، في التجربة.

في النهاية يقول فرانسيسكو مارسيلي (مسؤول في وكالة ناسا في قسم مختبرات الدفع النفاث (JPl):
"أن جون بيل كان محقاً فأي نموذج في العالم يحوي على متغيرات خفية يجب أيضاً أن يسمح للجسيمات المتشابكة أن يؤثر أحدها على الآخر عن بعد".

المصادر:
1- space.com
2- techinsider.io
3- كتاب ميكانيكا الكم بين الفلسفة والعلم، تأليف: يوسف البناي.

مراجعة وتعديل: فراس كالو

مبدأ الإرتياب لهايزنبرغ

مبدأ الإرتياب لهايزنبرغ

إنه أحد أغرب المبادئ في ميكانيكا الكم، وأكثرها إثارة للجدل على الإطلاق، ورغم محاولات البعض بناء آراء فلسفية عليه، إلا أنه في جوهره ليس سوى دلالة على قصور العقل البشري أمام طبيعة الجسيمات في عالم ميكانيكا الكم، فدائماً ما سببت ميكانيكا الكم جدلاً كبيراً في الأوساط العلمية العامة ﻷنها مبنية على إحتمالات وتصورات مسببة للحيرة؛ إلا أن قوة الرياضيات ودقة معادلاتها أثبتت صحتها؛ أضف على ذلك الكمية الهائلة من التجارب التي أيدتها يوماً بعد يوم، ولعل أهم مبدأ إحتمالي ترتكز عليه نظرية الكوانتم هو مبدأ الشك أو اللادِقة أو الإرتياب؛ وكلها مسميات لنفس الموضوع وهو مبدأ هايزنبرغ الشهير.

مبدأ الإرتياب

في عام 1927 صاغ العالم الألماني فيرنر هايزنبرغ الحاصل على جائزة نوبل في الفيزياء (1932)، صاغ مبدأ الإرتياب أو عدم التأكد (principle of uncertainty) والذي ينص على:
لا يمكن تحديد خاصتين مُقاسَتيْن من خواصِ جُملةٍ كمومية إلا ضِمن حدود معينة من الدقة؛ ومعنى هذا الكلام أنه لا يمكن تحديد سرعة ومكان جسيم بدقة في نفس الوقت؛ إما أن نُحدِد مكانهُ أو سرعته؛ أما أن نحدد الإثنين معاً فهذا الأمر مستحيل.

ومن هنا يمكننا أن نجد أن عالم الكوانتم و المُتمثِل بالجُسيمات الذرية ودون الذرية؛ محكومٌ بالإحتمالاتِ ولا يمكننا التعامل معهُ بشكلٍ دقيقٍ، وهو السبب الذي أحدث المتاعب والريبة في فَهمِ عالمِ الكم. فلا يمكن للفيزيائيين معرفة كل شيء بدقة 100%، ولا يُمكِن قياس ورصدِ الجُسيماتِ بدقةِ 100%؛ إنما هُنالِك مِقدارٌ معينٌ لايُمكِن قياسُه أومعرِفتُه وبالنتيجة لا يُمكِنُ لِعلمِ الفيزياءِ أن يفعل أكثر مِن أن تكون لديه تنبؤات إحتمالية على المستوى الكمومي.

على سبيل المثال:

إذا كانت لديك فكرةٌ جيدة عن موقعِ شيءٍ ما؛ عِندها ولدرجةٍ مُعينةٍ ستكون لديك فكرةٌ ضعيفة عن مدى سرعته، أو في أي جهة يتحرك؛ والعكسُ صحيح.

إننا لا نلاحظ ذلك في حياتنا اليومية لأن أي ارتيابية مُتأصلة انطِلاقاً مِن مبدأ هايزنبرغ هي غير مؤثرة، ولايمكن رصدُها إلا على المستويات الذرية وما دونها؛ فقد ترى سيارةً مركونةً؛ فتظن بالتأكيد أنك تعرف موقعها وسُرعتَها ولكن على المستوى الذري هل ستعرف تلك الأشياء تماماً ؟

إذا كنت تقيس موقع السيارة بدقة تصل إلى مليون مليون من السنتيمتر؛ فإنك بذلك ستحاول أن تقيس موقع الذراتِ المُنفردةِ التي تُكَوِن السيارة، وتلك الذرات تهتزُ لأن درجةَ حرارةِ السيارة أكبر من الصِفر المُطلق، وبالتالي هُنالِك عدمُ دِقةٍ في القياس على المستوى الذري.

فيرنر هايزنبرغ

وقد شَكَّل مبدأُ الإرتياب لهايزنبرغ جدلاً بين أكبر تيارين في الفيزياء الحديثة؛ وهما تيار أينشتاين المؤمن بالحتمية فقط والرافض للإحتمالية، وعبر عن ذلك أينشتاين بمقولته الشهيرة: "إن الإله لا يلعب النرد بهذا الكون".
والتيار الثاني هو تيار نيلز بور مؤسس الكم والمؤمن بالإحتمالات وقوة الرياضيات، والذي أرسل لأينشتاين قائلاً: "لا تُخبِر الإله عما يجب عليه فعله".
وانتهى هذا الجدل بمؤتمر سولفاي الشهير؛ عندما تمكن علماء الكوانتم من إثبات صحة معادلاتهم و تنبؤاتهم؛ إلا أن أينشتاين ظل رافضاً لفكرة الإحتمالية الخاصة بعالم ميكانيكا الكم حتى وفاته.

وقد وصف هايزنبرغ مبدأه بقوله:

"إن عدم استطاعتنا معرفة المستقبل لا تنبع من عدم معرفتنا بالحاضر، وإنما بسبب عدم استطاعتنا معرفة الحاضر"؛ وذلك كردٍ على المقولة السائدة: "أنه يمكننا معرفة المستقبل إذا عرفنا الحاضر بدقة".
ومعنى ذلك أنه مهما تطورت وسائل القياس والرصد لدينا لن نتمكن من الوصول لفهمٍ كاملٍ و شاملٍ للطبيعةِ حولنا؛ دوماً هُنالِك مِقدارٌ مِن عدمِ الدِقة وعدم التأكد.

توضيح

خُذ مُسدساً من الفوتونات وصوِبهُ نحو جُسيمٍ لقياسِ سُرعتِه وموضِعهِ، في الحقيقة ستكون القراءة غير دقيقة مهما كانت دقتها، والسبب أن الفوتونات تتمتع بزخمٍ، فتقومُ بدفعِ الجُسيمِ عند الاصطدام به فيُغيرُ موضِعَهُ وبالتالي لا نستطيع تحديد موقعه وسرعته بدقة تامة!

وقد تم وصف مبدأ الشك بالصيغة الرياضية التالية:

حيث  عدم التأكد في كمية الحركة.
 عدم التأكد للموقع.
 ثابت بلانك.

أي عدم التأكد في دقة الموقِع مضروباً في عدم التأكد في كمية الحركة (الزخم)؛ لا بد أن يكون أكبر من المقدار h ثابت بلانك؛ أي أن حاصل ضربهما لا يمكن أن يكون صفراً وهذه النتيجة التي أدهشته وأدهشت الجميع.

في النهاية تقول ميكانيكا الكم أنهُ مِن المُستحيلِ الحصولُ على قياساتٍ تامةٍ؛ فلم يَعُد بمقدورِ الفيزيائيين أن يُعطوا توصيفاً حتمياً للأحداث الذرية وما دونها؛ بل مُجرد تنبؤاتٍ احتمالية، وفي هذا كسرٌ للاعتقادِ العلمي السائد بأن المعرفة البشرية قادرة على التنبؤ الدقيق بمصير الكون من الذرَّة إلى المجرة؛ ومبدأ هايزنبرغ هو حقيقةٌ تُفسِر طبيعة الوجود فقط !

المصادر:
1- narod.ru
2- nobelprize.org
3-  daarb.narod.ru
4- كتاب مبادئ ميكانيكا الكم؛ المؤلف: بول ديراك.

تدقيق لغوي: فراس كالو

قطة شرودنغر ؛ القطة التي أدهشتنا !

قطة شرودنغر ؛ القطة التي أدهشتنا !


في هذا المقال من السلسلة التي نقدمها حول ميكانيكا الكم نتناول أغرب ماتقدمه هذه النظرية من فلسفة عميقة بالنسبة للوعي البشري؛ ولعل العديدين قد تناولوا هذا العالم الغامض وسعى الكثيرون من الفيزيائيين لإزالة الضباب والهالة السوداء التي تحيط بوعينا عند الحديث عن الكوانتم، و بعض ظواهرها وهنا محاولة جادة لتحطيم الحاجز بيننا وبين الكم ضمن مبادرتنا العلمية أرابوست.

قطة شرودنغر !

ومن منا لم يسمع بقطة شرودنغر الشهيرة تلك القطة التي جعلت وعينا البشري في مأزق يحتاج الإجابة، فما هي قطة شرودنغر؟ وما قصتها؟

بدايةً قطة شرودنغر ترمز إلى تجربة ذهنية فكرية تخيلية؛ قدمها عالم الكم الفيزيائي النمساوي إرفن شرودنغر الحائز على نوبل في الفيزياء عام 1933؛ تهدف هذه التجربة إلى إيضاح تأثير الوعي البشري في عملية الرصد والقياس وحسم الأمور وخصوصاً في الحالات الكمومية.

ماذا تحوي تجربة قطة شرودنغر ؟

في تجربة قطة شرودنغر (Schrödinger's Cat experiment) لدينا: صندوق معدني مغلق لا يتأثر بالمحيط الخارجي؛ وتوجد بداخله قطة؛ وعداد لقياس الإشعاعات يدعى عداد غايغر-ميولر، وزجاجة تحوي مادة سامة هي حامض الهيدروسيانيك، وكمية من مادة مشعة بحيث تكون (احتمالية) تحلل المادة المشعة بعد ساعة واحدة (ممكنة)؛ وأضف على هذه المحتويات مطرقة.

سير التجربة 

إذا تحللت المادة المشعة؛ فسيقوم عداد غايغر-ميولر بطرق المطرقة، والتي بدورها ستكسر الزجاجة الحاوية على المادة السامة والتي ستسيل وتقتل القطة؛ وإن لم تتحلل المادة المشعة فلا يحدث شيء من ذلك وتبقى القطة حية.
و الآن سأصحبك معي بعد ساعة واحدة فقط، والصندوق مغلق، وأنت وأنا لا نعلم إن كانت القطة قد ماتت أم لا ، في الحقيقة لا نستطيع الحكم على حياة القطة أو موتها إلا إذا قمنا بفتح الصندوق المغلق و نتأكد من حياتها أو موتها، هكذا يقول المنطق!

فقبل فتحنا للصندوق المغلق سنكون في حالة شك وارتياب ذهنيٍّ؛ في أي حالة ستكون القطة ؟
ميكانيكا الكم تقول بأنها ستكون موجودة في حالة تراكب (الموت-حياة)، ولن يزول هذا الشك والارتياب إلا إذا قمنا بفتح الصندوق لنحكم على قطتنا بالحياة أو الموت.

إذا سأصل بك للنتيجة التالية؛ كن منتبهاً !

بدون الإستعانة بعملية الرصد البشري المباشر تكون المادة المشعة عبارة عن دالة موجية أي احتمال أنها تفككت 50% (قطة ميتة)، واحتمال أنها لم تتفكك 50% (قطة حية).

وهنا عزيزي القارئ نذكِّر بأن الجسيمات الذرية ودون الذرية كالفوتون والإلكترون موجودة في الطبيعة بحالة تراكب وتكون دالة موجية بمعنى أخر (موجة-جسيم) وهي الإزدواجية، وهذا يدعونا لنعود بك إلى تجربة شقي يونغ في مقالنا السابق عندما نقوم بعملية رصد للإلكترون أو الفوتون بمفرده؛ سنجده بحالة جسيم أي بالصفة الجسيمية، وهذا يشبه عملية فتحنا للصندوق للحكم على القطة، وعند عدم وجود عملية رصد تماماً مثل وقوفنا أمام الصندوق قبل فتحه يكون الإلكترون بدالة موجية؛ ولا نستطيع الحكم على صفته.

فتجربة قطة شرودنغر مثال مشهور على الانفصام بين الصحة الرياضية والواقع الفيزيائي لظاهرة ما.

وفي حالة فتح الصندوق و رؤية القطة نُجبَر على اختيار حالة واحدة فقط: حياة أو موت و هنا تنهار الدالة الموجية لتحدد صفة واحدة فقط؛ تماماً كالإلكترون الذي عندما نرصده تنهار الدالة الموجية لتحدد صفة الجسيم فقط.

وهذه التجربة هي علاقة تأكيد على الترابط المتين بين ميكانيكا الكم والاحتمالات وهذا الأمر لم يكن يعجب أينشتاين!

و لتجربة قطة شرودنغر تفسيران

التفسير الأول: حدثتك عنه وهو تفسير كوبنهاغن*: القطة قبل فتح الصندوق ميتة وحية بنفس الوقت (الاحتمالية 50% لكلا الحالتين)، وعند فتح الصندوق تختار حالة واحدة فقط (يصبح لدينا احتمال واحد فقط مؤكد 100%).
التفسير الثاني: يفترض هذا التفسير أنه عند فتح الصندوق؛ إن رأينا قطتنا حية فإنها ستكون بنفس الوقت ميتة في كون موازي لكوننا فرضياً؛ وهذا الأمر سنأتي عليه في وقت لاحق عند طرح نظرية الأوتار أو ما يعرف باسم نظرية كل شيء.

وقبل أن أنقل تحيتي لك على صحبتك لنا في مقالنا هذا؛ دعني أنقل لك إعتذار العالم شرودنغر بقوله الذي لربما لم تسمع به من قبل:
"لو كان على المرء أن يلتزم بهذا القفز الكمومي الملعون فإنني آسف لأنني شاركت هذه النظرية !"

وأتمنى أن قطة شرودنغر أصبحت في قبضتك الآن عزيزي القارئ !
_________________________________

*تفسير كوبنهاغن: 

هو أحد أهم التفسيرات شيوعاً في علم ميكانيكا الكم، ويفترض أن ميكانيكا الكم لا تُسفِر عن وصف الظواهر الطبيعية بشكل موضوعي ولكن تتعامل فقط مع احتمالات الرصد والقياس، ولعل أغرب فروض هذا التفسير أن عملية القياس تؤثر على سلوك النظام الكمي؛ بمعنى أن عملية القياس تسبب ما يعرف بـ انهيار الدالة الموجية، وقد وضعت المفاهيم الأساسية لهذا التفسير من قبل نيلز بور وفيرنر هايزنبرج وماكس بورن وغيرهم في السنوات 1924-1928م.

المصادر:
1- iflscience.com
2- meditationandspiritualgrowth.com
3- Hermann Wimmel (1992); Quantum physics & observed reality: a critical interpretation of quantum mechanics. World Scientific

الطبيعة الموجية الجسيمية للضوء و المادة !

الطبيعة الموجية الجسيمية للضوء و المادة !


يبدو أن فيزياء الكم Quantem physics سَعيدةٌ في هدمِ حدسِنا ووعينا البشري حول سير هذا العالم، وبعد طرحنا في مقالنا السابق تعريف موجز بعالمها الذي نعتقده غامضاً بشدة ومُبهَماً؛ اليوم نصحبكم من خلال هذا المقال والمقالات التي ستعقبه من السلسلة في جولة حول أهم قضايا ميكانيكا الكم، والتي نستهلها بالقضية الأولى وهي الصفة الموجية الجُسيمية للضوء أو الصفة المزدوجة للضوء.

الضوء جسيم أم موجة ؟

حسناً إن هذا التساؤل قديم قدِمَ ملاحظة الإنسان للظواهر الطبيعية والتعرف عليها، ففي عام 300 قبل الميلاد تقريباً، توصل العالم الإغريقي إقليدس إلى فرضية أن العين تصدر أشعة ضوئية تصطدم بالأشياء ثم تعود إليها فتبصر، وقد بقي هذا المفهوم سائداً طوال 13 قرناً، حتى جاء العالِم الحسن بن الهيثم في القرن العاشر للميلاد وأثبت أن العين لا تصدر أي ضوء، ولكن أشعة الضوء تنعكس من الأجسام إلى العين فتبصر، فكان أول شخصٍ يضعُ قوانين انكسار الضوء وانعكاسه، ويقال بأن ابن الهيثم اعتبر الضوء بسبب طبيعته هذه جسيمات.

وبعد حوالي 600 عام تقريباً، بدأ النقاش حول طبيعة الضوء يظهر إلى المجتمع العلمي على يد الفرنسي رينيه ديكارت، وقد رأى السير إسحق نيوتن أن الضوء هو سيلٌ من الجسيمات المتناهية في الصغر، في حين رأى العالم الألماني كريستين هيجن أن الضوء هو موجات أو ذبذبات وليس جسيمات، وكلا الطرفين كان له أدلته العلمية حول صحة رأيه.


إلى أن أتى عام 1801 فأجرى العالم توماس يونغ تجربته الشهيرة جداً التي تُدعى شقي يونغ (Young Double Slit Experiment) لتبين الطبيعة الموجية للضوء.

وتتلخص تجربة شقي يونغ بما يلي:

وضع هذا العالِم شاشةَ كشفٍ أو رصدٍ، ثم وضع أمام الشاشة لوحة تحوي شقين وبينهما مسافة فاصلة تمثل حاجزاً عائقاً وعندما قام بتسليط الضوء على الشقين انتقلت موجة الضوء عبر الشقين بحيث تنشأ مويجات (أمواج أصغر) عن كل شق، وتتداخل هذه المويجات مع بعضها البعض لتعطي سلسلة من الأهداب المضيئة والمظلمة (نمط تداخل) عند عرضها على الشاشة، وهذا لايدع مجالاً للشك حول الطبيعة الموجية للضوء.

أما السلوك الجسيمي للضوء فسيظهر من خلال الفوتونات؛ التي تعد بشكل دائم وحدات لا تقبل التجزئة، ويحدث البرهان الأكثر وضوحاً على وجود الصفتين الموجية الجسيمية إذا أرسلنا أحد الفوتونات واحداً تلو الأخر عبر الشقين، وفي هذه الحالة يعطي كل فوتون بقعةً مضيئةً على الشاشة، ولكن عندما نجمع النتائج بعد مرور عدد كبير من الفوتونات نلاحظ ظهور نمط التداخل (الصفة الموجية).
لكن هذه التجربة جعلت الجدل حول طبيعة الضوء جسيم أم موجة يحتدم أكثر!


الطبيعة المزدوجة للمادة و الضوء؛ الجسيم و الموجة معاً !

في عام 1887، لاحظ العالم هِرتز أنه عند تعريض سطح من مادة موصلة لشعاع فوق بنفسجي فإن الشرر الكهربائي يتولد بسهولة أكبر، وفي عام 1905 قدم العالم أينشتاين ورقة بحثية فسرت النتائج العملية للظاهرة الكهروضوئية على أن الضوء يتكون من جسيمات (فوتونات) وهي كمات محددة من الطاقة مستفيداً من أفكار سابقة لماكس بلانك، وقد مُنِح أينشتاين على إثرها جائزة نوبل في الفيزياء عام 1921 لتفسيره التأثير الكهروضوئي.

وليأتي بعده الفيزيائي الفرنسي لويس دي برولي الذي أسس لنظرية الإزدواجية القائلة بأن للمادة خواص موجية وخواص جسيمية؛ والمأخوذة من تجارب أينشتاين وماكس بلانك، وأثبت الصفة الإزدواجية على الإلكترون عام 1927، وفاز دي برولي بجائزة نوبل في الفيزياء عام 1929.

وبالتالي لدينا عزيزي القارئ نتيجة أن الإلكترونات مثلها مثل الفوتونات تتصرف بسلوك مزدوج بل وإن هذا المبدأ أو هذه الطبيعة تنطبق على كل جملة فيزيائية فأي موجة تملك طبيعة جسيمية وأي جسيم مادي يملك طبيعة موجية !

وعلينا الآن طرح السؤال التالي؛ كيف يمكن لشيء كمي أن يكون جسيم و موجة في آنٍ واحد ؟!

علينا القول أنه من الخطأ أن نقول أن الضوء سيل من الجسيمات تتحرك نحو الأعلى أو الأسفل بطريقة موجية؛ إن الضوء والمادة يوجدان كجسيمات، وإن السبب في كون الضوء يظهر أحياناً كموجة هو تراكم العديد من جسيمات الضوء.
بمعنى آخر الفوتون الوحيد هو جسيم؛ ومجموعة الفوتونات يمثل موجة؛ حسناً إنها ميكانيكا الكم!

لنأخذ المثال التالي للتوضيح : 

بفرض لدينا آلة لرمي السهام احتمال بلوغ مركز الهدف 9% واحتمال إصابة الحلقة الخارجية حول نقطة الهدف 91%، وليس لها أي فرصة لتخرج خارج الرقعة.
الآن لندع الآلة ترمي 100 سهم و كلها علقت في الرقعة؛ يمكننا أن نرى عندها كل نبلة لوحدها؛ وهنا هو التصرف و السلوك الجسيمي؛ ولكن بنفس الوقت يمكننا أن نرى نموذجا ًفي الرقعة مكوناً من حلقة كبيرة من السهام هي تراكم السهام المنفردة؛ ويمثل هذا الأمر السلوك الموجي للسهام.

في النهاية دعني أصل بك للنتيجة التالية؛ لايمكن فهم الخصائص التجريبية للضوء إذا كان موجة أو جسيم؛ بل يمكن فهمه فقط إذا اعتبرناه الاثنين معاً، وهذا ما أكده ورسَّخه العالم لويس دي بروغلي عندما قال:
"من غير الممكن ومن غير الضروري اختيار أحدهما الموجة أو الجسيم لأن كلاهما أساسي لوصف كامل للطبيعة !

المصادر:
1- phys.org
3- nobelprize.org
4- light2015blog.org
5- كتاب مبادئ ميكانيكا الكم؛ المؤلف: بول ديراك
6- Tony Rothman, Everything's Relative and Other Fables in Science and Technology

مشاركة إعداد وتعديل: فراس كالو

مقدمة في ميكانيكا الكم

مقدمة في ميكانيكا الكم, Quantum mechanics, ما هي ميكانيكا الكم, ميكانيكا الكم, لماذا نشأت ميكانيكا الكم, الفيزياء التقليدية غير صحيحة, ما أهمية ميكانيكا الكم

مقدمة في ميكانيكا الكم


ميكانيكا الكم (Quantum mechanics)، يكاد لا يخلو شخص مهتم بالفيزياء من الدهشة والتساؤل عند ذِكرها، في الحقيقة هذا ليس شعور الأشخاص العاديين فقط؛ بل حتى العلماء أيضاً، يقول العالِم نيلز بور: "إن لم تكن ميكانيكا الكم قد صدمتكَ بعمق فأنت لم تفهمها بعد" !

وموضوعنا اليوم يهدف إلى تقديم نظرة عامة وموجزة للشخص العادي عن أهمية ميكانيكا الكم وغرابتها.
ومع الأسف، فإن معظم الناس يعتقدون أنهم بحاجة إلى عقل كعقل أينشتاين من أجل فهم ميكانيكا الكم ولذلك فهم لا يخوضون فيها أبداً، و من الطريف أن أينشتاين نفسه لم يكن يؤمن بأن ميكانيكا الكم نظرية صحيحة، ووصفها بالسحر الأسود؛ ورغم ذلك حصل على نوبل في ظاهرة التأثير الكهروضوئي وهي تتبع ميكانيكا الكم !

وأينشتاين ليس وحده من أدهشته ميكانيكا الكم فقد أدهشت الكثيرين غيره، لذلك نرجو أن تقرأ الموضوع وأن تأخذ غطسة في محيط من المعلومات التي ستجدها منعشة تماماً :)

فإذا كانت فكرتك عن الذرة، إلكترونات تدور حول النواة، فإن فكرتك منتهية الصلاحية منذ 70 عاماً، وقد حان الوقت لتفتح عينيك للعالَم الحديث عالَم ميكانيكا الكم!

فما هي ميكانيكا الكم ؟

تعريف ميكانيكا الكم

هي مجموعة من النظريات الفيزيائية التي ظهرت في القرن العشرين، وذلك لتفسير الظواهر على مستوى الذرة والجسيمات دون الذرية؛ بمعنى آخر هي دراسة المادة والإشعاع في المستوى الذري، وقد دمجت بين الخاصية الجسيمية والخاصية الموجية ليظهر مصطلح ازدواجية الموجة -الجسيم، وبهذا تصبح ميكانيكا الكم مسؤولة عن التفسير الفيزيائي على المستوى الذري كما أنها أيضاً تطبق على الميكانيكا أو الفيزياء الكلاسيكية ولكن لا تُظهِر تأثيرها على هذا المستوى، لذلك ميكانيكا الكم هي تعميم للفيزياء الكلاسيكية لإمكانية تطبيقها على المستويين الذري والعادي.

وأما تسميتها بميكانيكا الكم فيعود إلى أهميّة الكم (quanta) في بنائها؛ وهو مصطلح فيزيائي يستخدم لوصف أصغر كمّية من الطاقة يمكن تبادلها بين الجسيمات، ويستخدم للإشارة إلى كميات الطاقة المحددة التي تنبعث بشكل متقطع، وليس بشكل مستمر.

وكثيراً ما يُستخدم مُصطلحي فيزياء الكم والنظرية الكمية لميكانيكا الكم، وبعض الكتّاب يستخدمون مصطلح ميكانيكا الكم للإشارة إلى ميكانيكا الكم غير النسبية.

وتقوم نظرية الكم بتقديم تَصُور غريب عن العالم الذري ودون الذري؛ يصدمنا ويبعدنا عن كل ما تعودنا عليه في الواقع الحياتي وما تقدمه الفيزياء الكلاسيكية من تصورات، لكنها بالرغم من كل ذلك تنجح إلى حد بعيد في تفسير حقائق العالم دون الذري وتعزز صحتها يوماً بعد يوم بتقديم تنبؤات غريبة لكن كل التجارب العلمية تأتي فيما بعد لتؤكد صحة هذه التنبؤات، كل هذا أدخل ميكانيكا الكم في عمق نقاشات فلسفية حول طبيعة ما تطرحه ومدى قربه من الحقيقة.

إن لم تكن ميكانيكا الكم قد صدمتكَ بعمق فأنت لم تفهمها بعد! - نيلز بور


لماذا نشأت ميكانيكا الكم ؟

في أوائل القرن العشرين كانت بعض التجارب قد أنتجت نتائج لا يمكن تفسيرها بالفيزياء التقليدية؛ فيزياء جاليليو و نيوتن وغيرهم، ففي عام 1900 كان عالم الفيزياء ماكس بلانك في برلين لدراسة ما يسمى "كارثة الأشعة فوق البنفسجية"، وكان هناك خطأ وعجز في الفيزياء الكلاسيكية في تفسير النتائج، حاول بلانك القيام بخدعة رياضية، فافترض أن الضوء لم يكن في الحقيقة موجة مستمرة كما افترض الجميع، ولكن ربما يمكن أن يتواجد بكميات معينة، وهذا فتح الباب مستقبلاً أمام اكتشافِ الفوتونات.

وعلى سبيل المثال، كان من المعروف أن الإلكترونات تدور حول نواة الذرة، وعلى أية حال، إذا كانت تفعل ذلك بطريقة مشابهة لدوارن الكواكب حول الشمس؛ فإن الفيزياء التقليدية تتنبأ بأن هذه الإلكترونات سوف تتحرك بشكل لولبي لتقع داخل النواة في جزء من ثانية، ومن الواضح أن هذا لا يحدث، و إلا فإن الحياة التي نعرفها لن تكون، وستنهار!

إن هذا التنبؤ الخاطئ الذي عانت منه الفيزياء التقليدية أو الكلاسيكية في بعض التجارب التي استعصى تفسيرها على الفيزياء التقليدية، قد بيَّن للعلماء أن شيئاً جديداً يجب أن يظهر ليفسر العلوم في المستوى الذري، فكانت بداية فيزياء أو ميكانيكا الكم.

إذا كانت الفيزياء التقليدية غير صحيحة ، لماذا نظل نستخدمها ؟

إن الفيزياء التقليدية صحيحة وخاطئة في نفس الوقت !
فهي نظرياً خاطئة بشكل كبير جداً عند التعامل مع الأمور الصغيرة جداً في حجم الذرة وما دونها، حيث تُستخدم ميكانيكا الكم، أو الأمور السريعة جداً بالقرب من سرعة الضوء، حيث تحل مكانها النظرية النسبية، أما بالنسبة للأمور الحياتية، والتي هي أكبر بكثير من حجم الذرة، وأبطأ بكثير من سرعة الضوء فإن الفيزياء التقليدية تعمل فيها عملاً بارعاً، فهي تسمح بدراسة المادة والطاقة المرصودة بالعين المجردة وتبقى المفتاح الأساسي لقياس الكثير من العلوم والتكنولوجيا الحديثة، بالإضافة إلى أن استخدامها أسهل بكثير من كل من ميكانيكا الكم أوالنسبية لأن كلاهما يتطلبان كمية مكثفة من الرياضيات.

ما أهمية ميكانيكا الكم ؟

إن القضايا التالية هي من بين أكثر الأشياء أهمية التي تستطيع ميكانيكا الكم أن تصفها؛ بينما لا تستطيع ذلك الفيزياء التقليدية ذلك:
  1. عدم اتصال الطاقة
  2. ازدواجية الصفة الموجية-الجسيمية للضوء والمادة.
  3. النفق الكمي.
  4. مبدأ الارتياب لهايزنبرج.
  5. برم الجسيم.
وتتمتع ميكانيكا الكم بأهمية كبيرة في عالمنا اليومي، فهي تمتاز بمجالاتها وتطبيقاتها المتعددة ونذكر منها: الترانزستورات والرقائق الميكروية، وحديثاً الحواسيب الكمومية؛ وغيرها.

المصادر:
1- www.pbs.org
2- livescience.com
3- Kragh, Helge (2002). Quantum Generations: A History of Physics in the Twentieth Century.
4- Mehra, J.; Rechenberg, H. (1982). The historical development of quantum theory. New York: Springer-Verlag.

مراجعة وتعديل: فراس كالو

عندما قادت إخفاقات الفيزياء الكلاسيكية لولادة علمٍ جديد !

عندما قادت إخفاقات الفيزياء الكلاسيكية لولادة علمٍ جديد !


حتى نهاية العقد الأخير من القرن التاسع عشر، كان العالَم الفيزيائي يمكن أن يُفسَّرَ طبقاً لمبادئ الميكانيكا الكلاسيكيةِ أو النيوتونية (نسبةً لإسحاق نيوتن)، وكان يُنظر لعلم الفيزياء بأنه انتهى وأن كل شيء تقريباً تم اكتشافه، ومن الحوادث الطريفة أن ماكس بلانك الذي يعتبره البعض الأب الروحي لميكانيكا الكم؛ نصحه أستاذه البروفيسور فيليب فون يولي بأن يتوجه لدراسة غير الفيزياء قائلاً أن هذا المجال تم إكتشاف كل شيء فيه تقريباً، وكل ماتبقى هو ملئ القليل من الثغرات، وكان هذا هو الاعتقاد المنتشر آنذاك!، لكنّه ردّ بأنّه لا ينوي اكتشاف أشياء جديدة، وإنما أن يفهم أساسيات الفيزياء.

ولكن بنهاية القرن التاسع عشر بدأت تنهارُ نظريات فيزياء الكلاسيكية، وتظهرُ نظريات جديدة لتعوض مكانها، فظهرت النظرية النسبية ووصفت طبيعة الأشياء الهائلة والسريعة جداً، وبعد ذلك جاءت ميكانيكا الكم في عشرينيات القرن العشرين لتصف طبيعة الأشياء الصغيرة جداً.

لم تكن أي واحدةٍ من هذه النظريات تزودنا بوصفٍ للعالم بشكلٍ يسيرٍ وسهلٍ، منذ تناقضها مع تنبؤات الفيزياء التقليدية المألوفة في الأنظمة التي تطورت، وعلى الرغم من هذا فإن كلتا النظريتين تستخدم النتائج التقليدية عندما تقدم حلولاً للعالم اليومي. فمثلاً لفهم فيزياء أشباه الموصلات على مستوى ذريٍّ يجب أن نأخذ رأي ميكانيكا الكم بالاعتبار، لأنها تتعامل مع أشياء صغيرة جداً (إلكترونات، ذرات، الخ)، ولكن عند الحديث عن أشياء فائقة الحجم وتتعلق بمفاهيم الزمان والمكان والسرعات الفائقة كسرعة الضوء لابد أن نتعامل مع النظرية النسبية.

وترافقت هذه النظريات مع تغير في المفاهيم عن الذرة ومكوناتها، والكون بأسره !

وقد بدأ ظهور ميكانيكا الكم عندما عجزت الفيزياء الكلاسيكية عن توضيح وتفسير بعض التجارب، فعلى سبيل المثال؛ كان المشهور أنَّ الإلكترونات تدور حول نواة الذرة، بأسلوب تشبه فيه الكواكب التي تدور حول الشمس، وكانت الفيزياء الكلاسيكية تنبأت بأن الإلكترونات ستدور وتدور لتسقط داخل النواة في جزءٍ من الثانية، ولكن من الواضح بأنَّ هذا لا يحدث، وذلك تنبؤٌ خاطئٌ، ومع تطورِ التّجارب الأخرى والتي لا تفسرها الفيزياء الكلاسيكية، جعل العلماء يبحثون عن شيءٍ ما جديدٍ ليوضحَ ويفسر العلم على المستوى الذري.

ولكن هذا لا يعني أن الفيزياء الكلاسيكية خاطئة، فالفيزياء الكلاسيكية هي نظريةٌ منقوصةٌ وليست خاطئةً، لكنها تكون قاصرة بشكلٍ كبيرٍ عندما يتم التعامل مع الوحدات الصغيرة (حجم ذري) حيث نستعمل ميكانيكا الكم، أو الوحدات السريعة جداً القريبة من سرعة الضوء، حيث تتولاها النسبية، أما الأشياء اليومية التي هي أكبر بكثير من الذرات والأبطأ كثيراً من سرعة الضوء فإن الفيزياء الكلاسيكية تعمل بشكل ممتاز ويكون من السهل استعمالها بدلاً من ميكانيكا الكم أو النسبية اللتين تتطلبان معلوماتٍ حسابيةً شاملةً ومعقدةً.

وتتلخص أهمية ميكانيكا الكم في تفسير بعض الظواهر والتجارب الفيزيائية التي لم تستطع أيُّ تصورات كلاسيكية تفسيرها، ومن أشهر هذه الظواهر مفهوم مستويات الطّاقة المنفصلة، القائل بأن الإلكترونات يمكن أن توجد فقط في مستويات الطاقة المنفصلة التي تمنعها من السقوط في النواةِ، بالإضافة لبعض المفاهيم الغريبة مثل الصفة المزدوجة لبعض الجسيمات، والنفق الكمي ومبدأ عدم الدقة لهايزينبيرغ، وغيرها، والتي سنتناولها تباعاً في سلسلة مبسطة حول ميكانيك الكم.

في النهاية قصور الفيزياء الكلاسيكية وظهور النسبية وميكانيكا الكم، جعلتا النظرة إلى العلم على أنه وقائع ثابتة تتغير، فإذا كان أساس العلم هو القدرة على قياس الأشياء بدقةٍ، فإن ميكانيكا الكم تقول بأنه من المحال أن تصبح تلك المقاييس دقيقة، فمبدأ عدم الدقة لهايزينبيرغ يضع البشر أمام خيار واحد، وهو استحالة بناء أداةِ قياسٍ واضحةٍ تعالج كلَّ المتغيرات في الكميات الفيزيائية الحقيقية، واعتمادها ككميات تعبر بشكلٍ مطلق عن ظواهرَ لا يمكن تفسيرها رقمياً أحياناً على غرار ظواهرنا الكلاسيكية؛ التي فسرت بشكل لا يقبل الشك، ولا يقبل التغييرات الجامدةِ في المنطق الفيزيائي المتبع لدينا كفيزيائيين !

المصادر:
pbs.org
livescience.com

مراجعة وتعديل: فراس كالو

تدقيق لغوي: محمد طحان

العلماء يكتشفون أن الجاذبية لا تتأثر بالعالم الكوانتي !

العلماء يكتشفون أن الجاذبية لا تتأثر بالعالم الكوانتي !


عندما نتحدث عن الفيزياء فلابد لنا أن نقف عند الجاذبية، والتي نلحظ تأثيرها إلى حد كبير في كل شيءٍ في كوننا، فهي تحافظ على الكواكب تدور حول النجوم، وعلى النجوم تدور حول الثقوب السوداء، وكذلك فإن كل منا عالق على كوكب الأرض بفعل الجاذبية.
وفي حين أن جميع الأجسام الضخمة في الكون تؤثر وتتأثر بالجاذبية، فقد فشل الباحثون حتى يومنا هذا في إيجاد صلة بين الجاذبية وميكانيكا الكم، وبعبارة أخرى يبدو لنا أن قوانين الجاذبية لا تكترث بعالم الكوانتم، وهذا كان عقبة أساسية في طريق إيجاد نظرية كل شيء منذ أيام أينشتاين.

ففيزيائياً لدينا نوعان من الفيزياء لشرح مايحدث في الكون:

1- الفيزياء الكلاسيكية :

والتي تشمل كل بحث تم إنجازه قبل القرن العشرين ، وتصف سلوك الكثير من كل ما يمكن أن يرى (الكواكب، النجوم، البشر..).

2- وهناك أيضاً ميكانيكا الكم :

وهي نهجٌ جديد يحاول تفسير سلوك الجسيمات الأصغر في الكون مثل (الفوتونات، الالكترونات، بوزون هيغز).
ويحاول العلماء جهدهم توحيدهما لنحصل على نظرية شاملة وهي نظرية كل شيء، والتي يمكن أن تفسر الكون فيزيائياً ككل على حد سواء مع الجسيمات الصغيرة في معادلات رياضية موحدة.

والدراسة الجديدة هي جزء من تلك المحاولات؛ حيث استخدم فريق من الباحثين الصينيين في جامعة هواتشونغ للعلوم والتكنولوجيا؛ تقنية جديدة للبحث عن أي نوع من الصلة بين الجاذبية ونظرية الكم.

ذلك أنه وفقاً للنظرية النسبية العامة فإن تأثير الجاذبية متطابق لجميع الأجسام وهذا يعرف بمبدأ التكافؤ، أي أنه بالنسبة للأجسام التي لها نفس الكتلة فإنها تتبع نفس المسارات إذا سقطت سقوطاً حراً في الفراغ.

ولكن الباحثين افترضوا أنه إذا كان هناك نوع من الارتباط بين الفيزياء الكلاسيكية وميكانيكا الكم على مستوى صغير على الأقل فإن الجاذبية ستعمل بشكل مختلف قليلاً اعتماداً على ما يسمى بالغزل الكوانتي؛ وهو نوع من العزم الزاوي الذي يصف ما يقوم به جسيم صغير كالألكترون؛ فإذا كان هناك أي تأثير منها على الجاذبية، فقد تكون هذه خطوة في سبيل إيجاد نظرية موحدة.

في التجربة الأخيرة، اعتمد الفريق الصيني في اختبارهم بشكل أساسي على إعادة تجربة غاليليو الشهيرة في السقوط الحر ولكن على نطاق صغير جداً جداً.

حيث أخذوا اثنتين من ذرات الربيديوم (Rubidium) مع تعاكس في اتجاه الغزل الكوانتي، وقاموا بتبريدها بشكل كبير ووضعوها في أنبوب من الفراغ، وبعد ذلك قدموا لها دفعة صغيرة بواسطة شعاع ليزر من أسفلها والذي دفعا صعوداً في الأنبوب قبل أن تسقط إلى أسفل مرة أخرى، حيث قاموا بتوليد نافورة من الذرات ترتفع وتسقط باستخدام تقنية تدعى تداخل الذرات والتي تستغل الطبيعة الموجية للذرات لمراقبة الحركة.

واستطاع الباحثون قياس سرعة الذرات عند سقوطها في كل مرة بدقة، حيث بينت هذه الدراسة أنه لم يكن هناك أي تأثير للجاذبية ولذلك تمكنوا من القياس!

وعليه فإننا مازلنا نترقب القادم من الأيام وما تحويه من دراسات جديدة، فعندما نلاحظ تغير سلوك الجاذبية؛ عندها سنكون على بعد خطوة واحدة من نظرية كل شيء !

المصدر:
sciencealert.com

العلماء يكتشفون شكلاً جديداً للضوء !

العلماء يكتشفون شكلاً جديداً للضوء !


اكتشف باحثون من جامعة (Trinity College Dublin) طريقةً جديدةً لانتشار الضوء لم يسبق رصدها من قبل، فاتحين بذلك باباً جديداً للأبحاث المتعلقة بالضوء.

فكما هو معروف أن الضوء له طبيعة مزدوجة جسيم وموجة تسمى هذه الخاصية بازدواجية موجة الجسيمات، ويكون محملاً بالطاقة الكهرومغناطيسية، لكن العلماء اكتشفوا أنه لايحمل الطاقة فقط، بل يحوي على زخمٍ خطيٍّ (linear momentum كمية حركةٍ خطيةٍ) أيضاً الذي يمكن استخدامه لدفع الأشرعة الشمسية أماماً (الأشرعة الشمسية تقنية تستخدم عاكسات كبيرة يدفعها الإشعاع الشمسي)، ويحوي على زخمٍ زاويٍّ (angular momentum كمية حركةٍ زاويّةٍ)، هذا يعني أن شعاع الضوء يمكنه أن يدور حول محوره.

هذا الدوران غير مرئي للعين المجردة، ولكن يمكن تحديده اعتماداً على كيفية تفاعل الضوء (الذي يدور) مع المادة في الأبعاد-الثلاثة؛ قيمة الزخم الزاوي دائماً ضعف ثابت أساسي في الكون يعرف بثابت بلانك، ولكن الأمور تختلف في الأبعاد الأُخرى.

ففي ورقة علمية نشرت في مجلة Science أظهر الفريق أنه في بُعدَين، تحوي مكونات الزخم الزاوي على قيمٍ كسريةٍ، كائنةً نصفَ عددٍ صحيحٍ مضروبٍ بالثابت بلانك.
هذا الشرح هو الأول الذي يظهر هذه الخاصية للفوتونات، على الرغم من أنه ثبت منذ فترة طويلة أن الحالات الكمومية (قوة موجهة تحوي على جميع المعلومات عن نظامٍ ما) تستطيع التشكل عندما تستبدل الإلكترونات في الأبعاد الأقل.

وعلّق Paul Eastham مساعد البروفيسور المؤلف البارز في الورقة قائلاً:
"الذي أظنه مثيراً جداً في النتائج هو أن حتى الخواص الأساسية للضوء، التي ظنّ الفيزيائيون أنه تمت معالجتها، يمكن أن تتغير!"

كان بوسع الفيزيائيين أن يشكلوا الحالة الكمومية الجديدة، عبر الحصول على شعاعٍ من الضوءِ ماراً عبر كريستال خاصٍ يقيد الفوتونات على سطح أسطوانةٍ، والفريق كان قادراً أيضاً على قياس كامل الزخم الزاوي وتحديد إشارة في تقلبات مكوناته التي توافقت إلى قيمة كسرية.

الاكتشاف قد يحصل على تطبيقات في الاتصالات البصرية، ولكن الأكثر أهميةً أن هذا الاكتشاف يظهر لنا أنه حتى وقتنا هذا مازال الضوء مليئاً بالألغاز!

المصدر:
iflscience.com

اقتراح: محمد رضا

تدقيق لغوي: محمد طحان

الطريق إلى نوبل يبدأ من ذرة الليثيوم !

الطريق إلى نوبل يبدأ من ذرة الليثيوم!


في عامِ 1951م تم تكريم كلاً من عالم الفيزياء البريطاني "جون كوكروفت" وعالمُ الفيزياءِ الإيرلندي "إرنست والتون" بجائزة نوبِل للفيزياءِ، مشاركةً، وذلك لأبحاثِهِما الرائدة على الذرّة وتحديداً في مجال تغييرالنواة الذرَّية بواسطةِ تصويبِ جسيماتِ أوليةِ معجّلةِ عليها.

لكن مايجهله البعضُ أن سبب هذا التكريم يعودُ إلى ما يُقارِب 84 عاماً تقريباً وتحديداً في 28 أبريل/نيسان 1932م، حينها أعلنَ كلٌّ من "جون كوكروفت" و "إرنست والتون" نجاحَهما في تقسيمِ نواةِ الذَّرةِ، حيثُ قسَّمَت تجربَتَهُم النَّواةَ في مركزِ ذَّرة الليثيوم باستخدامِ نفقِ ميكانيكا الكمّ، أو ما يعرف بالنَّفقِ الكموميَّ، وتمكَّنُوا من تحويلِ اللَّيثيوم (Li) إلى الهيليوم (He) وغيرِها من العناصرِ!

ونفقِ ميكانيكا الكمَّ أو النَّفقِ الكموميَّ في الفيزياءِ؛ هو ظاهرةُ تخلُّلٍ أو اجتيازِ جسيمٍ أوَّليًّ لحاجزٍ جهديًّ طبقاً لميكانيكا الكمَّ، في حينِ أنَّ الميكانيكا التَّقليديةَ لا تسمحُ لهُ بالنَّفاذِ حيثُ أنَّ طاقتَهُ أقلُّ مِن طاقةِ الوضعِ في الحاجزِ.
وتلعبُ ظاهرةُ تخلُّلِ الحواجزِ الكموميَّة دوراً رئيسيَّاً في بعضِ الظَّواهرِ الطَّبيعيَّة مثل النَّشاطِ الإشعاعيَّ وتحلَّلُ بيتا وتحلَّلُ ألفا، ويعودُ ذلِكَ إلى الطَّبيعة المُزدوجَةِ لبعضِ الجُسيماتِ.

وتُستغَلُّ عمليَّاً في أجهزةِ ديود نفقي ومجهرِ المسحِ النَّفقيّ، ويعودُ تصوُّرُ التَّخلُّلِ النفقيَّ للجسيماتِ إلى أوائلِ القرنِ العِشرين، إلا أن قُبولَها وإثباتَهَا لَم يتحقَّق إلى أواسطِ القرنِ، بعدَ نُضُوجِ ميكانيكا الكمَّ.

تدقيق لغوي : محمد طحان

المصادر:
rsc.org
nobelprize.org

جميع الحقوق محفوظة © أرابوست

تصميم الورشه