نظرية الانفجار العظيم | الجزء الثالث

الانفجار العظيم من الألف إلى الميم - الجزء الثالث والأخير

التسلسل الزمني لأحداث الانفجار الكبير (2)

إعداد: محمد باقي

تعرفنا في المقال الماضي على الأحداث التي جرت في الأجزاء الأولى من الثانية الأولى لولادة الكون، ووصلنا إلى اللحظة التي تساوي واحد على مليون جزء من الثانية، واليوم نتابع..

‫خامساً‬:

وتعدُّ اللحظة التي تعادل جزءاً من مليون جزء (أي 10^-6) من الثانية المرحلة التي بدأت فيها الكواركات الحرة بالاختفاء وإلى الأبد، ففي هذه اللحظة، تبرد الكون الوليد إلى الدرجة عشرة آلاف مليار (أي 10^13 درجة مطلقة).
كانت الكواركات وأضدادها تهيم في الفضاء عشوائياً، وتتشكل وتتفانى بأعداد هائلة، ولكن ما إن أصبحت درجة الحرارة أقل بقليل من الدرجة المشار إليها آنفاً، حتى أصبحت طاقة الجملة غير كافية لتشكيل كواركات وكواركات مضادة جديدة، في حين أنَّ ما هو موجود منها استمر بالتفاني بشكل زوجي، وبأعداد كبيرة، الأمر الذي استدعى وصف هذه المرحلة بِـ ((مذبحة الكواركات)) التي لم تتوقف إلاَّ عندما انخفضت درجة الجملة إلى ما دون ألف مليار (أي 10^12) درجة مطلقة.

‫سادساً‬:

عندما أصبح عمر الكون جزءاً من عشرة آلاف جزء (أي 10^-4) من الثانية، أصبح حجم الكون (نتيجة التوسع الذي تقارب سرعته سرعة الضوء) بحجم المنظومة الشمسية الحالية، وبدأت الكواركات المتبقية بالترابط بعضاً ببعض، لتشكل الباريونات "Baryons"، التي هي البروتونات والنترونات التي نشأت من الكواركين U وD.
ولقد حدث الارتباط بفضل القوة النووية الشديدة، ممثلة بِالغليون Gluon (الغراء النووي) ويمكن القول أنَّ نواة أول عنصر (نواة الهدرجين أو البروتون) قد تشكلت في هذه المرحلة.

‫‏سابعاً‬:

ما إن مضت على ولادة الكون ثانية واحدة، وتبردت درجة الحرارة إلى بضعة عشرات مليار الدرجة، حتى توقف فناء الأنواع الثلاثة للنترينو، وهي: نترينو الإلكترون ونترينو الميون، ونترينو التاو، ويعود أمر نجاة أنواع النترينو (التي كانت حتى هذه المرحلة تحت سيطرة القوة النووية الضعيفة) إلى التبرد المتزايد للكون الذي أدى في النهاية إلى إضعاف هذه القوة، الأمر الذي سبب انعتاق أنواع النترينو بأعداد كبيرة، كي تهيم في فضاء الكون حتى يومنا هذا.

‫ثامناً‬:

عندما أصبح عمر الكون الوليد مئة ثانية، تبردت درجة حرارة الجملة إلى مليار درجة مطلقة، مستوى أمكن فيه للبروتونات والنترونات الارتباط بعضٍ ببعض لتشكل النواة التالية التي ولدت بعد نواة الهدرجين العادي (البروتون)، والثقيل أو الدوتِريوم ، ونعني بذلك نواة الهليوم التي تتألف من بروتونين ونترونين.
لقد شهد الكون في هذه المرحلة إذاً ولادة هذه النواة، المتراصة البنيان، والشديدة الثبات وتعد ولادة نواة الهيلوم الحدث المهم والمميزة لهذه المرحلة.
ويعتقد العلماء أنه وخلال الثلاث مئة ألف السنة التالية التي أعقبت مئة الثانية الأولى حدث زيادة هامشية في التوسع المنفعل للكون، وتبرد الكون أكثر فأكثر، لتصبح حرارته آلاف الدرجات، وامتزاج أوسع للهدرجين بالهليوم، وولادة بعض نوى العناصر الخفيفة (الليتيوم والبيريليوم والكربون).
كما تولد الإشعاع المعروف بأشكاله المختلفة، وفيض من الإلكترونات، وتحررت الفوتونات من البلازما البدئية التي تشكل مادة الكون.

‫تاسعاً‬:

يمكننا الآن تصور حال الكون بعد مرور ثلاث مئة ألف سنة، فالكون شفاف وصافٍ، ويغمر هذه الشفوفية ضياء باهر آخاذ، نجم عن تباطؤ امتصاص الإشعاع الذي هدأت ثورته، فتوقف عن تحطيم الذرات الآخذة بالتشكل، ذلك أن تبرد درجة حرارة الكون أتاحت للنواة أسر الإلكترونات، لتبقى هذه في كنف النواة، تدور في فُلكها، وهكذا بدأت العناصر المعدنية بالتشكل.

عاشراً‬:

يُتوقَعُ عامةً على أنَّ الكون ظل على هذه الحال مدة مليار عام، حيث أخذت بعدئذ المجرات بالتشكل بدءاً من الهدرجين والهليوم والركام (الغبار) الكوني.
ومنذ ثلاثة عشر مليار سنة والكون لا يزال كما هو، علماً بأنه عانى توسعاً منفعلاً، يتراوح ما بين 5 و10 في المئة كل مليار عام (ولا يزال يعاني هذا التوسع المنفعل وفقاً لنماذج ((فريدمان)))، فقد أصبح نصف قطر الكون الحالي القابل للرصد قرابة مليون مليار مليار (أي 10^24) كليومتر.
وفيما يتعلق بمدى وثوقية هذه الأرقام، فمن حقنا أن نتساءل فيما إذا كانت هذه الأرقام الدقيقة قد حددت فعلاً بالقياس التجريبي؟
إن الإجابة على هذا التساؤل سيكون قطعاً هو النفي‬.

ولكن يمكن التأكيد أنَّ هذه الأرقام صحيحة لسببين:
‫الأول‬:
أنَّها أتت نتيجة معالجات رياضية فيزيائية، انطلقت إما من نماذج تجربية أو نظرية منطقية، فمثلاً، عندما نقول إن أصغر طول في الطبيعة لا يمكن أن يقل عن طول ((بلانك))، ذلك لأنه يمكن للفيزياء النظرية أن تبرهن على أن الجُسيم الذي يقل طوله عن طول ((بلانك))، يتحول إلى نقطة كمومية (نقطة من الطاقة) تبتلع نفسها.
‫‏الثاني‬:
هو استقرائي واستنتاجي، انبثق عن تفسير النتائج التي أتت بها المسرعات الهائلة، التي تستطيع تحويل الطاقة إلى مادة وفقاً لمعادلة ((آينشتاين)) (E=mc2)، والاستنتاج من ذلك أنه في مستوى معين من الطاقة، يمكن حساب زمن ولادة الجُسيمات الأولية (الكواركات واللبتونات وغيرها)، وزمن فنائها، ودرجات حرارة تكونها، وغير ذلك، بالإضافة إلى المسابير الفضائية وما قامت به من قياسات تتعلق بإشعاع الخلفية والحرارة والصور الملتقطة لولادة وفناء النجوم والمجرات، كل ذلك ساهم في التكهن بهذه الارقام وصحة النظرية.

وفي نهاية هذا المقال لابد أن نؤكد أن حدوث هذه المراحل كان دقيقاً ومنظماً لا مجال للمصادفة فيه، يقول الفيزيائي ستيفن واينبرج ‫‏في كتابه الدقائق الثلاث الأولى من عمر الكون:
''لو كان الكون في الدقائق الأولى القليلة مؤلفاً حقاً من أعداد متساوية تماماً من الجسيمات والجسيمات المضادة، لكانت كل هذه الأعداد قد دُمرت نتيجة لانخفاض درجة الحرارة إلى أقل من 1.000 مليون درجة، ولما تبقَّى شيء غير الإشعاع، ويوجد دليل مقنع جداً ضد إمكانية حدوث ذلك؛ فنحن موجودون هنا! ولا بد أنه كانت هناك زيادة في عدد الإلكترونات عن البوزيترونات، وفي عدد البروتونات عن مضادات البروتونات، وفي عدد النيوترونات عن مضادات النيوترونات، لكي يتبقى شيء بعد تدمير الجسيمات والجسيمات المضادة يستطيع أن يقدم مادة الكون الحالي''·
وكما قال أناتول فرانس :
((إنَّ المصادفة هي الاسم المستعار للإله عندما لا يرغب في توقيع اسمه الصريح))، أو بالأحرى عندما لايرغب الإنسان بالتصريح!

ولولا وجود الإنسان، يغدو هذا الكون العظيم بلا معنى...

إعداد: محمد باقي
شارك في إعداد المقالات:
محمد هيثم البيك
فراس كالو
تدقيق لغوي: محمد طحان

المصادر:
تاريخ موجز للزمن – ستيفن هوكينج و ليونار مولندينوف
Steven Weinberg; The First Three Minutes, A modem view of the origin of the universe, Fontana Paperbacks. p89

جميع الحقوق محفوظة © أرابوست

تصميم الورشه