مقالات بالعربي: م. محمد باقي
‏إظهار الرسائل ذات التسميات م. محمد باقي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات م. محمد باقي. إظهار كافة الرسائل

10/05/2016

النفق الكمومي !

النفق الكمومي, Quantum Tunneling, النفق الكمومي (Quantum Tunneling)

النفق الكمومي !


تعتبر ظاهرة النفق الكمومي (Quantum Tunneling) من أكثر الأفكار غرابةً ومتعةً في فيزياء الكوانتم؛ فقد ساهمت في تفسير الكثيرِ من الظواهر الطبيعية ويُعزى لها الفضل في كثير من التطبيقات التكنولوجية؛ فما هو هذا المفهوم الكمومي؛ النفق الكمومي؟

بدايةً وقبل أن ندخل في إطار المفهوم الفيزيائي لهذه الظاهرة لنأخذ مثالاً نشرح فيه ماهية النفق الكمومي:

خذ كرة مطاطية أو كرة تنس صغيرة وقف أمام حائط و ارمِ الكرة صوب الحائط مراراً وتكراراً؛ سوف ترتد في كل مرة عن الحائط، ومهما رميتها فإنها سترتد؛ فأنت تعلم أن الكرة لا تملك الطاقة الكافية لتخترق الحائط دون أن تلحق به ضرراً ( أي لن تخترقه) وهذا الأمر ما تُصرح به الميكانيكا الكلاسيكية التقليدية.

ولكن في عالم الكوانتم يختلف الأمر فنظرية النفق الكمومي تقول أنه يوجد احتمال صغير جداً بأن الكرة قد تخترق الحائط لتكمل مسيرها إلى الطرف الأخر !

ولكن تلك الإحتمالية بالنسبة لجسم كبير كالكرة تكون معدومة؛ بحيث لو رميت الكرة ملايين المرات فإنها لن تخترق الحائط إلى الجهة الأخرى، أما في العالم الذري وما دون الذري؛ فإنه يمكن للإلكترون وهو جسيم أولي أن يخترق، ويعبر أي حاجز صلب أو حاجز طاقة أو أي نوع أخر من الحواجز، و كأن الحاجز غير موجود ليصبح في الطرف الآخر و يشكل نفقا ً يسمح له بالتحرك من خلاله، و هذا ما ندعوه بالنفق الكمومي.


وما يثير الدهشة في في عالم الذرات المحكوم بقواعد ميكانيكا الكم أن الجسيمات الأولية يمكنها اختراق الحواجز حتى لو لم تملك الطاقة الكافية لذلك بفضل التسلل عبر النفق الكمومي، و السبب في ذلك عزيزي القارئ يعود إلى الطبيعة المزدوجة الموجية الجسيمية للإلكترون !

فجميعنا نعلم أن الجسيمات الأولية ومنها الإلكترون يمكن أن تتصرف كأمواج أو كجسيمات، وهذا يعني أن الإلكترون لن يتواجد في مكان و زمان محددين، ولن يمتلك مقداراً محدداً من الطاقة في لحظة محددة، و إنما تواجده سيكون وفق موجة من الإحتمالات.

فلو شبهنا قوة جذب النواة الموجبة الشحنة للإلكترون سالب الشحنة بحاجز يمنع الإلكترون من الإفلات من قوة الجذب (الحاجز الجذبوي للنواة)؛ فإن الإلكترون يستطيع في بعض الحالات أن يفلت من الحاجز الجذبوي، و يتواجد خارج الذرة، و هو احتمال وارد دوماً؛ حتى لو لم يملك الطاقة الحركية للإفلات، وإنما ذلك يحدث بفعل ظاهرة النفق الكمومي، والسبب طبيعة الإلكترون.

أهمية ظاهرة النفق الكمومي في حياتنا

في الواقع هذا المفهوم الغريب له أثر شديد، و رئيسي في عملية الإندماج الهيدروجيني النووي داخل الشمس لإنتاج الطاقة التي تمدنا بالحياة؛ إذ تبلغ درجة حرارة مركز الشمس تقديرياً حوالي 13.6 مليون كلفن، وهذه الحرارة غير كافية لحدوث الإندماج النووي، فلكي يحدث بين ذرتي هيدروجين؛ يجب أن تكون درجة حرارة مركز الشمس حوالي مليار درجة كلفن ! وذلك من أجل التغلب على قوى التنافر الكهربائي بين نواتي الهيدروجين؛ بمعنى آخر لن يحدث الإندماج من الناحية النظرية؛ ولكن بفضل ظاهرة النفق الكمومي يحصل الإندماج حتى لو لم تتوافر هذه الحرارة !

و هي فرصة ضئيلة تتمكن فيها بعض الجسيمات الأولية من التسلل لخارج الذرة عبر النفق فتُمكِن بذلك درجة الحرارة المتوافرة من دمج نواتي الهيدروجين، وهذه الفرصة الضئيلة التي يتيحها لنا النفق الكمومي تُخضِع حوالي 4 ملايين طن من الهيدروجين في كل ثانية لعملية الإندماج لتشكيل طاقة الشمس.

أيضاً أحد التطبيقات المهمة لهذا النفق هو رقائق الكومبيوتر التي لولاها لكانت الحواسيب بأحجام كبيرة جداً (حجم غرفة تقريباً)؛ وصولاً إلى اختراع المجهر الماسح النفقي (STM) من قِبَل "جيرد بينيج" و "هاينريخ روهرير" بهدف تصوير الذرات المنفردة على سطح المعدن.

المصادر:
1-نظرية الكمية لا يمكن أن تؤذيك تأليف : ماركوس تشاون ترجمة : د. يعرب الدوري
2-ميكانيكا الكم بين الفلسفة والعلم تأليف : يوسف البناي
3- ميكانيكا الكم تأليف د. سعود اللحيان . جامعة أم القرى. منشورات كلية العلوم التطبيقية .
4- Taylor, J: Modern Physics, page 473-475. Prentice Hall, 2004

9/27/2016

أسرع من سرعة الضوء؛ المحرك الزمكاني ؟!

أسرع من سرعة الضوء؛ المحرك الزمكاني ؟!


قد يبدو العنوان للوهلة الأولى أنه نوع من الخيال العلمي المحض ولكن ببساطة...لا !
في هذا المقال سنناقش فكرة غريبة على الواقع الفيزيائي المعاصر ولا أستغرب إن قال أحدهم: حقاً؟ أهنالك ما قد يكون أسرع من الضوء نفسه؟ أَوَلَيست سرعة الضوء هو الثابت الفيزيائي العالمي حسب النظرية النسبية الخاصة لألبرت أينشتاين ؟؟

سرعة الضوء ثابتة، ولكن !

في الحقيقة نعم هي الثابت العام وسقف المعادلات الفيزيائية الرياضية، إذ تُصرِح النظرية النسبية الخاصة أن سرعة الضوء هي أقصى سرعة تستطيع أن تسافر بها كل أشكال الطاقة و المعلومات والمادة في الفضاء، ويرمز لسرعة الضوء بالرمز العالمي C وقيمتها الدقيقة هي (299,792,458 م/ثا) وهو ما يعادل بعد التقريب (300,000 كم/ثا)، كما وتعتبر سرعة الضوء سرعة مطلقة بمعنى أنها لا تتغير بتغير سرعة من أطلقها أو إتجاهه فإذا كنت تسير بسيارة سرعتها 120 كم/سا، وأطلقت الضوء الأمامي للسيارة فهذا لا يعني منح الضوء سرعة إضافية وهي سرعة تحرك السيارة، وهذا الإستنتاج النظري يُعد من أعظم ما توصل له أينشتاين فسرعة الضوء ثابتة بغض النظر عن سرعة المصدر.

والأجسام المادية في الفضاء - العادي - وحسب النسبية الخاصة؛ لا يمكنها أن تتجاوز سرعة الضوء والسبب أن زيادة سرعة الجسم المادي يسبب زيادة الكتلة تدريجياً و ببلوغ الجسم (فرضاً) سرعة الضوء تصبح كتلته لانهائية فضلاً عن الحاجة لتطبيق كمية لانهائية من الطاقة لتحقيق هذه السرعة للجسيم.

يبدو أن النسبية الخاصة أغلقت أبوابها في وجه الفيزيائيين التجريبيين، ولكن ليس النظريين المشككيين والمشاكسين!

فهذا الأمر لا يمنع الفيزيائيين من إجراء مناورة علمية حول النسبية الخاصة، وما يثير الدهشة وكما سنرى؛ أن هذه المناورة الكبرى - إن صح الوصف - هي مستلهمة من فكرة طرحها أينشتاين نفسه، كيف ذلك؟


استكشاف الفضاء السحيق قد يكون قريباً !

حلمت البشرية والحضارات العلمية القديمة منها و الحديثة كذلك؛ ببلوغ النجوم والكواكب و المجرات القريبة من نظامنا الشمسي بحثا عن حياة أخرى و أملاً بوجود كوكب مُلائِم لإستضافة الحياة البشرية يوماً ما إلا أن هذه الأحلام ظلت مستحيلة، وفي عصر سباق الفضاء والمركبات الفضائية، وفضول البشر، وبحثهم عن الحقائق والمعرفة خارج حدود كوكبنا الأم، تمكنوا من بلوغ القمر في خطوة تعد الأعظم إلى يومنا هذا للحضارة الحديثة.

ولكن ماذا عن تلك الأجرام السابحة في عمق الفضاء التي تبعد ملايين ومئات الألوف من السنين الضوئية عنا، فأقرب نجم إلينا (نجم ألفا قنطور) يبعد 4 سنوات ضوئية ما يعادل 75 ألف سنة، وأقرب المجرات لنا تبعد 4.3 سنوات ضوئية وتدعى بمجرة المرأة المسلسلة، فبالنظر إلى هذه الأرقام والمسافات الفاصلة الأقرب للخيال؛ لا نستطيع بلوغ أقرب النجوم إلينا؛ ناهيك عن بقية النجوم والكواكب وغيرها.

و قد يكون السبب الأول هو عمر الإنسان القصير والمقدر بمتوسط 75 سنة أرضية؛ فما بالك ب 75 ألف سنة ما يعادل العمر اللازم لبلوغ النجم الأقرب.
والأسباب الأخرى تتمثل بالتقنية والإمكانيات المحدودة بين يدينا؛ نهيك عن الطبيعة البيولوجية والأشعة الكونية وغيرها الكثير من الأسباب.

والحل قد يكون في المحرك الزمكاني (Warp Drive) !

فعباقرة العقل البشري ومهندسو وكالة الفضاء الأمريكية  ناسا وضعوا أينشتاين في مواجهة نفسه؛ أي النسبية العامة في مواجهة النسبية الخاصة، فقد طرح أينشتاين في النسبية العامة مفهوم نسيج الزمكان الموحد للكون، وفسر من خلال هذا النسيج الكوني قوى الجاذبية بأنها تقوس في الزمكان؛ كما فسر انحراف الأشعة والضوء القادم إلينا بأنها تنحرف لذات السبب وهو التقوس الذي تُحِدثُه الأجرام الكونية في نسيج الزمكان، وجميع هذه النظريات تم برهانها.

وما زاد هذه الفكرة جُرأةً هو ما تم إثباته العام المنصرم وأعلن عنه معهد الليغو في اكتشاف الأمواج الثقالية المتماوجة عبر نسيج الزمكان، وهنا لنتوقف للحظة؛ زمكان متموج يعني زمكان متحرك وبالتالي زمكان قابل للتمدد والتقلص! هل وصلتكم الفكرة؟

نعود الآن إلى عبارة ذكرتها سابقاً (فضاء عادي)؛ وهل يوجد فضاء غير عادي !؟؟
حسناً إن ناسا أحكمت قبضتها على هذه الفكرة؛ وصرحَت بِكُل جُرأة بأنها ستغير شكل الفضاء من فضاء عادي لفضاء متقلص و متمدد!
بحيث نتمكن عندها من بلوغ أقرب النجوم إلينا في سرعات تفوق سرعة الضوء؛ فبدلاً من 75 ألف سنة للذهاب إلى ألفا قنطور؛ سنختصر الرحلة في إسبوعين فقط، عن طريق المحرك الزمكاني.


وقد كان صاحب الفكرة الأساسية الدكتور هارولد وايت (Harold White) وفريقه ضمن وكالة ناسا، وقد أسموا هذا المحرك باسم (ألكيوبيري) نسبةً للفيزيائي النظري المكسيكي ميجيل ألكيوبيري (Miguel Alcubierre)؛ الذي قدم نظريات عام 1994 تعتمد على مبدأ "طي الفضاء" من نقطة الانطلاق إلى نقطة الانتهاء بسرعات خيالية!

ما هي آلية العمل المقترحة للمحرك الزمكاني ؟

ربما ستعمل هذه المحركات على إحداث انبعاج زمكاني حول المركبات الفضائية بالطريقة التالية:
1- حني نسيج الزمكان و فَرْد الفضاء خلف المركبة الفضائية؛ أي توسيع للزمكان.
2- تقليص الزمكان أمام المركبة الفضائية.
3-  إيجاد حالة توازن بين التقلص والتوسع من خلال الزمكان المحايد (العادي).


لاحظ الصورة:
القيم الموجبة + باللون الأحمر تدل على توسع الزمكان داخل المحرك و خلف المركبة
القيم السالبة – باللون الازرق تدل على حدوث تقلص حجم معين من الزمكان أمام المركبة.

وبينما يقوم الزمكان المحايد بحماية المركبة الفضائية من إضطرابات الزمكان أثناء تقدم المركبة للأمام سيشعر رواد الفضاء بحالة من عدم الجاذبية (0 Gravity)؛ وهذا طبيعي بغياب التحدب في الزمكان فلا توجد جاذبية.

ولكن يبقى السؤال ما هي طبيعة الزمكان القابل للإلتواء ؟ وكيف يمكن ذلك ؟

لا يلتوي هذا الفضاء المرن بشكل عشوائي فهو يخضع لمعادلات بالغة الدقة تسمى معادلات النسبية العامة تتيح لنا هذه المعادلات بحد ذاتها توسيع الفضاء إلى حدٍ معينة ليحمل معه مركبتنا.

وقد أطلق مهندسو ناسا على السفن الفضائية التي ستعمل بمحركات ألكيوبيري الزمكانية اسم (IXS Enterprise)، وقد تم تصميم نموذج يحاكي عملية عمل هذه المحركات التي تصل بسرعة قد تفوق سرعة الضوء بعشرِ مرات؛ ويسعى الآن علماء الفيزياء ومهندسو المركبات إلى تحقيق ثورة علمية لم يسبق لها مثيل في هذا المجال؛ الذي لازال قيد عمليات البحث والدراسات المتواصلة، والتطوير؛ لتحقيق الحلم الأكبر للحضارة البشرية في استكشاف الفضاء.

فهل سنراه يتحقق على أرض الواقع ؟


المصادر :
1- nytimes.com
2- iflscience.com
3- مدونة وموقع NASA
4- مجلة العلم والحياة الفرنسية.
5- ما النسبية؛ تأليف :فرانسوا فانوتشي. ترجمة: د. عزالدين الخطابي.
6- فيزياء المستحيل؛ تأليف : د.ميشيو كاكو ترجمة : د.سعد الدين خرفان.
7- أسرع من سرعة الضوء؛ تأليف :د. جواو ماكيويجو. ترجمة :سعيد الأسعد.

9/21/2016

التشابك الكمي أو الكمومي و التأثير الشبحي !

التشابك الكمي أو الكمومي و التأثير الشبحي !


فلنقل بدايةً أن هذه الفكرة للوهلة الأولى لا تقل غرابةً أو جنوناً على ما اعتدناه من ميكانيكا الكم، التي حولت الخيال إلى علم وتجارب على أرض الواقع؛ لتبرهن يوماً بعد يوم على ضيقِ الحِس البشري ومحدودية العقل البشري؛ وتصدم مُتابعيها وباحثيها بحقائق لطالما وصفها الكثيرون بالخيال أو التُرهات العلمية.

ما هو التشابك الكمومي (Quantum Entanglement) ؟

هو مصطلح كمومي يشير إلى وجود علاقة ورابط وهمي غير مرئي وآني بين الجسيمات؛ في العالم دون الذري وعلى مستوى الكوانتم، وتكمن الفرضية في إمكانية ترابط جسمين مع بعضهما البعض حتى لو كانت المسافة الفاصلة بينهما تصل إلى ملايين السنين الضوئية، وأي تغيير في سلوك أحد الجسمين المترابطين كمومياً سيؤثر في الأخر فوراً وبشكل لحظي حتى لو كان الآخر في أقاصي الكون!

ويعد الفيزيائي الإيرلندي جون بيل (John Bell) أول من دعم هذه الفكرة، وحولها من فلسفة إلى تجارب وواقع علمي وذلك عام 1964؛ عندها وفي ذلك اليوم انتصرت ميكانيكا الكم على أبرز عقول القرن العشرين ومؤسس النسبية العالم ألبرت أينشتاين؛ إذ أن ألبرت أينشتاين كان يرفض التشابك الكمومي رفضاً قاطعاً بل ودعاها سُخريةً باسم التأثير الشبحي عن بُعد (spooky action at a distance).

و لتوضيح الفكرة أكثر عن التشابك الكمي دعونا نأخذ مِثالاً نشرح فيه نظرياً هذه الفكرة الكمومية: 

لنتخيل أنكَ فرغتَ من عملك وقضيت إجازتك في أقرب نجم لنا؛ وهو نجم بروكسيما سيتوري (Broxima citory)، ويبعد 4 سنوات ضوئية فقط، والتقطت صوراً جميلة وأردت أن تُرسِلها إلى صديقٍ لكَ ما زال على كوكب الأرض، وبذلك سيستغرق وصول الصورة 4 سنوات ضوئية، ولا أمل في أن تصل في وقت أبكر؛ والسبب واضح أن المعلومات يتم إرسالها على شكل ضوء، فلا شيء يفوق سرعة الضوء، ولكن الأمر سيختلف لو أجريت تشابك كمومي على مستوى ذرات الأجهزة مع صديقك الأرضي؛ وبذلك سيتم كسر القاعدة في إرسال البيانات إليه وسيكون الإرسال فورياً وفي لمح البصر !

إنطلاقاً من هذه الفرضية هناك محاولات جادَّة من علماء لتطوير تقنيات لنقل المعلومات والبيانات بسرعة تفوق سرعة الضوء لتحقق ثورة علمية قادمة في مجال نقل المعلومات عبر الفضاء، وآخرون في معاهد علمية متقدمة يسعون إلى تطبيق هذه الفرضية لتحقيق فكرة "النقل الآني".

كيف تحول التشابك الكمومي من فرضية إلى واقع ؟

كما ذكرنا آنفاً؛ فإن الفيزيائي الإيرلندي جون بيل حوَّل بورقة علمية المشكلة الكمومية إلى تجربة بسيطة، ورغم أن درجاته كانت سيئة في ميكانيكا الكم؛ إلا أن طالب الدكتواه وقتها استطاع أن يبرهن هذه الفرضية، وقد صعقته النتائج عندما علم أنها حقيقة لا خيال، وبعدها جاء الفيزيائي الفرنسي آلان سيبيه ليزيد من قوة الفرضية ويجري تجربة معقدة ومتطورة للغاية ليثبت مع زملائه حقيقة التشابك الكمومي.

حديثاً تمكنت عدة مجموعات بحثية من إجراء تجارب تدعم آراء جون بيل وفكرة التشابك الكمي، وقد قامت واحدة من هذه التجارب بقيادة الفيزيائي كريستر شالم من المعهد الوطني للمعايير والتقنية (NIST) بِرصدِ التشابك الكمومي بين الفوتونات، حيث أن الفوتون المتشابك بالفوتون الأول كان يقوم بنفس التأثير اللحظي على شرائح معدنية خاصة ومبردة قريباً من الصفر المطلق، في التجربة.

في النهاية يقول فرانسيسكو مارسيلي (مسؤول في وكالة ناسا في قسم مختبرات الدفع النفاث (JPl):
"أن جون بيل كان محقاً فأي نموذج في العالم يحوي على متغيرات خفية يجب أيضاً أن يسمح للجسيمات المتشابكة أن يؤثر أحدها على الآخر عن بعد".

المصادر:
1- space.com
2- techinsider.io
3- كتاب ميكانيكا الكم بين الفلسفة والعلم، تأليف: يوسف البناي.

مراجعة وتعديل: فراس كالو

9/06/2016

مبدأ الإرتياب لهايزنبرغ

مبدأ الإرتياب لهايزنبرغ

إنه أحد أغرب المبادئ في ميكانيكا الكم، وأكثرها إثارة للجدل على الإطلاق، ورغم محاولات البعض بناء آراء فلسفية عليه، إلا أنه في جوهره ليس سوى دلالة على قصور العقل البشري أمام طبيعة الجسيمات في عالم ميكانيكا الكم، فدائماً ما سببت ميكانيكا الكم جدلاً كبيراً في الأوساط العلمية العامة ﻷنها مبنية على إحتمالات وتصورات مسببة للحيرة؛ إلا أن قوة الرياضيات ودقة معادلاتها أثبتت صحتها؛ أضف على ذلك الكمية الهائلة من التجارب التي أيدتها يوماً بعد يوم، ولعل أهم مبدأ إحتمالي ترتكز عليه نظرية الكوانتم هو مبدأ الشك أو اللادِقة أو الإرتياب؛ وكلها مسميات لنفس الموضوع وهو مبدأ هايزنبرغ الشهير.

مبدأ الإرتياب

في عام 1927 صاغ العالم الألماني فيرنر هايزنبرغ الحاصل على جائزة نوبل في الفيزياء (1932)، صاغ مبدأ الإرتياب أو عدم التأكد (principle of uncertainty) والذي ينص على:
لا يمكن تحديد خاصتين مُقاسَتيْن من خواصِ جُملةٍ كمومية إلا ضِمن حدود معينة من الدقة؛ ومعنى هذا الكلام أنه لا يمكن تحديد سرعة ومكان جسيم بدقة في نفس الوقت؛ إما أن نُحدِد مكانهُ أو سرعته؛ أما أن نحدد الإثنين معاً فهذا الأمر مستحيل.

ومن هنا يمكننا أن نجد أن عالم الكوانتم و المُتمثِل بالجُسيمات الذرية ودون الذرية؛ محكومٌ بالإحتمالاتِ ولا يمكننا التعامل معهُ بشكلٍ دقيقٍ، وهو السبب الذي أحدث المتاعب والريبة في فَهمِ عالمِ الكم. فلا يمكن للفيزيائيين معرفة كل شيء بدقة 100%، ولا يُمكِن قياس ورصدِ الجُسيماتِ بدقةِ 100%؛ إنما هُنالِك مِقدارٌ معينٌ لايُمكِن قياسُه أومعرِفتُه وبالنتيجة لا يُمكِنُ لِعلمِ الفيزياءِ أن يفعل أكثر مِن أن تكون لديه تنبؤات إحتمالية على المستوى الكمومي.




على سبيل المثال:

إذا كانت لديك فكرةٌ جيدة عن موقعِ شيءٍ ما؛ عِندها ولدرجةٍ مُعينةٍ ستكون لديك فكرةٌ ضعيفة عن مدى سرعته، أو في أي جهة يتحرك؛ والعكسُ صحيح.

إننا لا نلاحظ ذلك في حياتنا اليومية لأن أي ارتيابية مُتأصلة انطِلاقاً مِن مبدأ هايزنبرغ هي غير مؤثرة، ولايمكن رصدُها إلا على المستويات الذرية وما دونها؛ فقد ترى سيارةً مركونةً؛ فتظن بالتأكيد أنك تعرف موقعها وسُرعتَها ولكن على المستوى الذري هل ستعرف تلك الأشياء تماماً ؟

إذا كنت تقيس موقع السيارة بدقة تصل إلى مليون مليون من السنتيمتر؛ فإنك بذلك ستحاول أن تقيس موقع الذراتِ المُنفردةِ التي تُكَوِن السيارة، وتلك الذرات تهتزُ لأن درجةَ حرارةِ السيارة أكبر من الصِفر المُطلق، وبالتالي هُنالِك عدمُ دِقةٍ في القياس على المستوى الذري.

فيرنر هايزنبرغ

وقد شَكَّل مبدأُ الإرتياب لهايزنبرغ جدلاً بين أكبر تيارين في الفيزياء الحديثة؛ وهما تيار أينشتاين المؤمن بالحتمية فقط والرافض للإحتمالية، وعبر عن ذلك أينشتاين بمقولته الشهيرة: "إن الإله لا يلعب النرد بهذا الكون".
والتيار الثاني هو تيار نيلز بور مؤسس الكم والمؤمن بالإحتمالات وقوة الرياضيات، والذي أرسل لأينشتاين قائلاً: "لا تُخبِر الإله عما يجب عليه فعله".
وانتهى هذا الجدل بمؤتمر سولفاي الشهير؛ عندما تمكن علماء الكوانتم من إثبات صحة معادلاتهم و تنبؤاتهم؛ إلا أن أينشتاين ظل رافضاً لفكرة الإحتمالية الخاصة بعالم ميكانيكا الكم حتى وفاته.

وقد وصف هايزنبرغ مبدأه بقوله:

"إن عدم استطاعتنا معرفة المستقبل لا تنبع من عدم معرفتنا بالحاضر، وإنما بسبب عدم استطاعتنا معرفة الحاضر"؛ وذلك كردٍ على المقولة السائدة: "أنه يمكننا معرفة المستقبل إذا عرفنا الحاضر بدقة".
ومعنى ذلك أنه مهما تطورت وسائل القياس والرصد لدينا لن نتمكن من الوصول لفهمٍ كاملٍ و شاملٍ للطبيعةِ حولنا؛ دوماً هُنالِك مِقدارٌ مِن عدمِ الدِقة وعدم التأكد.

توضيح

خُذ مُسدساً من الفوتونات وصوِبهُ نحو جُسيمٍ لقياسِ سُرعتِه وموضِعهِ، في الحقيقة ستكون القراءة غير دقيقة مهما كانت دقتها، والسبب أن الفوتونات تتمتع بزخمٍ، فتقومُ بدفعِ الجُسيمِ عند الاصطدام به فيُغيرُ موضِعَهُ وبالتالي لا نستطيع تحديد موقعه وسرعته بدقة تامة!

وقد تم وصف مبدأ الشك بالصيغة الرياضية التالية:

حيث  عدم التأكد في كمية الحركة.
 عدم التأكد للموقع.
 ثابت بلانك.

أي عدم التأكد في دقة الموقِع مضروباً في عدم التأكد في كمية الحركة (الزخم)؛ لا بد أن يكون أكبر من المقدار h ثابت بلانك؛ أي أن حاصل ضربهما لا يمكن أن يكون صفراً وهذه النتيجة التي أدهشته وأدهشت الجميع.

في النهاية تقول ميكانيكا الكم أنهُ مِن المُستحيلِ الحصولُ على قياساتٍ تامةٍ؛ فلم يَعُد بمقدورِ الفيزيائيين أن يُعطوا توصيفاً حتمياً للأحداث الذرية وما دونها؛ بل مُجرد تنبؤاتٍ احتمالية، وفي هذا كسرٌ للاعتقادِ العلمي السائد بأن المعرفة البشرية قادرة على التنبؤ الدقيق بمصير الكون من الذرَّة إلى المجرة؛ ومبدأ هايزنبرغ هو حقيقةٌ تُفسِر طبيعة الوجود فقط !

المصادر:
1- narod.ru
2- nobelprize.org
3-  daarb.narod.ru
4- كتاب مبادئ ميكانيكا الكم؛ المؤلف: بول ديراك.

تدقيق لغوي: فراس كالو

9/01/2016

قطة شرودنغر ؛ القطة التي أدهشتنا !

قطة شرودنغر ؛ القطة التي أدهشتنا !


في هذا المقال من السلسلة التي نقدمها حول ميكانيكا الكم نتناول أغرب ماتقدمه هذه النظرية من فلسفة عميقة بالنسبة للوعي البشري؛ ولعل العديدين قد تناولوا هذا العالم الغامض وسعى الكثيرون من الفيزيائيين لإزالة الضباب والهالة السوداء التي تحيط بوعينا عند الحديث عن الكوانتم، و بعض ظواهرها وهنا محاولة جادة لتحطيم الحاجز بيننا وبين الكم ضمن مبادرتنا العلمية أرابوست.

قطة شرودنغر !

ومن منا لم يسمع بقطة شرودنغر الشهيرة تلك القطة التي جعلت وعينا البشري في مأزق يحتاج الإجابة، فما هي قطة شرودنغر؟ وما قصتها؟

بدايةً قطة شرودنغر ترمز إلى تجربة ذهنية فكرية تخيلية؛ قدمها عالم الكم الفيزيائي النمساوي إرفن شرودنغر الحائز على نوبل في الفيزياء عام 1933؛ تهدف هذه التجربة إلى إيضاح تأثير الوعي البشري في عملية الرصد والقياس وحسم الأمور وخصوصاً في الحالات الكمومية.

ماذا تحوي تجربة قطة شرودنغر ؟

في تجربة قطة شرودنغر (Schrödinger's Cat experiment) لدينا: صندوق معدني مغلق لا يتأثر بالمحيط الخارجي؛ وتوجد بداخله قطة؛ وعداد لقياس الإشعاعات يدعى عداد غايغر-ميولر، وزجاجة تحوي مادة سامة هي حامض الهيدروسيانيك، وكمية من مادة مشعة بحيث تكون (احتمالية) تحلل المادة المشعة بعد ساعة واحدة (ممكنة)؛ وأضف على هذه المحتويات مطرقة.

سير التجربة 

إذا تحللت المادة المشعة؛ فسيقوم عداد غايغر-ميولر بطرق المطرقة، والتي بدورها ستكسر الزجاجة الحاوية على المادة السامة والتي ستسيل وتقتل القطة؛ وإن لم تتحلل المادة المشعة فلا يحدث شيء من ذلك وتبقى القطة حية.
و الآن سأصحبك معي بعد ساعة واحدة فقط، والصندوق مغلق، وأنت وأنا لا نعلم إن كانت القطة قد ماتت أم لا ، في الحقيقة لا نستطيع الحكم على حياة القطة أو موتها إلا إذا قمنا بفتح الصندوق المغلق و نتأكد من حياتها أو موتها، هكذا يقول المنطق!

فقبل فتحنا للصندوق المغلق سنكون في حالة شك وارتياب ذهنيٍّ؛ في أي حالة ستكون القطة ؟
ميكانيكا الكم تقول بأنها ستكون موجودة في حالة تراكب (الموت-حياة)، ولن يزول هذا الشك والارتياب إلا إذا قمنا بفتح الصندوق لنحكم على قطتنا بالحياة أو الموت.

إذا سأصل بك للنتيجة التالية؛ كن منتبهاً !

بدون الإستعانة بعملية الرصد البشري المباشر تكون المادة المشعة عبارة عن دالة موجية أي احتمال أنها تفككت 50% (قطة ميتة)، واحتمال أنها لم تتفكك 50% (قطة حية).

وهنا عزيزي القارئ نذكِّر بأن الجسيمات الذرية ودون الذرية كالفوتون والإلكترون موجودة في الطبيعة بحالة تراكب وتكون دالة موجية بمعنى أخر (موجة-جسيم) وهي الإزدواجية، وهذا يدعونا لنعود بك إلى تجربة شقي يونغ في مقالنا السابق عندما نقوم بعملية رصد للإلكترون أو الفوتون بمفرده؛ سنجده بحالة جسيم أي بالصفة الجسيمية، وهذا يشبه عملية فتحنا للصندوق للحكم على القطة، وعند عدم وجود عملية رصد تماماً مثل وقوفنا أمام الصندوق قبل فتحه يكون الإلكترون بدالة موجية؛ ولا نستطيع الحكم على صفته.

فتجربة قطة شرودنغر مثال مشهور على الانفصام بين الصحة الرياضية والواقع الفيزيائي لظاهرة ما.

وفي حالة فتح الصندوق و رؤية القطة نُجبَر على اختيار حالة واحدة فقط: حياة أو موت و هنا تنهار الدالة الموجية لتحدد صفة واحدة فقط؛ تماماً كالإلكترون الذي عندما نرصده تنهار الدالة الموجية لتحدد صفة الجسيم فقط.

وهذه التجربة هي علاقة تأكيد على الترابط المتين بين ميكانيكا الكم والاحتمالات وهذا الأمر لم يكن يعجب أينشتاين!

و لتجربة قطة شرودنغر تفسيران

التفسير الأول: حدثتك عنه وهو تفسير كوبنهاغن*: القطة قبل فتح الصندوق ميتة وحية بنفس الوقت (الاحتمالية 50% لكلا الحالتين)، وعند فتح الصندوق تختار حالة واحدة فقط (يصبح لدينا احتمال واحد فقط مؤكد 100%).
التفسير الثاني: يفترض هذا التفسير أنه عند فتح الصندوق؛ إن رأينا قطتنا حية فإنها ستكون بنفس الوقت ميتة في كون موازي لكوننا فرضياً؛ وهذا الأمر سنأتي عليه في وقت لاحق عند طرح نظرية الأوتار أو ما يعرف باسم نظرية كل شيء.

وقبل أن أنقل تحيتي لك على صحبتك لنا في مقالنا هذا؛ دعني أنقل لك إعتذار العالم شرودنغر بقوله الذي لربما لم تسمع به من قبل:
"لو كان على المرء أن يلتزم بهذا القفز الكمومي الملعون فإنني آسف لأنني شاركت هذه النظرية !"

وأتمنى أن قطة شرودنغر أصبحت في قبضتك الآن عزيزي القارئ !
_________________________________

*تفسير كوبنهاغن: 

هو أحد أهم التفسيرات شيوعاً في علم ميكانيكا الكم، ويفترض أن ميكانيكا الكم لا تُسفِر عن وصف الظواهر الطبيعية بشكل موضوعي ولكن تتعامل فقط مع احتمالات الرصد والقياس، ولعل أغرب فروض هذا التفسير أن عملية القياس تؤثر على سلوك النظام الكمي؛ بمعنى أن عملية القياس تسبب ما يعرف بـ انهيار الدالة الموجية، وقد وضعت المفاهيم الأساسية لهذا التفسير من قبل نيلز بور وفيرنر هايزنبرج وماكس بورن وغيرهم في السنوات 1924-1928م.

المصادر:
1- iflscience.com
2- meditationandspiritualgrowth.com
3- Hermann Wimmel (1992); Quantum physics & observed reality: a critical interpretation of quantum mechanics. World Scientific

8/27/2016

الطبيعة الموجية الجسيمية للضوء و المادة !

الطبيعة الموجية الجسيمية للضوء و المادة !


يبدو أن فيزياء الكم Quantem physics سَعيدةٌ في هدمِ حدسِنا ووعينا البشري حول سير هذا العالم، وبعد طرحنا في مقالنا السابق تعريف موجز بعالمها الذي نعتقده غامضاً بشدة ومُبهَماً؛ اليوم نصحبكم من خلال هذا المقال والمقالات التي ستعقبه من السلسلة في جولة حول أهم قضايا ميكانيكا الكم، والتي نستهلها بالقضية الأولى وهي الصفة الموجية الجُسيمية للضوء أو الصفة المزدوجة للضوء.

الضوء جسيم أم موجة ؟

حسناً إن هذا التساؤل قديم قدِمَ ملاحظة الإنسان للظواهر الطبيعية والتعرف عليها، ففي عام 300 قبل الميلاد تقريباً، توصل العالم الإغريقي إقليدس إلى فرضية أن العين تصدر أشعة ضوئية تصطدم بالأشياء ثم تعود إليها فتبصر، وقد بقي هذا المفهوم سائداً طوال 13 قرناً، حتى جاء العالِم الحسن بن الهيثم في القرن العاشر للميلاد وأثبت أن العين لا تصدر أي ضوء، ولكن أشعة الضوء تنعكس من الأجسام إلى العين فتبصر، فكان أول شخصٍ يضعُ قوانين انكسار الضوء وانعكاسه، ويقال بأن ابن الهيثم اعتبر الضوء بسبب طبيعته هذه جسيمات.

وبعد حوالي 600 عام تقريباً، بدأ النقاش حول طبيعة الضوء يظهر إلى المجتمع العلمي على يد الفرنسي رينيه ديكارت، وقد رأى السير إسحق نيوتن أن الضوء هو سيلٌ من الجسيمات المتناهية في الصغر، في حين رأى العالم الألماني كريستين هيجن أن الضوء هو موجات أو ذبذبات وليس جسيمات، وكلا الطرفين كان له أدلته العلمية حول صحة رأيه.


إلى أن أتى عام 1801 فأجرى العالم توماس يونغ تجربته الشهيرة جداً التي تُدعى شقي يونغ (Young Double Slit Experiment) لتبين الطبيعة الموجية للضوء.

وتتلخص تجربة شقي يونغ بما يلي:

وضع هذا العالِم شاشةَ كشفٍ أو رصدٍ، ثم وضع أمام الشاشة لوحة تحوي شقين وبينهما مسافة فاصلة تمثل حاجزاً عائقاً وعندما قام بتسليط الضوء على الشقين انتقلت موجة الضوء عبر الشقين بحيث تنشأ مويجات (أمواج أصغر) عن كل شق، وتتداخل هذه المويجات مع بعضها البعض لتعطي سلسلة من الأهداب المضيئة والمظلمة (نمط تداخل) عند عرضها على الشاشة، وهذا لايدع مجالاً للشك حول الطبيعة الموجية للضوء.

أما السلوك الجسيمي للضوء فسيظهر من خلال الفوتونات؛ التي تعد بشكل دائم وحدات لا تقبل التجزئة، ويحدث البرهان الأكثر وضوحاً على وجود الصفتين الموجية الجسيمية إذا أرسلنا أحد الفوتونات واحداً تلو الأخر عبر الشقين، وفي هذه الحالة يعطي كل فوتون بقعةً مضيئةً على الشاشة، ولكن عندما نجمع النتائج بعد مرور عدد كبير من الفوتونات نلاحظ ظهور نمط التداخل (الصفة الموجية).
لكن هذه التجربة جعلت الجدل حول طبيعة الضوء جسيم أم موجة يحتدم أكثر!


الطبيعة المزدوجة للمادة و الضوء؛ الجسيم و الموجة معاً !

في عام 1887، لاحظ العالم هِرتز أنه عند تعريض سطح من مادة موصلة لشعاع فوق بنفسجي فإن الشرر الكهربائي يتولد بسهولة أكبر، وفي عام 1905 قدم العالم أينشتاين ورقة بحثية فسرت النتائج العملية للظاهرة الكهروضوئية على أن الضوء يتكون من جسيمات (فوتونات) وهي كمات محددة من الطاقة مستفيداً من أفكار سابقة لماكس بلانك، وقد مُنِح أينشتاين على إثرها جائزة نوبل في الفيزياء عام 1921 لتفسيره التأثير الكهروضوئي.

وليأتي بعده الفيزيائي الفرنسي لويس دي برولي الذي أسس لنظرية الإزدواجية القائلة بأن للمادة خواص موجية وخواص جسيمية؛ والمأخوذة من تجارب أينشتاين وماكس بلانك، وأثبت الصفة الإزدواجية على الإلكترون عام 1927، وفاز دي برولي بجائزة نوبل في الفيزياء عام 1929.

وبالتالي لدينا عزيزي القارئ نتيجة أن الإلكترونات مثلها مثل الفوتونات تتصرف بسلوك مزدوج بل وإن هذا المبدأ أو هذه الطبيعة تنطبق على كل جملة فيزيائية فأي موجة تملك طبيعة جسيمية وأي جسيم مادي يملك طبيعة موجية !

وعلينا الآن طرح السؤال التالي؛ كيف يمكن لشيء كمي أن يكون جسيم و موجة في آنٍ واحد ؟!

علينا القول أنه من الخطأ أن نقول أن الضوء سيل من الجسيمات تتحرك نحو الأعلى أو الأسفل بطريقة موجية؛ إن الضوء والمادة يوجدان كجسيمات، وإن السبب في كون الضوء يظهر أحياناً كموجة هو تراكم العديد من جسيمات الضوء.
بمعنى آخر الفوتون الوحيد هو جسيم؛ ومجموعة الفوتونات يمثل موجة؛ حسناً إنها ميكانيكا الكم!

لنأخذ المثال التالي للتوضيح : 

بفرض لدينا آلة لرمي السهام احتمال بلوغ مركز الهدف 9% واحتمال إصابة الحلقة الخارجية حول نقطة الهدف 91%، وليس لها أي فرصة لتخرج خارج الرقعة.
الآن لندع الآلة ترمي 100 سهم و كلها علقت في الرقعة؛ يمكننا أن نرى عندها كل نبلة لوحدها؛ وهنا هو التصرف و السلوك الجسيمي؛ ولكن بنفس الوقت يمكننا أن نرى نموذجا ًفي الرقعة مكوناً من حلقة كبيرة من السهام هي تراكم السهام المنفردة؛ ويمثل هذا الأمر السلوك الموجي للسهام.

في النهاية دعني أصل بك للنتيجة التالية؛ لايمكن فهم الخصائص التجريبية للضوء إذا كان موجة أو جسيم؛ بل يمكن فهمه فقط إذا اعتبرناه الاثنين معاً، وهذا ما أكده ورسَّخه العالم لويس دي بروغلي عندما قال:
"من غير الممكن ومن غير الضروري اختيار أحدهما الموجة أو الجسيم لأن كلاهما أساسي لوصف كامل للطبيعة !

المصادر:
1- phys.org
2- light2015.org
3- nobelprize.org
4- كتاب مبادئ ميكانيكا الكم؛ المؤلف: بول ديراك
5- Tony Rothman, Everything's Relative and Other Fables in Science and Technology

مشاركة إعداد وتعديل: فراس كالو

8/22/2016

مقدمة في ميكانيكا الكم

مقدمة في ميكانيكا الكم, Quantum mechanics, ما هي ميكانيكا الكم, ميكانيكا الكم, لماذا نشأت ميكانيكا الكم, الفيزياء التقليدية غير صحيحة, ما أهمية ميكانيكا الكم

مقدمة في ميكانيكا الكم


ميكانيكا الكم (Quantum mechanics)، يكاد لا يخلو شخص مهتم بالفيزياء من الدهشة والتساؤل عند ذِكرها، في الحقيقة هذا ليس شعور الأشخاص العاديين فقط؛ بل حتى العلماء أيضاً، يقول العالِم نيلز بور: "إن لم تكن ميكانيكا الكم قد صدمتكَ بعمق فأنت لم تفهمها بعد" !

وموضوعنا اليوم يهدف إلى تقديم نظرة عامة وموجزة للشخص العادي عن أهمية ميكانيكا الكم وغرابتها.
ومع الأسف، فإن معظم الناس يعتقدون أنهم بحاجة إلى عقل كعقل أينشتاين من أجل فهم ميكانيكا الكم ولذلك فهم لا يخوضون فيها أبداً، و من الطريف أن أينشتاين نفسه لم يكن يؤمن بأن ميكانيكا الكم نظرية صحيحة، ووصفها بالسحر الأسود؛ ورغم ذلك حصل على نوبل في ظاهرة التأثير الكهروضوئي وهي تتبع ميكانيكا الكم !

وأينشتاين ليس وحده من أدهشته ميكانيكا الكم فقد أدهشت الكثيرين غيره، لذلك نرجو أن تقرأ الموضوع وأن تأخذ غطسة في محيط من المعلومات التي ستجدها منعشة تماماً :)

فإذا كانت فكرتك عن الذرة، إلكترونات تدور حول النواة، فإن فكرتك منتهية الصلاحية منذ 70 عاماً، وقد حان الوقت لتفتح عينيك للعالَم الحديث عالَم ميكانيكا الكم!

فما هي ميكانيكا الكم ؟

تعريف ميكانيكا الكم

هي مجموعة من النظريات الفيزيائية التي ظهرت في القرن العشرين، وذلك لتفسير الظواهر على مستوى الذرة والجسيمات دون الذرية؛ بمعنى آخر هي دراسة المادة والإشعاع في المستوى الذري، وقد دمجت بين الخاصية الجسيمية والخاصية الموجية ليظهر مصطلح ازدواجية الموجة -الجسيم، وبهذا تصبح ميكانيكا الكم مسؤولة عن التفسير الفيزيائي على المستوى الذري كما أنها أيضاً تطبق على الميكانيكا أو الفيزياء الكلاسيكية ولكن لا تُظهِر تأثيرها على هذا المستوى، لذلك ميكانيكا الكم هي تعميم للفيزياء الكلاسيكية لإمكانية تطبيقها على المستويين الذري والعادي.

وأما تسميتها بميكانيكا الكم فيعود إلى أهميّة الكم (quanta) في بنائها؛ وهو مصطلح فيزيائي يستخدم لوصف أصغر كمّية من الطاقة يمكن تبادلها بين الجسيمات، ويستخدم للإشارة إلى كميات الطاقة المحددة التي تنبعث بشكل متقطع، وليس بشكل مستمر.

وكثيراً ما يُستخدم مُصطلحي فيزياء الكم والنظرية الكمية لميكانيكا الكم، وبعض الكتّاب يستخدمون مصطلح ميكانيكا الكم للإشارة إلى ميكانيكا الكم غير النسبية.

وتقوم نظرية الكم بتقديم تَصُور غريب عن العالم الذري ودون الذري؛ يصدمنا ويبعدنا عن كل ما تعودنا عليه في الواقع الحياتي وما تقدمه الفيزياء الكلاسيكية من تصورات، لكنها بالرغم من كل ذلك تنجح إلى حد بعيد في تفسير حقائق العالم دون الذري وتعزز صحتها يوماً بعد يوم بتقديم تنبؤات غريبة لكن كل التجارب العلمية تأتي فيما بعد لتؤكد صحة هذه التنبؤات، كل هذا أدخل ميكانيكا الكم في عمق نقاشات فلسفية حول طبيعة ما تطرحه ومدى قربه من الحقيقة.

إن لم تكن ميكانيكا الكم قد صدمتكَ بعمق فأنت لم تفهمها بعد! - نيلز بور


لماذا نشأت ميكانيكا الكم ؟

في أوائل القرن العشرين كانت بعض التجارب قد أنتجت نتائج لا يمكن تفسيرها بالفيزياء التقليدية؛ فيزياء جاليليو و نيوتن وغيرهم، ففي عام 1900 كان عالم الفيزياء ماكس بلانك في برلين لدراسة ما يسمى "كارثة الأشعة فوق البنفسجية"، وكان هناك خطأ وعجز في الفيزياء الكلاسيكية في تفسير النتائج، حاول بلانك القيام بخدعة رياضية، فافترض أن الضوء لم يكن في الحقيقة موجة مستمرة كما افترض الجميع، ولكن ربما يمكن أن يتواجد بكميات معينة، وهذا فتح الباب مستقبلاً أمام اكتشافِ الفوتونات.

وعلى سبيل المثال، كان من المعروف أن الإلكترونات تدور حول نواة الذرة، وعلى أية حال، إذا كانت تفعل ذلك بطريقة مشابهة لدوارن الكواكب حول الشمس؛ فإن الفيزياء التقليدية تتنبأ بأن هذه الإلكترونات سوف تتحرك بشكل لولبي لتقع داخل النواة في جزء من ثانية، ومن الواضح أن هذا لا يحدث، و إلا فإن الحياة التي نعرفها لن تكون، وستنهار!

إن هذا التنبؤ الخاطئ الذي عانت منه الفيزياء التقليدية أو الكلاسيكية في بعض التجارب التي استعصى تفسيرها على الفيزياء التقليدية، قد بيَّن للعلماء أن شيئاً جديداً يجب أن يظهر ليفسر العلوم في المستوى الذري، فكانت بداية فيزياء أو ميكانيكا الكم.

إذا كانت الفيزياء التقليدية غير صحيحة ، لماذا نظل نستخدمها ؟

إن الفيزياء التقليدية صحيحة وخاطئة في نفس الوقت !
فهي نظرياً خاطئة بشكل كبير جداً عند التعامل مع الأمور الصغيرة جداً في حجم الذرة وما دونها، حيث تُستخدم ميكانيكا الكم، أو الأمور السريعة جداً بالقرب من سرعة الضوء، حيث تحل مكانها النظرية النسبية، أما بالنسبة للأمور الحياتية، والتي هي أكبر بكثير من حجم الذرة، وأبطأ بكثير من سرعة الضوء فإن الفيزياء التقليدية تعمل فيها عملاً بارعاً، فهي تسمح بدراسة المادة والطاقة المرصودة بالعين المجردة وتبقى المفتاح الأساسي لقياس الكثير من العلوم والتكنولوجيا الحديثة، بالإضافة إلى أن استخدامها أسهل بكثير من كل من ميكانيكا الكم أوالنسبية لأن كلاهما يتطلبان كمية مكثفة من الرياضيات.

ما أهمية ميكانيكا الكم ؟

إن القضايا التالية هي من بين أكثر الأشياء أهمية التي تستطيع ميكانيكا الكم أن تصفها؛ بينما لا تستطيع ذلك الفيزياء التقليدية ذلك:
  1. عدم اتصال الطاقة
  2. ازدواجية الصفة الموجية-الجسيمية للضوء والمادة.
  3. النفق الكمي.
  4. مبدأ الارتياب لهايزنبرج.
  5. برم الجسيم.
وتتمتع ميكانيكا الكم بأهمية كبيرة في عالمنا اليومي، فهي تمتاز بمجالاتها وتطبيقاتها المتعددة ونذكر منها: الترانزستورات والرقائق الميكروية، وحديثاً الحواسيب الكمومية؛ وغيرها.

المصادر:
1- www.pbs.org
2- livescience.com
3- Kragh, Helge (2002). Quantum Generations: A History of Physics in the Twentieth Century.
4- Mehra, J.; Rechenberg, H. (1982). The historical development of quantum theory. New York: Springer-Verlag.

مراجعة وتعديل: فراس كالو

8/16/2016

ما هو الثقب الدودي والثقوب الدودية ؟

ما هو الثقب الدودي, ما هي الثقوب الدودية, الثقب الدودي, الثقوب الدودية, ‏كيف ينشأ‬ الثقب الدودي, تعريف الثقب الدودي, ما هي سرعة السفر في الثقوب الدودية, الثقوب الدودية والنظرية النسبية, ما الذي يبقي الثقوب الدودية مفتوحة

ما هي الثقوب الدودية وكيف تنشأ ؟


لابد أن الكثيرين منا قد شاهد فيلم الخيال العلمي (بين النجوم interstellar) والذي تناول بشكل موجز المفهوم الفيزيائي للثقب الدودي، ما أثار ضجة في الساحة العلمية؛ و طرح العديد من التساؤلات حول هذا المصطلح ؟!

ما هو الثقب الدودي ؟

بدايةً الثقب الدودي ليس ضرباً من الخيال العلمي، إنما هو مفهوم أبرزته النظرية النسبية العامة من خلال فكرة تحدب وتقوس الزمكان، فقد تحدث العالم الشهير ألبرت أينشتاين لأول مرة عن الثقوب الدودية في عام 1935 كجزء من نظريته النسبية العامة، والثقوب الدودية كانت تعرف أصلاً باِسم جسور (أينشتاين-روزين) ويعتقد بأنها فجوات في الزمكان.

تعريف الثقب الدودي

والثقب الدودي (wormhole) هو فرضياً عبارةٌ عن أنبوبة رقيقة أو ممر ذو فتحتين عبر نسيج الزمكان؛ لذا يفترض في الثقب الدودي أن لديه فتحتان على الأقل تتصلان مع بعضهما بواسطة ممر واحد.

ولكن هذا الثقب ليس كما يعتقد البعض بأنه فقط للسفر عبر الزمن، بل يصل أيضاً بين نقطتين مختلفتين في الفضاء، ويشكلُ طريقاً مختصراً للمسافات الشاسعة، وهذا ما شاهدناه في فيلم "بين النجوم".

وهو كذلك افتراض فيزيائي معروف كحل صحيح لمعادلات أينشتاين في النسبية العامة، وعلى الرغم من أن الرياضيات برهنت على إمكانية وجود الثقوب الدودية، إلا أنه لم يسبق أن تم ملاحظتها أو رصدها في أي مكان في الكون.

‏كيف ينشأ‬ الثقب الدودي؟

نعلم أن الكتل العملاقة في الفضاء كالثقوب السوداء مثلاً، تتسبب بانحناء أو تقويس نسيج الزمكان، وبوجود كتلتين متماثلتين سنحصل على تقوسين متماثلين بعد طي الزمكان ليشكلا ممراً موحداً بينهما؛ هو الثقب الدودي، ولتبسيط الفكرة أكثر صديقي، خُذ قطعة من الورق وحدد عليه نقطتين، وارسُم مستقيماً يصل بين النقطتين و قم بطي الورقة حيث تنطبق النقطتان على بعضهما، اثقبها الآن بالقلم، وبذلك تكون قد اختصرت الطريق بين النقطتين بعد الطي، وثقب قلمك هو ثقب دودي !

ما هي سرعة السفر في الثقوب الدودية؟

ربما سمعت أحدهم يقول أنه يمكن السفر عبر الثقب الدودي بسرعة أكبر من سرعة الضوء ولكن هل هذا صحيح؟
في الحقيقة؛ تفترض النظرية النسبية أن تجاوز سرعة الضوء مستحيل، بينما يمكننا من خلال الثقب الدودي أن نختصر المسافة فقط بين النقطتين، وبذلك نكون قد اختصرنا المسافة وليس زيادة في السرعة كما هو مشاع !

فلو أردنا السفر إلى النجم سيريس الموجود على بعد 9 سنوات ضوئية من الأرض؛ فسيكون من المحال بلوغه دون ثقب دودي، ليس لأننا سنسير بسرعة ضوء بل لأن الثقب الدودي سيقوم بطي هذه المسافة الشاسعة !

ما هو الثقب الدودي, ما هي الثقوب الدودية, الثقب الدودي, الثقوب الدودية, ‏كيف ينشأ‬ الثقب الدودي, تعريف الثقب الدودي, ما هي سرعة السفر في الثقوب الدودية, الثقوب الدودية والنظرية النسبية, ما الذي يبقي الثقوب الدودية مفتوحة

‏أنواع‬ الثقوب الدودية

  1.  ثقب دودي زمكاني: وهذا النوع موجود فقط في كون واحد، ويوصل من موقع إلى موقع آخر ضمن نفس الكون بتوليد طريقاً مختصراً خلال المكان والزمان.
  2.  ثقب سوارزشيلد: وهو ثقب دودي افتراضي ويقوم على فكرة الربط بين كون وكون موازي آخر، ولكن تبين أن هذا النوع من الثقوب ستنهار بسرعة شديدة عند عبور أي شيء من نهاية إلى أخرى.
  3.  ثقب دودي لورنزي و ثقب إقليدي: الثقب اللورنزي يتعامل مع النسبية العامة والجاذبية الكلاسيكية؛ بينما الاقليدي يتعامل مع فيزياء الجسيمات.
  4.  ثقوب دودية مغناطيسية، وهي تختلف عن الثقوب الدودية الزمكانية.

و‏لكن‬ السؤال الأكبر ما الذي يبقي الثقوب الدودية مفتوحة ؟

في الحقيقة أوضح هذا الأمر الأب الروحي للثقوب الدودية و مدير مرصد ليغو (LIGO) المكتشف للأمواج الثقالية، الفيزيائي كيب ثورن: أن ما يبقي هذه الثقوب مفتوحة هي ‏الطاقة السالبة‬.

والطاقة السالبة هي نوع من الطاقة مضاد للجاذبية، وتمنع نسيج الزمكان من سحق الثقب وإغلاقه، وفي الواقع هذه الطاقة موجودة ويتم ابتكارها في مختبرات متقدمة جداً جداً وبكميات عابرة وضئيلة جداً.

وطبقاً للنظرية النسبية العامة والخاصة؛ فإنه من المحتمل عند تمكن أي حضارة متقدمة من استحضار كمية كافية من الطاقة السالبة؛ أن يتم فتح ثغرات في نسيج الزمكان يقل حجمها عن حجم الجسيمات دون الذرية، وبزيادة ضخ الطاقة يمكن خلق ثقب دودي زمكاني.

لسوء الحظ نحن لا نملك طاقة سالبة تمكننا من توليد هذا الثقب الدودي، ولكن المستقبل في جعبته الكثير ومستحيل اليوم قد يغدو حقيقة الغد.

المصادر
1-space.com
2- كتاب فيزياء المستحيل؛ تأليف البروفيسور ميتشيو كاكو.
2- كتاب أفكار وآراء؛ تأليف ألبرت أينشتاين.
4- كتاب كون أينشتاين؛ تاليف البروفيسور كاكو .

7/03/2016

نظرية الانفجار العظيم | الجزء الثالث

الانفجار العظيم من الألف إلى الميم - الجزء الثالث والأخير

التسلسل الزمني لأحداث الانفجار الكبير (2)

إعداد: محمد باقي

تعرفنا في المقال الماضي على الأحداث التي جرت في الأجزاء الأولى من الثانية الأولى لولادة الكون، ووصلنا إلى اللحظة التي تساوي واحد على مليون جزء من الثانية، واليوم نتابع..

‫خامساً‬:

وتعدُّ اللحظة التي تعادل جزءاً من مليون جزء (أي 10^-6) من الثانية المرحلة التي بدأت فيها الكواركات الحرة بالاختفاء وإلى الأبد، ففي هذه اللحظة، تبرد الكون الوليد إلى الدرجة عشرة آلاف مليار (أي 10^13 درجة مطلقة).
كانت الكواركات وأضدادها تهيم في الفضاء عشوائياً، وتتشكل وتتفانى بأعداد هائلة، ولكن ما إن أصبحت درجة الحرارة أقل بقليل من الدرجة المشار إليها آنفاً، حتى أصبحت طاقة الجملة غير كافية لتشكيل كواركات وكواركات مضادة جديدة، في حين أنَّ ما هو موجود منها استمر بالتفاني بشكل زوجي، وبأعداد كبيرة، الأمر الذي استدعى وصف هذه المرحلة بِـ ((مذبحة الكواركات)) التي لم تتوقف إلاَّ عندما انخفضت درجة الجملة إلى ما دون ألف مليار (أي 10^12) درجة مطلقة.

‫سادساً‬:

عندما أصبح عمر الكون جزءاً من عشرة آلاف جزء (أي 10^-4) من الثانية، أصبح حجم الكون (نتيجة التوسع الذي تقارب سرعته سرعة الضوء) بحجم المنظومة الشمسية الحالية، وبدأت الكواركات المتبقية بالترابط بعضاً ببعض، لتشكل الباريونات "Baryons"، التي هي البروتونات والنترونات التي نشأت من الكواركين U وD.
ولقد حدث الارتباط بفضل القوة النووية الشديدة، ممثلة بِالغليون Gluon (الغراء النووي) ويمكن القول أنَّ نواة أول عنصر (نواة الهدرجين أو البروتون) قد تشكلت في هذه المرحلة.

‫‏سابعاً‬:

ما إن مضت على ولادة الكون ثانية واحدة، وتبردت درجة الحرارة إلى بضعة عشرات مليار الدرجة، حتى توقف فناء الأنواع الثلاثة للنترينو، وهي: نترينو الإلكترون ونترينو الميون، ونترينو التاو، ويعود أمر نجاة أنواع النترينو (التي كانت حتى هذه المرحلة تحت سيطرة القوة النووية الضعيفة) إلى التبرد المتزايد للكون الذي أدى في النهاية إلى إضعاف هذه القوة، الأمر الذي سبب انعتاق أنواع النترينو بأعداد كبيرة، كي تهيم في فضاء الكون حتى يومنا هذا.

‫ثامناً‬:

عندما أصبح عمر الكون الوليد مئة ثانية، تبردت درجة حرارة الجملة إلى مليار درجة مطلقة، مستوى أمكن فيه للبروتونات والنترونات الارتباط بعضٍ ببعض لتشكل النواة التالية التي ولدت بعد نواة الهدرجين العادي (البروتون)، والثقيل أو الدوتِريوم ، ونعني بذلك نواة الهليوم التي تتألف من بروتونين ونترونين.
لقد شهد الكون في هذه المرحلة إذاً ولادة هذه النواة، المتراصة البنيان، والشديدة الثبات وتعد ولادة نواة الهيلوم الحدث المهم والمميزة لهذه المرحلة.
ويعتقد العلماء أنه وخلال الثلاث مئة ألف السنة التالية التي أعقبت مئة الثانية الأولى حدث زيادة هامشية في التوسع المنفعل للكون، وتبرد الكون أكثر فأكثر، لتصبح حرارته آلاف الدرجات، وامتزاج أوسع للهدرجين بالهليوم، وولادة بعض نوى العناصر الخفيفة (الليتيوم والبيريليوم والكربون).
كما تولد الإشعاع المعروف بأشكاله المختلفة، وفيض من الإلكترونات، وتحررت الفوتونات من البلازما البدئية التي تشكل مادة الكون.

‫تاسعاً‬:

يمكننا الآن تصور حال الكون بعد مرور ثلاث مئة ألف سنة، فالكون شفاف وصافٍ، ويغمر هذه الشفوفية ضياء باهر آخاذ، نجم عن تباطؤ امتصاص الإشعاع الذي هدأت ثورته، فتوقف عن تحطيم الذرات الآخذة بالتشكل، ذلك أن تبرد درجة حرارة الكون أتاحت للنواة أسر الإلكترونات، لتبقى هذه في كنف النواة، تدور في فُلكها، وهكذا بدأت العناصر المعدنية بالتشكل.

عاشراً‬:

يُتوقَعُ عامةً على أنَّ الكون ظل على هذه الحال مدة مليار عام، حيث أخذت بعدئذ المجرات بالتشكل بدءاً من الهدرجين والهليوم والركام (الغبار) الكوني.
ومنذ ثلاثة عشر مليار سنة والكون لا يزال كما هو، علماً بأنه عانى توسعاً منفعلاً، يتراوح ما بين 5 و10 في المئة كل مليار عام (ولا يزال يعاني هذا التوسع المنفعل وفقاً لنماذج ((فريدمان)))، فقد أصبح نصف قطر الكون الحالي القابل للرصد قرابة مليون مليار مليار (أي 10^24) كليومتر.
وفيما يتعلق بمدى وثوقية هذه الأرقام، فمن حقنا أن نتساءل فيما إذا كانت هذه الأرقام الدقيقة قد حددت فعلاً بالقياس التجريبي؟
إن الإجابة على هذا التساؤل سيكون قطعاً هو النفي‬.

ولكن يمكن التأكيد أنَّ هذه الأرقام صحيحة لسببين:
‫الأول‬:
أنَّها أتت نتيجة معالجات رياضية فيزيائية، انطلقت إما من نماذج تجربية أو نظرية منطقية، فمثلاً، عندما نقول إن أصغر طول في الطبيعة لا يمكن أن يقل عن طول ((بلانك))، ذلك لأنه يمكن للفيزياء النظرية أن تبرهن على أن الجُسيم الذي يقل طوله عن طول ((بلانك))، يتحول إلى نقطة كمومية (نقطة من الطاقة) تبتلع نفسها.
‫‏الثاني‬:
هو استقرائي واستنتاجي، انبثق عن تفسير النتائج التي أتت بها المسرعات الهائلة، التي تستطيع تحويل الطاقة إلى مادة وفقاً لمعادلة ((آينشتاين)) (E=mc2)، والاستنتاج من ذلك أنه في مستوى معين من الطاقة، يمكن حساب زمن ولادة الجُسيمات الأولية (الكواركات واللبتونات وغيرها)، وزمن فنائها، ودرجات حرارة تكونها، وغير ذلك، بالإضافة إلى المسابير الفضائية وما قامت به من قياسات تتعلق بإشعاع الخلفية والحرارة والصور الملتقطة لولادة وفناء النجوم والمجرات، كل ذلك ساهم في التكهن بهذه الارقام وصحة النظرية.

وفي نهاية هذا المقال لابد أن نؤكد أن حدوث هذه المراحل كان دقيقاً ومنظماً لا مجال للمصادفة فيه، يقول الفيزيائي ستيفن واينبرج ‫‏في كتابه الدقائق الثلاث الأولى من عمر الكون:
''لو كان الكون في الدقائق الأولى القليلة مؤلفاً حقاً من أعداد متساوية تماماً من الجسيمات والجسيمات المضادة، لكانت كل هذه الأعداد قد دُمرت نتيجة لانخفاض درجة الحرارة إلى أقل من 1.000 مليون درجة، ولما تبقَّى شيء غير الإشعاع، ويوجد دليل مقنع جداً ضد إمكانية حدوث ذلك؛ فنحن موجودون هنا! ولا بد أنه كانت هناك زيادة في عدد الإلكترونات عن البوزيترونات، وفي عدد البروتونات عن مضادات البروتونات، وفي عدد النيوترونات عن مضادات النيوترونات، لكي يتبقى شيء بعد تدمير الجسيمات والجسيمات المضادة يستطيع أن يقدم مادة الكون الحالي''·
وكما قال أناتول فرانس :
((إنَّ المصادفة هي الاسم المستعار للإله عندما لا يرغب في توقيع اسمه الصريح))، أو بالأحرى عندما لايرغب الإنسان بالتصريح!

ولولا وجود الإنسان، يغدو هذا الكون العظيم بلا معنى...

إعداد: محمد باقي
شارك في إعداد المقالات:
محمد هيثم البيك
فراس كالو
تدقيق لغوي: محمد طحان

المصادر:
تاريخ موجز للزمن – ستيفن هوكينج و ليونار مولندينوف
Steven Weinberg; The First Three Minutes, A modem view of the origin of the universe, Fontana Paperbacks. p89

6/26/2016

نظرية الانفجار العظيم | الجزء الثاني

 نظرية الانفجار العظيم من الألف إلى الميم | الجزء الثاني

التَّسلسلُ الزمنيُّ لأحداثِ الانفجارِ الكبيرِ (1)

إعداد: محمد باقي

تحدثنا في الجزءِ الأوَّل عن ولادةِ الكونِ نتيجةَ انفجارٍ هائلٍ، واليومَ سنتابعُ مع تسلسل الأحداث لهذه البداية.
يظنُّ العلماءُ أنَّ البدايةَ كانتْ من نقطةٍ لا نهائيَّةِ الصِّغرِ وذاتِ كثافةٍ لا نهائيةِ الكبرِ والسخونةُ من رُكامٍ كمومي مكون من جُسيماتٍ غريبةٍ غيرِ مألوفةً، وجُسيماتٍ غريبةٍ أخرى مضادةٍ، تتولدُ وتتفانى باستمرارٍ.

ويُعتقدُ أنَّ القوى الطبيعيةَ الأربعَ كانتْ موحدةً في قوَّةٍ واحدةٍ كبرى معطلةِ الفعلِ، وذاتِ بنيةٍ غشائيَّةٍ حويصليَّةٍ وتريَّةٍ.
وفي إثرِ حدوثِ الانفجارِ، انفصلتْ فقاعاتٌ انتفاخيَّةٌ كموميَّةٌ، توسَّعتْ إحداها توسُّعاً هائلاً، فوُلِدَ الكونُ ووُلد معهُ الزمانُ والمكانُ، في خلاءٍ فائقِ البرودةِ والتَّناظرِ.

ويمكنُ تلخيصُ التَّسلسلِ الزمنيِّ لأحداثِ ولادةِ الكونِ بحسبِ ظنِّ العلماءِ على النحوِ التَّالي:

أولاً :

في اللحظةِ التي تعادلُ جزءاً من عشرةِ ملايينَ مليارِ مليارِ مليارِ مليارِ (أي 10^-43) جزء من الثانية الأولى لولادةِ الكونِ، حدثَ الانفجارُ الأعظمُ على درجةٍ منَ الشدَّةِ بحيثُ لا يسمحُ بأي نشوءٍ ماديٍّ واضحٍ.
كانت شدةُ هذا الهياجِ تكفي لتفارقَ أيِّ ترابطٍ جُسيميٍّ يمكنُ أن يحدثَ، وكانَتْ شدَّةُ الحرارةِ والإشعاعِ تلتهمُ كلَّ تشكُّلٍ بنيويٍّ قدْ ينشَأُ.
وتمثٍّلُ الحدثَ الأساسيَّ (الذي نجمَ عنْ هذا الاهتياجِ الحراريِّ العنيفِ) بولادةِ الثقالةِ، القوةُ الأولى مِنَ القوى الأربعِ والتي كانتْ (حتى لحظةِ الانفجارِ) موحدةً في قوةٍ كبرى واحدةٍ متفانيةِ الفعلِ، وذاتَ بنيةٍ غشائيَّةٍ حويصليَّةٍ وتريَّةٍ.

ثانيا ً:

في إثرِ فترةِ مخاضٍ وجيزةٍ جداً (تقلُّ عشر ملياراتِ جزءٍ عن اللحظةِ الأولى المشارِ إليها آنفاً)، هبطتْ درجةُ حرارةِ الكونِ الآخذِ بالولادةِ إلى درجةِ حرارةِ بلانك، وأخذَ الركامُ الكموميُ يشكلُ نقطةً يبلغُ قطرَها عشرةَ أضعافِ طولِ بلانك، إذْ يبلغُ طولُ هذا القطرِ جزءاً من مئةِ ألفِ مليارِ مليارِ مليارٍ أي 10-32 جزء منَ السنتي متر - يبلغ طول بلانك جزءاً من مليونِ مليارِ مليارِ مليارٍ أي 10^-33 جزء من السنتي متر- أما الحدثُ الأساسيُّ ذو المغزى والذي نجمَ عن هذا المخاضِ، فتمثلُ بولادةِ المكانِ والزمانِ (مَعْلَمَي الكونِ الرئيسيَّن) اللَّذين يُعالجان (بفضل نظريةِ النسبيةِ العامةِ) كأيِّ معلمٍ فيزيائِّيٍ آخرٍ (كالكتلةِ، ودرجةِ الحرارةِ، والتَّسارعِ).
لقدْ تألفَّتْ نقطة الركامِ الكموميٍّ في هذهِ المرحلةِ من جُسيماتٍ غريبةٍ غيرِ مألوفةِ، ومنْ أضدادِ هذهِ الجُسيماتِ التي لم يعرِفْ (ولنْ يعرِفَ) تاريخُ الكونِ لها مثيلاً.

وكانت هذه الجُسيماتُ الغريبةُ وأضدادُها تنشأُ بدءاً مِنْ طاقةِ هذا الرُّكامِ الكموميِّ، وتتفانى آنيَّاً، وكانَ عمرُ الكونِ في هذه المرحلةِ يساوي جزءاً منْ مئةِ مليونِ مليارِ مليارِ مليارٍ أي 10^-35 مِنَ الثانيةِ، حيثُ انخفضتْ درجةُ حرارةِ الكونِ إلى ألفِ مليارِ مليارِ مليارِ درجةٍ مطلقة.
في هذه اللحظةِ، وفي أثناءِ مخاضِ ولادةِ القوَّةِ النوويَّةِ الشديدةِ، انفصلتْ عن الرُّكامِ الكموميِّ فقاعاتٌ كموميَّةٌ وانتفختْ إحداها بسرعةٍ مفرطةٍ فأصبح حجمها مساوياً حجمَ كرةِ المضربِ. ولضرورةِ الحفاظِ على التناظرِ (التجانسِ) الفائقِ للخلاءِ، تحوَّلَ جزءٌ من طاقةِ الرَّكامِ الكموميِّ إلى مزيدٍ منَ الجُسيماتِ الغريبةِ غيرِ المألوفةِ والجُسيماتِ المضادةِ.

ثالثاً:

في اللحظةِ التي أصبحَ فيها عمرُ الكونِ مُساوياً جزءاً من مئةِ ألفِ مليارِ مليار ِمليارٍ أي 10^-32 جزء من الثانيةِ الأولى، تجددَّ الانفجارُ ثانيةً في القسمِ الفائضِ من الرُّكامِ الكموميِّ، إنما بشدةٍ أضعف وبسرعةٍ أبطأ من الانفجارِ الأولِ، ليسخنَ الانتفاخُ (الآخذُ بالتوقَّفِ) والخلاءُ المحيطُ (الفائقُ التبردِ) تسخيناً مفرطاً.
ولكن في إثرِ انخفاضِ درجةِ حرارةِ الكونِ إلى عشرةِ ملايين مليارِ مليارٍ (أي 2510) درجةٍ مطلقةٍ أو كلِفن، وبفعلِ القوةِ النوويةِ الشديدةِ، وبدرجةٍ أقل، فعلتِ الثقالة تحولَ جزءٍ من الجُسيماتٍ الغريبةٍ غيرِ المألوفةِ إلى كواركات (1301 quarks)، ولبتونات(1401).

رابعاً:

أمَّا في اللحظةِ التي بلغَ فيها عمرُ الكونِ جزءاً من مئةِ مليارٍ جزء أي 10^-11 من الثانية، فإن درجةَ حرارةِ الكونِ انخفضتْ إلى أقلِّ من مليونِ مليارٍ أي 1510 درجةٍ مطلَقةٍ أو كلِفن، وأصبحتْ ظروفُ الكونِ مواتيةً لانشطارِ توأمي القوةِ النووية الضعيفةِ والقوةِ الكهرطيسيةِ، فولدتْ هاتانِ القوتانِ كقوتينِ مستقلَّتينِ وظيفيتينِ.

وهنا أيضاً حدثَ هذا الانشطارُ بآليةِ فصمٍ متناظرةٍ. وكما أن الفوتونَ هو رسيلُ القوةِ الكهرطيسيَّةِ (وهو عديمُ الكتلة)، فإنَّ الجُسيماتَ W+ (من ضعيف weak)، و Z و W، هي رسلُ القوة النووية الضعيفة، وذات كتلٍ مرتفعةٍ.
يمكنُ القولُ إذاً أنَّ هذهِ المرحلةَ من عمرِ الكونِ أصبحتْ تتمتَّعُ بفعلِ القوى الأربعِ للطبيعةِ التي ولدَتْ على التَّتالي بتحولاتٍ طوريةٍ ثلاثةٍ: الثّقالةُ في اللحظةِ 10^-43 من الثانيةِ (لحظةُ حدوثِ الانفجارِ الأعظمِ وبدءِ ولادةِ الكونِ بزمانهِ ومكانهِ)، ثمَّ القوةُ النوويةُ الشديدةُ في اللحظةِ 10^-35 من الثانيةِ، ثمَّ القوتان المدموجتانِ: النوويةُ الضعيفةُ والكهرطيسيةُ، وأخيراً انفصالُ هاتان القوتان عن بعضهما في اللحظة 10^-11 من الثانية.

ولا بدَّ من التأكيدِ في هذا الصددِ أنَّ ولادةَ هذهِ القوى أتى كنتيجةٍ منطقيةٍ لتبرَّدِ الكونِ، وأنَّ هذهِ الولادةَ كانتْ ((مبرمجةً)) في الزمانِ والمكانِ، وبدقةٍ، بحيثُ يكونُ وجودُ هذه القوى (وكذلكَ الجُسيماتُ الحاملةُ لها، أو رُسُلها) شرطاً حرجاً وأساسياً للانتقالِ إلى المرحلةِ التَّاليةِ. 

يتبع...


تدقيق لغوي: محمد طحان

المصادر:
كتاب تاريخ موجز للزمن ستيفن هوكينج

6/15/2016

وجبة الغداء المشعة !

وجبة الغداء المشعة !

من الطرائف العلمية التي تروى عن عملية اقتفاء أثر المواد المشعة؛ أن أحد الفيزيائيين كان يقيمُ في فندقٍ صغير، وثار في نفسه الشك بأن بقايا الطعام على أطباق نُزُل الفندق تُجمع بعد انتهاء الوجبة، ثم يعاد طهيها من جديد لتُقدم في اليوم التالي على أنها وجبة جديدة.

وللتحقق من هذا الأمر قام صديقنا الفيزيائي بنشرِ كميةٍ صغيرةٍ من نظيرٍ مُشِعٍ على شريحةٍ صغيرةٍ من اللحمِ تركها في طبقه عند نهاية الوجبة.

وعندما جاء في اليوم التالي؛ كان يحملُ معهُ عدّاد ‏جايجر‬، وما إن بدأ توزيعُ طعامِ الغداء حتى اشتغل العداد موضحاً أن المادة المشعة التي قام الفيزيائي بدسها في قطعة اللحم بالأمس، موزعة في تلك اللحظة على أطباق الضيوف!

وهكذا انفضح أمرُ الفُندق، وانكشف حال القائمين عليه بطريقةٍ علميةٍ لا تقبلُ النقاش أو الجدل.

مصدر الصورة:
fukuleaks.org

6/07/2016

البلازما الحالة الرابعة للمادة !

 

البلازما الحالة الرابعة للمادة !


تعريف البلازما فيزيائياً:

من المعروف أن حالات المادة في درجات الحرارة العادية ثلاث وهى الغازية والسائلة والصلبة، ولكن حينما تتعرض المادة لدرجة حرارة عالية جداً مثل باطن الشمس، فإن الالكترونات التي تدور حول النواة تكتسب طاقة هائلة فتتحرر من جذب النواة لها وتبقى النواة بدون بعض إلكتروناتها؛ وتسمى حالة المادة هنا "البلازما Plasma".

إذاً نعني بالبلازما الحالة الرابعة للمادة وتختلف في طبيعتها عن حالات المادة الثلاث في أن الالكترونات تكون منفصلة تماماً عن أنويتها، وبذلك يتضح لنا أنها مزيج من الشحنات الموجبة والشحنات السالبة، وعلى الرغم من نسبتها القليلة على الارض إلا أن معظم الكون في حالة البلازما، حسب اعتقاد العلماء.

والبلازما تعتبر أحيانًا غاز أيوني، ولكن يجب ملاحظة أنه لكي يحدث تفاعل اندماجي نووي لابد أولاً أن تكون الأنوية عارية من الالكترونات حتى يسهل اندماجها أي تكون في حالة البلازما (كما يحدث في التفاعل الاندماجي في باطن الشمس بين أنوية الهيدروجين).

أما التعريف الأكثر دقة للبلازما :

يعتبر وصف البلازما على أنها وسط متعادل من الجسيمات السالبة والموجبة الشحنة، يعتبر وصفاً فقيراً تعوزه الدقة وذلك أن التعريف لابد أن يتضمن ثلاثة معايير وهي:
1- تقارب الجسيمات المشحونة في البلازما في صورة قوية يعمل على التأثير فيما بينها، ولا يحدث هذا التأثير إلا إذا توافر عدد كبير من الالكترونات مشكلةً ما يُعرف بِكرة ديبى Debye (أو كرة الالكترونات). نصف قطرها هو طول ديبى Deby length، متوسط عدد الجسيمات المشحونة في هذه الكرة هو عامل البلازما.
2- حجم التفاعلات في البلازما؛ حيث إن نصف قطر ديبى Debye صغير بالمقارنة بالحجم الطبيعي للبلازما الموجودة في الكون.
3- تردد البلازما: تردد الالكترونات في البلازما هو كبير بالمقارنة بتردد الإلكترون في الحالات الأخرى.

اكتشاف حالة البلازما:

في عام 1879 اكتشف العالم السير "وليام كروكس" البلازما وأطلق عليها آنذاك المادة الإشعاعية؛ ودرس العالم "طومسون" خصائص وطبيعة البلازما، ويرجع الفضل في تسمية البلازما إلى العالم "ايرفنج" في عام 1928 ربما لأنه رأى أنها تشبه بلازما الدم!
يظن العلماء بأن البلازما تشكل نسبة 99% من المادة الكونية بين النجوم والمجرات، وبعض الكواكب تشكل البلازما أغلب مادتها حيث يعتبر كوكب المشتري كتلة هائلة من البلازما.

خصائص ومعاملات البلازما:

يعتمد تكون البلازما على بعض العوامل الرئيسية وهي:
معامل درجة التأين، معامل درجة الحرارة، كثافة البلازما وكذلك المجال المغناطيسي.
كتلة البلازما لها أهمية كبيرة عنها على حواف البلازما آخذين في الاعتبار تأثير ما يحيط بالبلازما في الوسط المحيط بها.

التطبيقات الصناعية للبلازما:

توجد البلازما في أشكال أخرى فيستفاد من هذه الحالة في الصناعات الالكترونية في شاشات التليفزيون، وفى لمبات النيون، وفي الأبحاث الخاصة بطاقة الانصهار، و كذلك في اللحام، والعديد من المجالات الصناعية وتوجد حالة البلازما كذلك في الغلاف الجوي في طبقة الأيونوسفير وأيضا في ظاهرة الشفق القطبي!

تستخدم البلازما ذات درجات الحرارة المنخفضة في العديد من المجالات الهامة على سبيل المثال، في صناعة الدوائر الالكترونية المتكاملة، فمعظم الدوائر المتكاملة المعقدة جداً والتى تدخل في تركيب كل جهاز الكتروني، هذه الدوائر الالكترونية تحتوي على عشرات الآلاف من الترانزستورات والمكثفات موصلة ببعضها البعض بواسطة أسلاك قطرها في حدود 0.1 ميكرومتر.
هذا النوع من التكنولوجيا الدقيقة والمعقدة تصنع باستخدام البلازما، حيث تقوم البلازما بنحت الدوائر الالكترونية على شريحة السليكون بناء على القناع المعدني الموضوع أمام الشريحة.

في هذه العملية يكون النحت على شريحة السليكون كالآتي:
حيث أن الالكترونات داخل البلازما حرة الحركة وطاقتها أعلى من الأيونات الموجبة فإنها تصل إلى أطراف البلازما بسرعة وتقوم بدورها بجذب الايونات الموجبة اتجاهها وتعجلها باتجاه الشريحة وعند اصطدام الايونات الموجبة بالمناطق المكشوفة على الشريحة تقوم بنحتها، وبعدها يستبدل القناع المعدني بآخر مطبوع عليه الدوائر الكهربية الخاصة بالطبقة الثانية وهكذا بالنسبة للطبقة الثالثة والرابعة...الخ؛ حتى تتم عملية النحت.

هنالك طريقة أخرى متبعة وهى تعتمد على استخدام مركب Carbon tetra fluoride CF4 كمصدر لإنتاج حالة البلازما، وعندها يتحول هذا المركب إلى أجزاء أخرى منها ذرات الفلورين.
هذه الذرات تتفاعل مع ذرات السليكون المكونة للشريحة وتكون مركب جديد هو Silicon tetra fluoride والذي يمكن إزالته أثناء عملية الضخ.
يتضح مما سبق أن هذه الطريقة هي عملية كيميائية تقوم فيها ذرات الفلورين بالتهام السليكون المراد إزالته. وهذه العملية أسرع من عملية النحت المذكورة سابقاً.

وتجدر الإشارة إلى أن البحث والتطوير جاري منذ عام 1980 وحتى الآن للحصول على بلازما منتظمة لتغطى أكبر مساحة ممكنة حيث كانت شريحة السليكون المستخدمة قديما تبلغ 2سم مربع أما الآن فهي تصل إلى 20سم2، وهذه البلازما لها استخدامات عديدة فهي تستخدم في شاشات أجهزة الكمبيوتر المتنقلة (Notebook computer) كمصدر ضوئي، والتي أدت إلى تطور كبير لاحقاً في مجال تكنولوجيا شاشات العرض.

وقد سعى العلماء للحصول على شاشة مساحتها 1متر مربع وسمكها لا يزيد عن 4-5 سم لاستخدامها كشاشة تلفزيون يمكن تعليقها في المنازل والمحلات دون أن تشغل حيزاً من الغرفة، وهذا ما تحقق فعلاً انطلاقاً من تكنولوجيا البلازما.

البلازما والبيئة!

تستخدم البلازما حاليا في العديد من الدول المتقدمة في التخلص من المواد السامة الملوثة للبيئة معتمدين على العمليات الكيميائية الفريدة التي تتم داخل البلازما.
حيث يمكن أن تقوم البلازما بتحويل المواد السامة المنبعثة من مداخن المصانع ومن عوادم السيارات مثل غاز أكسيد الكبريت (SO) وأكسيد النيتريك (NO) إلى مواد غير سامة.

فعلى سبيل المثال غاز NO قبل إن يخرج من المدخنة إلى الغلاف الجوى، توجه عليه حزمة من الالكترونات ذات طاقة عالية من جهاز مثبت في منتصف المدخنة تعمل على تأيين الغازات الموجودة (المادة السامة NO والهواء) أي تحولها إلى حالة بلازما.
وقبل خروجها إلى الجو تكون مرحلة التأيين قد انتهت وتتكون جزيئات النيتروجين والأكسجين نتيجة لعملية إعادة الاتحاد، وبهذا نكون قد حولنا الغازات الملوثة إلى غازات نافعة وبتكاليف قليلة.

يجدر الإشارة هنا أنه تم حديثا التوجه إلى معالجة الغازات المنطلقة من عوادم السيارات، حيث تم تركيب جهاز بلازما في عادم السيارة ليعالج الغازات السامة قبل خروجها إلى الجو.
كذلك أجريت تجارب عديدة على الفضلات الصلبة والسائلة حيث تستخدم بلازما عند درجات حرارة عالية تصل إلى 6000 درجة مئوية تعمل على تبخير وتحطيم المواد السامة وتحولها إلى غازات غير سامة، وفى نهاية العملية يكون ماتبقى من مواد صلبة في صورة زجاج.

وتم في أمريكا التخلص من حوالي 4000 مستودع يحتوى على فضلات صلبة وملوثة للبيئة بواسطة البلازما.
وقد كانت هذه الفضلات تدفن في باطن الأرض مما كانت تسبب أخطار تلوث لكن باستخدام البلازما يمكن حالياً التخلص من 200 كيلو جرام من المواد السامة في الساعة بشكل آمن.

المصادر :
1- روعة الكيمياء، تأليف : كاثي كوب و مونتي فثيتيرولف، ترجمة : فايقة جرجس.
2- فيزياء الجسيمات، تأليف: فرانك كلوس، ترجمة : محمد فتحي خضر.

مراجعة وتعديل: فراس كالو

5/30/2016

ما هي مواقع النجوم ؟ وما علاقة ذلك باِنحراف الضوء في النسبية العامة ؟

ما هي مواقع النجوم ؟ وما علاقة ذلك باِنحراف الضوء في النسبية العامة ؟

في الحقيقة؛ إن أهم ما تناولته نظرية النسبية العامة لأينشتاين هو تلك الفكرة التي غيرت العديد من المفاهيم الكونية، وعكست نظرتنا إليها بشكل ثوري، ففكرة تحدب الزمكان النسيج الكوني، كانت لها نتائج جلية بل أكثر من ذلك أيضاً.
فقد استطاعت أن تفسر منشأ الجاذبية التي عجز نيوتن عنها، حيث قد طرح التحدب الزمكاني أن الجاذبية ليست مثل القوى الأخرى، فحقيقة أن الزمكان ليس مستوياً بذاته وإنما يتحدب نتيجة توزع الكتلة و المادة فيه فكل كتلة في الفضاء تسبب التقوس و التحدب حولها، فَسَرت الجاذبية التي ألهمت السير إسحق نيوتن.

و نيوتن ليس أول من تحدث عن الجاذبية فقد سبقه إلى ذلك فلاسفة إغريق مثل أرسطو وعلماء من الحضارة الإسلامية مثل الهمداني وأبو جعفر الخازن، إلا أنه وضع قانونه الخاص بالجاذبية (قانون نيوتن)، الذي لا يزال لأفضليته باقيًا بعد مرور أكثر من ثلاثة قرون من البحث والتفكير في الموضوع.

حتى النظرية النسبية لأينشتاين لم تُزِح قوانين نيوتن عن أيٍّ من تطبيقاتها على مستويات الحجم من مختبر مقيد بالأرض إلى تأثيرات تحدث في المجرات، ولكن النظرية النسبية قدمت فكرة أصيلة تمامًا عن كيفية عمل الجاذبية، فتحدب الزمكان لم يفسر منشأ الجاذبية فحسب، بل قدم مفهوماً عن مسار الضوء في الفضاء و تأثره بكل من التحدب والجاذبية، فجميعنا يعلم أن الضوء بسرعته 300.000 ألف كم/ثا ويسير في خطوط مستقيمة وفق ما كانت قد تناولته الفيزياء الكلاسيكية ولكن بظهور النسبية أصبحت هذه الحقيقة التي كنا نعلمها في مهب الريح.

فالفضاء المحدب يعني أن الضوء لم يعد يسير في خطوط مستقيمة ولا بد لمجال الجاذبية أن يسبب انحناء مسار الضوء فالضوء الذي يمر بالقرب من الشمس لا بد أن ينحني قليلا للداخل بسبب كتلة الشمس.
وهذا يعني أنه عندما يمر ضوء نجم بعيد بالقرب من الشمس فإنه ينحرف بزاوية صغيرة كان أينشتاين قد قدرها بشكل تقريبي 1.75 درجة وهنا يبدو النجم في موقع مختلف بالنسبة للمشاهد على الأرض أي رؤيتنا للنجوم في مواقعها ليست سوى محض خداع فالموقع الذي نراه لنجم بعيد هو موقع ظاهري أما الموقع الحقيقي له فهو ما قبل إنحراف ضوئه وقدومه لأعيننا فلا يستطيع أي من البشر أن يجزم بموقع النجوم بسبب انحراف الضوء الناتج عن تلك الكتل الضخمة المتمركزة في النسيج الكوني و جاذبيتها.


ورغم أن نيوتن تحدث عن تأثّر الضوء بجاذبيّة الأجرام الفلكيّة الثقيلة، إلا أن حسابات عالم الفلك البريطاني آرثر إدنجتون بيّنت أن المعادلات التي وضعها نيوتن عن تلك الظاهرة لم تكن دقيقة، ومعادلات آينشتاين تفوقها دقة بكثير، ففي العام 1919 قامت بعثة بريطانية بمراقبة ضوء النجوم الواردة من خلف الشمس أثناء الكسوف الكلي للشمس؛ حينها قدّم آرثر إدنجتون أول إثبات عن مقولة النسبيّة العامة بأن الضوء يتأثر بجاذبيّة الأجسام الفلكيّة الثقيلة، وأثبت أن الضوء ينحرف بالفعل كما تنبأت به النظرية النسبية بسبب كتلة الشمس.

فأثناء الكسوف الكلي للشمس، وثّق إدنجتون حدوث تغيير ظاهري مؤقّت لموقع أحد النجوم الضخمة البعيدة عن الأرض، بمعنى أن الضوء الواصل من النجم انحرف تحت تأثير جاذبيّة الشمس، ولولا الكسوف فإنه من العسير رؤية هذه الظاهرة إذ يتسبب ضوء الشمس باستحالة الأمر، ولكن ذلك يصبح ممكناً عندما يحجب القمر قرص الشمس، وتم ذلك في الساحل الغربي لأفريقيا.

منذ ذلك الحين؛ باتت ظاهرة انحراف الضوء تحت تأثير الجاذبيّة القويّة، وسيلة ناجحة يستخدمها الفلكيون في اكتشاف الكون، وسمّيت الظاهرة عدسة الجاذبية (gravitational lens)، تشبيهاً لها بوظيفة العدسة الزجاجيّة.

إذاً عندما تنظرون ليلاً إلى النجوم في السماء فأنتم لا تشاهدون النجوم بل مواقعها الظاهرية بسبب انحراف الضوء، وهذا الضوء هو ذكرى قد تكون الأخيرة لنجوم لفظت أنفاسها!

المصادر :
1- كتاب تاريخ موجز للزمن - بتصرف تأليف : ستيفن هوكينغ، ترجمة : مصطفى إبراهيم فهمي
2-الميكانيكا الكلاسيكية تأليف : مايكل كوهين، ترجمة :محمد أحمد فؤاد باشا

5/24/2016

تحدب الزمكان - الفضاء المنحني

تحدب الزمكان - الفضاء المنحني


انحناء الزمكان:

إن فكرة انحناء الزمكان أو تقوسه عَصِيَّة للغاية على الاستيعاب، لدرجة أن الفيزيائيين لا يحبون في الواقع تصور الأمر ذهنيٍّا.
ففَهْمنا للخصائص الهندسية لعالمنا الطبيعي مبني على ما تحقق من إنجازات على يد أجيال من الرياضيين عبر التاريخ البشري ابتداءً من الإغريق، ومن أبرزهم:
نظام إقليدس الشكلي الذي يضم أشياء على غرار نظرية فيثاغورس ومفهوم أن الخطوط المتوازية لا تتقاطع وأن مجموع الزوايا الداخلية للمثلث يساوي ١٨٠ درجة، وما إلى ذلك.

كل هذه القواعد جزءٌ من صرح الهندسة الإقليدية، لكن هذه القوانين والنظريات ليست محض رياضيات مجردة، فنحن نعلم من واقع خبرتنا اليومية أنها تصف خواص العالم المادي على نحو جيد للغاية.

إن قوانين إقليدس تُستخدم كل يوم من جانب المعماريين والمسَّاحين والمصممين ورسامي الخرائط؛ أي فعليٍّا من جانب كل شخص ذي علاقة بخواص شكل المكان وموضع الأجسام فيه، فالهندسة علم واقعي ملموس.
ومِن ثَمَّ، يبدو من البديهي أن هذه الخواص المكانية التي تشرَّبناها منذ الصغر ينبغي أن تنطبق على ما يتجاوز نطاق مبانينا والأراضي التي نمسحها، فمن المفترض أن تنطبق على الكون إجمالًا، ولا بد أن قوانين إقليدس جزء لا يتجزأ من نسيج العالم نفسه، أم أن الأمرُ عكس مانتصور؟

بالرغم من أن قوانين إقليدس تتَّسم بالأناقة الرياضية والإقناع المنطقي، فإنها ليست المجموعة الوحيدة من القواعد التي يمكن أن تشيِّد نظامًا هندسيٍّا، وقد أدرك رياضيون من القرن التاسع عشر، على غرار جاوس وريمان، أن قوانين إقليدس تمثل فقط حالة خاصة من الهندسة يكون فيها سطح المكان منبسطًا، ومن الممكن تشييد أنظمة أخرى يتم فيها خرق هذه القوانين.

فعلى سبيل المثال، في مثلث مرسوم على ورقة منبسطة، تنطبق نظريات إقليدس على هذه الحالة، ولذا يجب أن يساوي مجموع الزوايا الداخلية للمثلث ١٨٠ درجة (أي ما يعادل مجموع زاويتين قائمتين).
هذا النوع من التفكير يصلح على نحو جيد بالنسبة إلى الهندسة ثنائية الأبعاد، لكن عالمنا له ثلاثة أبعاد مكانية، وبالتالي علينا أن نتعامل معه بطريقة مختلفة.

فكِّر الآن فيما سيحدث إذا رسمتَ مثلثًا على سطح كرة ولتكن الكرة الأرضية مثلاً؟
فمن الممكن أن ترسم مثلثًا على سطح كرة يكون متساوي الساقين وبه زاويتين قائمتين، وهذا يخالف الهندسة الإقليدية!

إن التفكير في المكان بوصفه قطعة ورق منبسطة أو منحنية يشجعنا على التفكير فيه بوصفه شيئًا ملموسًا في حد ذاته، بدلًا من كونه الموضع الذي توجد فيه كل الأشياء الملموسة.
فتخيُّلُ مكانٍ منحَنٍ ثلاثيِّ الأبعاد أمرٌ أكثر صعوبة بكثير، لكن على أي حال من الخطأ على الأرجح التفكير في أننا لا يمكننا قياس المكان، بل ما يمكننا قياسه هو المسافات بين الأجسام الواقعة داخل المكان باستخدام المساطر، أوعلى نحو أكثر واقعية في السياق الفلكي، أشعة الضوء.

من الممكن رسمُ مثلثٍ متساوي الساقين بزاويتين قائمتين على سطح كرة وهذا يخالف الهندسة الإقليدية !

وتقوم النظرية النسبية على افتراض ثوري أن الفضاء محدب وقابل للتقوس والإنحناء وذلك بسبب توزع الكتلة والمادة فيه، فأي كتلة موجودة ضمن النسيج الزمكاني المشكل للفضاء يسبب انحناء هذا النسيج و يقوسه وهذا أُثبِتَ لاحِقاً بتجربة الجايلسكوبات التي أطلقتها وكالة NASA لتتحقق من نبوءة أينشتاين واتضح أن الزمكان مقوس بحق.

وبالتالي ينبثق عن مفهوم الفضاء المحدب أو المنحني أو تحدب الزمكان؛ مايلي:

  1. الجاذبية (Gravity) تلك القوى التي تجعل أقدامنا مثبتة على الأرض وتمنحنا الوزن.
  2. المسارات غير المستقيمة للضوء وانحناء أشعة الضوء في الفضاء بفعل الجاذبية وتقوس الزمكان والتي لها اعتبارات هامة في تحديد مواقع النجوم و الأجرام الفلكية.
  3. بروز فكرة الثقوب الثقوب الدودية، وتشكل الأنفاق الكونية بين كتلتين مسببتين في تقوس الزمكان.
وقد نجد من الصعوبة أن تستوعب عقولنا لفكرة المكان المنحني لأننا لا نلحظ هذا الأمر في حياتنا اليومية، وهذا يرجع إلى أن الجاذبية تكون ضعيفة في الظروف الشائعة المعتادة، وحتى على نطاق المجموعة الشمسية، تكون الجاذبية ضعيفة لدرجة أن تأثير الانحناء الذي تتسبب فيه لا يُذكَر، وينتقل الضوء في خطوط مقاربة للغاية للخطوط المستقيمة لدرجة أننا لا نلحظ الفارق.

تقريب فكرة انحناء الزمكان

ولنقرب الفكرة أكثر لنفترض أن الفضاء كقطعة قماش ممتدة نسيجها الزمن والمكان؛ ووضعنا على سطحها جسم ذي كتلة محددة؛ فإن هذا الجسم المتواجد عليها سيسبب تقوسها وهنا يجدر بنا الإشارة إلى أن مقدار التقوس يتناسب طرداً مع زيادة كتلة الجسم .

فالشمس تقوس الزمكان بدرجة كبيرة على غرار الأرض التي تسبب تقوسا ضئيلاً ومن هنا تكُون الجاذبية لكل من الشمس والأرض والتي تبقي جميع الكواكب ضمن مساراتها و مدارات محددة، وكنتيجة لذلك يكون انحناءُ الضوءِ المار بقرب الشمس كبيراً نتيجة التقوس الزمكاني والجاذبية القوية الناتجة عنها ، والتي أيضا تم إثباتها بالتجربة والرصد العملي عام 1919 من قبل بعثة بريطانية في أفريقيا ليتم التحقق عملياً ونظرياً من تقوس الزمكان والنسبية العامة والجزم بنبوءة أينشتاين أعظم عقل فيزيائي في التاريخ!

المصادر :
1- تاريخ أكثر إيجازاً للزمن، تأليف: ستيفن هوكينغ و ليونرد ملوندينوف، ترجمة : أحمد عبد االله السماحي و فتح الله شيخ
2- علم الكونيات، تأليف بيتر كولز، ترجمة: محمد فتحي خضر
3- النظرية النسبية العامة والخاصة، تأليف : ألبرت أينشتاين، ترجمة : د.رمسيس شحاته

5/19/2016

نسبية الزمن | الجزء الثاني

نسبية الزمن | الجزء الثاني


بعد أن تحدثنا في الجزء الأول عن نسبية الزمن في النسبية الخاصة، نتابع معكم اليوم حديثنا عن نسبية الزمن، هل وصلنا إلى سرعة قريبة من سرعة الضوء؟

نعم؛ تم التمكن من الوصول إلى قيمة تعادل 99.999946 % من سرعة الضوء، نعم هذا حقيقي ولكن على المستوى الذري، وحدث ذلك في مصادم الهيدرون الكبير في مركز الأبحاث النووية الأوروبي CERN، وهي أقصى سرعة تم التوصل إليها في معمل فيرمي، ولكن ليست الحركة والسرعة في المكان هي الوحيدة القادرة على إبطاء الزمن وتمدده بل هنالك الجاذبية !

نسبية الزمن في النسبية العامة

الجاذبية

تماماً مثل السرعة تؤدي الجاذبية إلى تباطؤ الزمن، ولكن الجاذبية في نموذج الفيزياء الكلاسيكية هي قوة صادرة من الأجسام بعضها تجاه بعض، وقد أعاد آينشتاين أيضاً صياغة هذا المفهوم ليلغي هذه الصورة في النسبية العامة، ويقول أن الجاذبية ليست "قوة" بالمعنى الحرفي للكلمة، وأن مصدرها ليس كامناً في الكتلة، لكنها مجرد تشوه في النسيج الكوني (المكون من الأبعاد الأربعة) يؤدي إلى سقوط الأجسام الصغيرة في تلك التشوهات التي تحدثها الأجسام الأكبر.

وبالتالي كلما ازدادت الجاذبية كلما ازداد تباطؤ الزمن و تمدَّدَ؛ فالأجسام ذات الكثافة الشديدة ضمن حيز صغير يتباطئ الزمن لديها بشكل كبير مثل النجوم النيوترونية النابضة ذات الكثافة الشديدة والجاذبية العالية جداً فما بالك بالثقب الأسود حيث يتوقف الزمن بشكل نهائي و مطلق نتيجة الجاذبية القاهرة التي لا تستطيع حتى الفوتونات الضوئية الإفلات منها!

كلما ازدادت الجاذبية كلما ازداد تباطؤ الزمن و تمدُّدَهُ

دعني أوضح لك شيئاً إن الزمن في قمة جبل إفرست (ارتفاع8884متر) يختلف عن الزمن في منزلك كون الأجسام القريبة من الأرض جاذبيتها مرتفعة و تأثيرها على الزمن أقوى من قمة جبل ذو الجاذبية الأقل ولكن لن تدرك بطبيعة الحال ذاك الفرق الزمني بسبب كما أسلفنا سابقا الجاذبية الأرضية ضعيفة و تأثيرها ضئيل للغاية.

برهان الفرضية:

قامت جامعة هارفرد بتجربة لرصد الفرق الزمني و التباطؤ بين قمة بناء وقاعدته وبعملية نووية غاية في الدقة سجلت تباطؤاً زمنياً قدره (لا تستغرب من الرقم) 0.000000000000257 % ولم تكن النتيجة مدهشة جداً لأن الفيزيائيين قد قبلوا منذ زمن بعيد بتوقع أينشتاين وأكدتها العديد من التجارب المسبقة.

سأقترح عليك اقتراحاً (رغم عدم نصحي به) اذهب و قِف بالقرب من نجم نيوتروني هنالك التباطؤ الزمني يعادل 30% من الزمن الأرضي وكل 7 سنوات هنالك تعادل 10 سنوات أرضية !


تطبيق نسبية الزمن في حياتنا اليومية

من العجيب أننا نستخدم هذه الظواهر الطبيعية يومياً في تطبيقاتنا التكنولوجية دون أن نعرف، ونبقى نتساءل حول إمكانها من عدمه بينما هي بين أيدينا تعمل بالفعل.

فتطبيق تحديد الموقع (جي بي إس GPS) الذي يحتويه أي هاتف ذكي اليوم يعتمد في تحديد موقع الهاتف على الزمن الذي تستغرقه الإشارة الصادرة من الهاتف للوصول إلى القمر الصناعي، ولمَّا كانت الأقمار الصناعية تدور بعيداً عن مجال الجاذبية الأرضية، فإن تأثير هذه الجاذبية عليها أقل بكثير من تأثيرها على الهاتف، وبالتالي لا بد أن الساعة الموجودة في كمبيوتر القمر الصناعي تعمل بسرعة أكبر من نظيرتها في الهاتف، ولا بد أن هذه الفروق تسبب خللاً في قياس الزمن الذي تستغرقه الإشارة للوصول من أحدهما إلى الآخر، وهذا صحيح تماماً.

غير أن العلماء الذين ابتكروا تلك النظم المعقدة قد تنبّهوا لذلك فعلاً فالكمبيوتر الموجود على القمر الصناعي يقوم بتصحيح الوقت المسجل عليه أوتوماتيكياً كل يوم ليواكب الزمن الأرضي، ولولا ذلك لما تمكن من تحديد المكان بشكل دقيق.
علينا أن نشكر نسبية الزمن إذاً !

المصادر:
1- النظرية النسبية الخاصة والعامة تأليف: ألبرت أينشتاين، ترجمة: د. رمسيس شحاته
2- تاريخ أكثر إيجازاً للزمن تأليف : ستيفن هوكينغ و ليونرد ملوندينوف، ترجمة: د. أحمد السماحي و د. فتح الله شيخ
3- كيف تبني ألة الزمن تأليف: بول ديفيز
4- كشف أسرار الفيزياء تأليف: جان جيبلسكو، ترجمة: م. بسام العقباني
5- ما الثقوب السوداء تأليف: باسكال بوردي، ترجمة: محمد خلادي
الشروحات خاصة وبتصرف شخصي من الكاتب

5/14/2016

نسبية الزمن | الجزء الأول

 نسبية الزمن | الجزء الأول


تمهيد:

قبل حوالى 350 عاماً، وفي معرض شرحه لقواعد الفيزياء العامة، كتب العالم الإنجليزي السير إسحق نيوتن عن الزمن يقول:
"لست بحاجة لأن أشرح ماهية الزمن لأنه من المطلقات المتعارف عليها".
لكن الحقيقة أن تصور نيوتن كان بعيداً عن الصواب، على الأقل من وجهة نظر الفيزياء الحديثة، ففي عام 1905 وهو العام الذي أطلق فيه أينشتاين النظرية النسبية الخاصة وهدم نظرة الحس العام للزمن، فطرحت النسبية الخاصة أن الزمن يمكنه أن يتمدد ويستطيل و أيضاً ينكمش ولكن كيف يتم ذلك ؟؟

دعونا نتجرد من بعض حواسنا في إطار وسياق بحثنا بمفهوم نسبية الزمن، ودعوني أضع هذه المسألة بمزيد من الحذر فهي تمثل جوهر النسبية الخاصة من جهة ومن جهة أخرى يعد المفهوم الأكثر بروزاً في الفيزياء والكون.

نسبية الزمن في النسبية الخاصة

ما تأثير الحركة في المكان على الزمان؟ كما طرحنا سابقاً أن الزمن مرتبط بالمكان بمسمى الزمكان إذاً عزيزي القارئ لا بد من أن الحركة في المكان سيكون له تأثير على الزمان، وهنا المفارقة الكبرى؛ فلتضع في اعتبارك أن حركتك في المكان سيؤثر على الزمن ولكن كيف؟

نحن نعلم جميعاً أن السرعة هي مقياس للمسافة على الزمن أي : V=d/T
فالزمن يتناسب عكساً مع السرعة بمعنى آخر كلما زادت السرعة كلما تباطأ الزمن.
والأمر الآخر أن قانون تمدد الزمن مبني على بعض فروض النظرية النسبية العامة لأينشتاين وهي أن للضوء سرعة محدد في الفراغ 300000000 م\ث، فمن أهم الاكتشافات الفيزيائية في عهد أينشتاين هو أن للضوء سرعة محدد وهي سرعة ثابتة تمثل سقف المعادلات الفيزيائية والرياضية.

فكلما زادت سرعة الجسم المتحرك في الأبعاد المكانية الثلاث (الطول، العرض، الإرتفاع) كلما تباطأ الزمن وتمدد؛ فلنتوقف عند هذه النقطة، فبينما أنت جالسٌ في مكانك الآن تقرأ هذا المقال انظر إلى ساعة يدك؛ أنت تتحرك عبر البعد الزمني ولكنك جالس لا تتحرك ضمن المكان !

الآن قُم من موضع جلوسك وتحرك عبر المكان سينتقل جزء ضئيل جداً جداً من حركتك في الزمان (أثناء جلوسك) إلى المكان أثناء (حركتك في المكان)؛ و بانتقال هذا الجزء سيتباطأ الزمن لديك، ولكن هذا التباطؤ لن تدركه أبداً لأن حركتك في المكان وسرعة تحركك بطيئة جداً جداً، وإن تبين لك ما أعنيه فأنت الآن في جوهر النسبية الخاصة !

توضيح :

أنا سأبقى في المطار جالساً بينما تذهب أنت في رحلة بالطائرة (سرعة عالية مقارنةً بسكوني، فأنا أتحرك بسكوني وجلوسي في الزمان بينما أنت تتحرك بالطائرة بسرعة عالية بالنسبة لي في المكان، مما يؤدي الى جزء من حركتك من الزمان إلى المكان وبهذا يتباطأ الزمن بالنسبة لك مقارنة بي أنا .

ربما قد تتسأل لماذا لا نلاحظ في حياتنا اليومية هذا التباطؤ ؟
في الحقيقة أن السرعات على الأرض هي سرعات ضئيلة للغاية مقارنةً بسرعة الضوء ولتحقيق هذا التباطؤ الزمني يلزمنا سرعات تحقق نسبة 10/1 من سرعة الضوء، من هنا جاءت فرضية مفارقة التوأم المشهورة.

مفارقة التوأم, مفارقة التوائمِ

فرضية مفارقة التوأم:

فمثلاً إذا كان لك أخ توأم في مثل عمرك، وقام برحلة عبر صاروخٍ يسير بسرعة تعادل 90% من سرعة الضوء(فرضية)، فبعد أن يمر عليك خمسون عاماً وأنت لازلت على الأرض وأخاك قد عاد من رحلته فستجد أنك تكبر أخاك بخمسة وعشرين عاماً يفسر هذا بأن أخاك عندما كان في عالم مصغر(الصاروخ) يتحرك بسرعة قريبة من سرعة الضوء تباطأ الزمن بالنسبة إليه لكنه لم يشعر بهذا التباطؤ إلا بعد عودته إلى الارض، هذا مفهوم نسبية الزمن وأن الزمن ليس مطلق.

برهان الفرضية رياضياً:
قام الفيزيائيان "جو هافيل" و "ريتشارد كيتنج" عام 1971 م بوضع منبهات إلكترونية عالية الدقة تقيس حتى مرتبة النانو من الزمن بعدة طائرات تدور حول العالم وبعدها قاموا بمقارنة القراءات بقراءة نفس المنبهات التي تركت على الأرض فوجدوا أن قراءة منبهات الطائرة أبطأ من قراءة منبهات الأرض بمقدار 59 نانو ثانية و صدقت نبوءة أينشتاين !
رياضياً : إليك المعادلة الرياضية الخاصة بتباطؤ الزمن


 حيث:
T'o: هي زمن الجسم المتحرك
T : هي زمن الجسم المراقب على الأرض
V : هي سرعة الجسم المتحرك
C : هي سرعة الضوء

وهي المعادلة التي طرحها أينشتاين في النسبية الخاصة، ومنه كلما زادت سرعة الجسم المتحرك في المكان واقتربت من سرعة الضوء كلما ازداد تباطؤ الزمن؛ وفي الحقيقة تم التمكن من الوصول إلى قيمة تعادل99.999946 من سرعة الضوء، لكن أين تم ذلك؟ وعلى أي مستوى؟ تابعوا معنا الإجابة في الجزء الثاني.

المصادر:
1- النظرية النسبية الخاصة والعامة تأليف: ألبرت أينشتاين، ترجمة: د. رمسيس شحاته
2- تاريخ أكثر إيجازاً للزمن تأليف : ستيفن هوكينغ و ليونرد ملوندينوف، ترجمة: د. أحمد السماحي و د. فتح الله شيخ
3- كيف تبني ألة الزمن تأليف: بول ديفيز
4- كشف أسرار الفيزياء تأليف: جان جيبلسكو، ترجمة: م. بسام العقباني
5- ما الثقوب السوداء تأليف: باسكال بوردي، ترجمة: محمد خلادي
الشروحات خاصة وبتصرف شخصي من الكاتب

5/08/2016

مفهوم موجز للزمن !

مفهوم موجز للزمن !


لقد طرح أينشتاين في النظرية النسبية العامة مفهومَ البعدِ الرابع للكون مُترابِطاً مع الأبعاد المكانيةِ الثلاث تحت مسمى الزمكان النسيج المؤلف لكوننا، ليجعل من الفضاء رباعي الأبعاد.

وعلى الرغم من كلِ مارأيناه من ارتباطِ الزمان والمكان، فإنهما ليسا البتة على قدم المساواة، وليسا متساويين أومتكافئين، بل كان الزمان دائمًا -من وجهات النظرالمختلفة- متميزًا عن المكان ومتقدمًا عليه، حتى إن صمويل ألكسندر الذي رأى أنهما ندان لاينفصلان، وأكد فلسفيٍّا ما أكدته النظرية النسبية علمياً من أنه لايوجد مكان مستقل أو زمان مستقل في كوننا، بل ثمة فحسب زمانيات مكانية، تستلزم زمكان أولياً، تنبثق عنه كل الأشياء؛ عاد بعد هذا ليعلي من شأن الزمان بوصفه مبدأ تنظيم، لولاه لكان المكان كتلة مصمتة.

ومادامت مقولة الزمان بكل هذه الحيثية وكل هذه الشمولية من ناحية، ثم الهلامية المراوغة والغموض من الناحية الأخرى، فلابد أنها تحتمل النظر من ألف زاوية وزاوية ،لنخرج بألف وجهة للنظر ووجهة، وبصورة تنذر بمتاهات لإشكالية الزمان، لامخرج منها، فإن سعينا إلى تحديد الجواب بكلمات دقيقة يشتبك في مداخل عديدة للقاموس ويتقنع في شكل مفردات عديدة (كالمدة والتوالي والحركة والتغير).

تعريف الزمن

وتعريف الزمن في الفيزياء يكاد أن يكون أقل تعريفات الزمن عمقًا بالمقارنة مع المناهج الفلسفية المتباينة كما سنرى لاحقاً، لكن تريحنا نسبية أينشتاين – ولو إلى حين – من عناءِ تصوُّرِ بُرهةٍ زمنية مطلقة بالغة الامتداد، ففي النسبية، لكلِّ مرجع مكانُه و زمانُه، والزمان والمكان موجودان بقدر وجود المادة.

الزمن لم يتم تعريفه بشكل مطلق- ألبرت أينشتاين 

ترشدنا البداهة إلى حقيقة أن الزمن ليس ظاهرة مستقلة، ولكنه تجريد للحركة والأحداث في معنى من المعاني. ولعل إدراكنا المحدود للزمن يُعزى إلى حقيقة كونه لغةً للتعامل مع الأحداث.

وقد عرَّفَ العرب في معجم مختار الصحاح الزَّمَنُ و الزَّمَانُ: اسم لقليل الوقت وكثيره وجمعه أزْمَانٌ و أزْمِنَةٌ، وفي معجم اللغة العربية المعاصرة: زمان ، وقت قصير أو طويل، وعفَا عليه الزَّمَن أي تجاوزته الأحداث وصار متخلِّفًا قديمًا باليًا، ونجد تعريف الزمن في قاموس أوكسفورد بأنه الإمتداد المحدود أو الفراغ المكون من الوجود المستمر، ويعرفه قاموس أوكسفورد المتقدم بأن الزمن ما هو إلا المسار المستمر من التجارب والأحداث التي تمر من المستقبل إلى الحاضر إلى الماضي.

تذكرإحدى روايات الخيال العلمي أن حاسبًا إلكترونيًّا حاول، في سياق بحثه عن طبيعة الزمن، دراسة فترة لازمنية، فعمد إلى إيقاف زمنه، لكن لم يخطر في بال الحاسب أن إيقاف الزمن يُفضي إلى توقُّف الحركة وإلى توقُّفه هو بالتالي، وإلى تجمد العالم بأسره!

وقد عرَّف جملة من علماء الفيزياء الزمن؛ فقالوا أن الزمن هو كالسيل أو النهر يتدفق باستمرار، ولكن منهم من عارض فكرة سيل الزمن و من أبرزهم عالم الفلك الأمريكي كارل ساغان بقوله:
" لو اعتبرنا أن الزمن متدفقاً أو ممتداً فبمقارنة مع ماذا سنعتبره متدفقاً فالزمن لا يمكن قياسه بواسطة الأحداث أو بواسطة الزمن نفسه!"

ما هو الزمن ؟, تعريف الزمن


والزمن في فهم نيوتن للكون وقبل النسبية كان كياناً واحداً يجري للجميع بنفس الأمر ولايختلف من موضع لآخر فهو مطلق بمفهوم عام ولايتأثر بشيءٍ على الإطلاق وهذا هو الأمر الذي ثبت خطؤه فيما بعد. حيث أن النسبية الخاصة التي أطلقها أينشتاين في عام (1905) كانت الثورة التي رسخت مفهومنا عن الزمن و الكشف عن ماهيته وملابساته والسبب الرئيس وراء تميز نظرية النسبية الخاصةعن بقية أعمال أينشتاين في ذلك الوقت، بل وأعمال زملائه في عالم الفيزياء المتعارف عليها، هو أن أينشتاين تمكن من التحرر تمامًا من مفهوم الزمن بوصفه خاصية مطلقة تسير بالمعدل عينه لكل شخص و لكل شيء.

فهذه الفكرة جزء لا يتجزأ من الصورة النيوتونية للعالم، وأغلبنا يعتبرها صحيحة على نحو بديهي لدرجة أنها لاتستدعي النقاش من الأساس، وقد تطلب الأمرعبقريٍّا حقيقيٍّا لتحطيم تلك الحواجز و المفاهيم الضخمة.

فقد طرحت النظرية النسبية الخاصة فكرةً كانت ثوريةً بشأن تمدد الزمن واستطالته كما الأبعاد المكانية فاعتبرت الزمن وكأنه بعد رابع، الزمن يتباطأ و قابل للإستطالة والإنكماش وذلك عن طريق الحركة البالغة والسرعة العالية ليفتح بذلك عالماً جديداً و يربط تأثير الحركة ضمن المكان على الزمن و تأثير الأجرام فائقة الكتلة (جاذبيتها والجاذبية ترتبط بالكتلة بتناسب طردي) على تباطئ الزمن هذا ما ندعوه اليوم (نسبية الزمن) وجُل ما يوضح مفهوم الزمن هي التباطؤ والمرونة التي أبرزتها النسبية الخاصة بمعادلة شهيرة دعيت بمعادلة تباطؤ الزمن وبينت هذه المعادلة كما أسلفنا سابقاً تأثير حركة الجسم المادي و سرعته في المكان على الزمان.

المصادر :
1-كيف تبني آلة الزمن – بول ديفيز- ترجمة : منير شريف
2- هل الزمن موجود – إيتين كلاين – ترجمة: د. فريد الزاهي
3- الزمان في الفلسفة والعلم تأليف : أ.د. يمنى طريف الخولي
4- قاموس أكسفورد – أكسفورد المتقدم .
5- معجم مختار الصحاح
6- معجم اللغة العربية المعاصرة